الأحد، 22 فبراير 2009

الجدران لا تصنع السجن

أول رواية لبنانية تضيء أسرار سجن النساء من الداخل
«الجدران لا تصنع السجن» لجويل جيابزي
عبده وازن / الحياة

لعلّها المرّة الأولى تكتب امرأة لبنانية تجربتها في سجن النساء كما عاشتها طوال خمسة أعوام، بجرأة تامة، غير متهيبة أية عواقب، بل فاضحة جحيم السجن وأسراره الخفية. إنها الكاتبة الفرنسية - اللبنانية جويل جيابزي في روايتها «الجدران لا تصنع السجن» الصادرة حديثاً بالفرنسية عن دار تاميراس (بيروت). قد تكون اللغة الفرنسية نفسها ساعدتها على تخطي المحرّمات والرقابة الذاتية وربما الخوف من الفضيحة نظراً الى كونها لغة «الآخر»، ولو كان نصف هذا «الآخر» لبنانياً. لكنّ الكاتبة الفرنسية الأب، اللبنانية الأم، تلم جيداً بالعربية، تقرأها وتكتبها وتعلّمها للأجانب في إحدى الجامعات اللبنانية. وهي قبل دخولها السجن كانت تمارس مهنة التعليم التي لم تفارقها وراء القضبان وعادت اليها بعد خروجها، وبعد شفائها من مرض الإدمان الذي حل بها زهاء عشرين عاماً. إنها لبنانية إذاً، ليس من ناحية الأم فقط، بل في عيشها الحياة اللبنانية، بأسئلتها العسيرة وشجونها. وكانت الحرب اللبنانية التي تركت ندوباً في جسدها جراء إصابتها المباشرة، حافزاً رئيساً في إدمانها المخدرات، هرباً من قسوة الواقع وبحثاً عن «فراديس مصطنعة» بحسب عبارة بودلير.
قد لا تكون رواية «الجدران لا تصنع السجن» رواية في المفهوم الشائع للفن الروائي بل هي أقرب الى السيرة الذاتية ولكن ذات الإطار المحدد والسياق المحدد اللذين يتمثلان في السجن. رواية سير - ذاتية أو «سيرويّة» تندمج فيها اليوميات والمذكرات والتداعيات من خلال «الأنا» التي تروي كما لو أنها تعترف معتمدة عناصر أو تقنيات عدة مثل الفلاش - باك، التقطيع، الكرونولوجيا، الوصف... ولا تغيب هذه «الأنا» الراوية إلا مرّة أو مرّتين عندما تتولى فعل السرد صديقة الراوية في نهاية الكتاب. غير أن هذه السيرة ليست بعادية بتاتاً ولا «طبيعية» بل هي سيرة امرأة عاشت خمسة أعوام بين جدران السجن ضحية «جرم» لا يرتكبه إلا الضحايا أنفسهم وضحية «تواطؤ» كان وراءه أحد المجرمين الذي كان يمدّها بـ «الهيرويين».
إنها فعلاً المرة الأولى يتعرف فيها القارئ اللبناني - وربما العربي - الى عالم سجن النساء، بأهوائه وأسراره أو خفاياه، وبالصراعات النفسية التي تعيشها السجينات، والغرائز والأحاسيس و «الانحرافات» والحقائق... عالم رهيب داخل العالم أو عالم على حدة، محذوف ومهمّش وشبه منسيّ، عالم واقعي، شديد الواقعية، مضطرب و «مهتزّ»، داخلي وحميم، يصنعه «المكان» بصفته سجناً مثلما تصنعه النسوة بصفتهن سجينات (وسجانات في أحيان). وإذا كان المكان معروفاً سابقاً بأبوابه الحديد وقضبانه وغرفه الصغيرة ومآسيه فإن السجينات يبدَوْنَ أشبه بالشخصيات الروائية، الحقيقية لا المتخيلة، بطبائعهن وأمزجتهن ومشاعرهن، حتى ليمكن وصف الرواية بجدارية (فرسك) مصنوعة من وجوه هؤلاء النسوة. والرواية أصلاً جدارية كبيرة تتداخل فيها الشخصيات والوجوه والأحداث الصغيرة والوقائع التي تظل مجهولة. ويمكن الكلام مثلاً عن السجينة سمر كما لو أنها «بطلة» هذه الجدارية، فهي شخصية محورية دارت من حولها شخصيات أخرى (منها الراوية) واحداث وعلاقات مضطربة غالباً... سمر، التي سجنت في قضية المخدرات استطاعت بذكائها أن تصبح مساعدة للسجانات، وعندما تدخل «الراوية» (الكاتبة نفسها) تتولى تفتيشها. منذ تلك اللحظة تكتشف الراوية فيها «وجه ملاك»، لكن هذا «الملاك» سيكون شريراً أو غير بريء بالأحرى. سمر التي تصوم رمضان وتصلي لا تتوانى عن حب ميمي السجينة الأثيوبية، ليس روحياً فقط بل جسدياً. وعندما تنقل ميمي من سجن «بربر خازن» في بيروت الى سجن طرابلس (للنساء) سرعان ما تقع في حب الراوية التي ستحبها أيضاً بجنون وتقضي معها ليالٍ حمراء في الفراش ولكن بالسرّ، وعلى رغم الأضواء التي يُمنع اطفاؤها ليلاً في الزنزانات. والمفارقة أن سمر مخطوبة في آنٍ واحد من شاب يدعى بيار، يتعاطى المخدرات ويكتب الشعر ويزور خطيبته باستمرار. إلا أن العلاقة بين سمر والراوية لا تلبث أن تتعقد لا سيما بعد عودة العشيقة السابقة ميمي الى سجن بيروت التي كان لها وقع «الرعد» كما تعبّر الراوية. ومع عودتها يعود الحب وتتقد الغيرة ويحل التواطؤ الصامت. تعود الراوية الى الحبوب المهدئة التي انقطعت عنها عندما اكتشفت حنان سمر ودفء جسدها، بل تعود الى عزلتها من غير أن تستسلم لليأس المطلق. بل هي تلجأ الى إثارة غيرة سمر عبر «علاقتها» البعيدة بالخطيب بيار الذي تعرّفت اليه وحلّت بينهما صداقة ملتبسة. وكانت سمر تستغل حبها لخطيبها لتشعل الغيرة في قلب الراوية التي تسمي بيار «عدوي الحميم». هذه العلاقة المعقدة بين سمر وميمي الأثيوبية، وبين سمر والراوية، لا يمكن وصفها بالعلاقة الشاذة أو السحاقية فقط. إنها أعمق وأبعد من هذا الوصف. إنها علاقة إنسانية ولو عراها التوتر والشغف والجنون في بعض الأحيان. فالرجل حاضر وإن طيفياً، بل إن الراوية وسمر كانتا تحسان دوماً أنهما منجذبتان إليه. وهذه العلاقة «المثلية» تمسي علاقة حبّ مثالي بعد الخيبة التي منيت بها النسوة الثلاث أو بعد الفشل في مواصلة «اللعبة». كانت الراوية تردد: «أحتاج أن أُحَبّ ولكن أحتاج أيضاً أن أُحِبّ الآخرين». والحب الأخير، الروحي والمثالي استطاع أن يهيمن على الحب الجسدي من غير أن يلغيه تماماً. فالراوية سرعان ما تصبح أستاذة سمر في السجن وتساعدها على مواصلة دراستها الجامعية ونيل الشهادة في علم الآثار. وتعلّم أيضاً غريمتها ميمي اللغة الانكليزية. لكن سمر ظلّت في حياتها بمثابة الحدث العاطفي الذي هز كيان الراوية على رغم شوقها الدائم الى ابنتها أورور وحنينها الى زوجها (انطوان) الذي طلّقته. وعندما اقترب خروج سمر من السجن سعت الى الاعتياد على فكرة خروجها والفراغ الذي سيحدثه في حياتها.

صفحات ووقائع ووجوه

لا يمكن اختصار هذه الرواية بصفحاتها الأربعمئة ووقائعها وأشخاصها ووجوهها على رغم الأيام الطويلة والمتشابهة والزمن المغلق أو المكان المغلق. أحداث مأسوية حيناً، عبثية حيناً، مجانية وذات بعد إنساني: جرذان، فيضان المجارير، مرض الجدري في غرفة السجينات السريلانكيات، مرض الجرب، المواجهات، الصوم، الصلاة، الأفلام المصرية على الشاشات الصغيرة داخل الغرف، المهدئات، العلاقات السرّية... وأطرف الوقائع وضع خادمة سيرلانكية وليداً داخل السجن ومعه ستصبح السجينات جميعاً أمهات حنونات. وعلى رغم فصل السريلانكيات في زنزانة خاصة بعيداً من اللبنانيات، فالسجن لا يعرف أي «فصل» عنصري. فالجميع متساويات داخله أياً كانت هوياتهن أو طوائفهن. ولكن حين تدخل السجينة نضال المتهمة في المشاركة في محاولة اغتيال السيد حسن نصر الله، أمين حزب الله، تنفضّ عنها السجينات الشيعيات ويبادلنها الكراهية ويصفنها بالخائنة، فتهرب الى زنزانة السريلانكيات. أما الدين فهو هنا لله، ولا غرابة أن تقرأ المسلمات القرآن الكريم والمسيحيات الانجيل وأن تنتمي المرشدات الاجتماعيات اللواتي دأبن على زيارة السجن الى طوائف عدة ومنهن «الحجات» اللواتي كن يقابلن المسلمات. عالم يمثل عالم الخارج ولكن مع شيء من «السلام» العابر - ربما - أو الموقت، ما دامت السجينات أخوات ومواطنات في بلاد هي السجن والسجن فقط.
لكن قصص السجينات وقضاياهن أو شجونهن تتمثل الواقع المأسوي الذي يشهده عالم الخارج، الواقع المأزوم اجتماعياً واقتصادياً وإنسانياً... إنهن ضحايا هذا الواقع السلبي ولو كن في أحيان قاتلات أو سارقات أو متواطئات أو منحرفات... قديرة دخلت السجن بعدما قتلت زوجها، دارين (32 سنة) أعطت «شكاً» بلا رصيد، هند محكومة باثنتي عشرة سنة إثر مشاركتها في اعتداء إرهابي، مارلين (42 سنة) أوقفت في مطار بيروت وفي جعبتها كوكايين، ابتسام سجنت لأنها بلا أوراق ثبوتية، أوديت ابنة السبعين عاماً قُبض عليها في حديقة حوّلتها بيتاً وتبين انها بلا هوية، إيرينا الأوكرانية الشقراء دفعها زوجها اللبناني الى البغاء... وجوه كثيرة تحفل بها الزنزانات: عنترة، هنادي، زينة، هاجر، زينون (18 سنة) شادية، أماني، ميرا الثرية، فاطمة السمينة، أصالة التي تتقن الرقص الشرقي، سناء البرجوازية، جانيت التي تتكلم قليلاً، جمال التي تحب اللغة الفرنسية، جميلة التي ضبطت وهي تتلصص على فاتن في الحمام... إضافة الى فتيات سوريات وسريلانكيات وأثيوبيات.
لا تستهل الراوية كتابها كما يفعل الروائيون عادة عبر بوابة السجن التي تفتح ثم تغلق بصوتها القوي، بل عبر الحافلة المصفحة التي نقلتها الى سجن بيروت مع سبع عشرة امرأة ضاق بهن صندوقها الذي يشبه «براد» المثلجات، لكنه عابق بالحرّ وروائح العرق والقيء. السجن يبدأ هنا في هذه «الحافلة» التي بلا نوافذ وليس فقط وراء القضبان. انه الثامن عشر من أيار (مايو) 2001، هذا اليوم سيقابله في الختام الثالث عشر من شباط (فبراير) 2006، يومان حاسمان وربما متشابهان مثلما شعرت الراوية التي تعترف في ختام كتابها: «لديّ انطباع بأن جزءاً مني لا يزال في السجن». فالخروج من السجن كما الدخول اليه لم يكن سهلاً ولعلها لم تتمكن من الشفاء من السجن إلا عندما بدأت الكتابة، كتابة حكايتها التي عاشتها مرة ثانية ولكن على الصفحة البيضاء أي حين كتبتها، متخطية العجز الذي طالما واجهته داخل السجن. فهي حاولت مرات أن تكتب «هناك» ولم تتمكن، مع أن وصية زميلتها السجينة دارين ظلت تتردد في رأسها: «أكتبي! اكتبي عن الحياة في السجن، عن النساء في السجن...». أما الصفحات الوحيدة التي استطاعت أن «تحبرها» فهي الرسائل الى العائلة، والشقيقات والابنة أورور. لكنها منذ أن بدأت في الكتابة بعد خروجها لم تتمالك عن الإفاضة وكأنها شعرت أنها لا تشفى من السجن ان لم تكتب ما يشبه «الملحمة» السردية، فإذا الرواية طويلة وحافلة بالمرويات والوقائع والاستطرادات، وكان يمكن اختصارها. إلا ان التطويل لم يحل دون التمتع في قراءتها ومتابعة التفاصيل التي لم تنسها الكاتبة ولم تتناسها. فهي الكاتبة والراوية في آن واحد كما هي «البطلة» أيضاً أو إحدى البطلات، تكتب ما عاشت وتعيش ما تكتب، هي الفرنسية التي لم تؤثر فيها «غربتها» داخل السجن ولم تميّزها هويتها الأجنبية عن سواها من السجينات، بل عملت على خدمتهن بتواضع كلّي ما جعل أحد الحراس يفاجأ مرّة. ومثلما عملت في المطبخ في تحضير القهوة والشاي للسجينات علاوة على الخدمات الأخرى، عملت على إعداد سمر وتدريسها لتحصل على الشهادة الجامعية. لكن الألم لم يفارقها لحظة، فكانت تبكي بدموع وبلا دموع حيناً.
«الجدران لا تصنع السجن» رواية تحتاج فعلاً أن تترجم الى العربية، فالقارئ اللبناني - والعربي - سيكتشف فيها عالماً طالما كان ولا يزال مهمّشاً ومجهولاً على رغم «الحياة» التي يضج بها. إنها المرة الأولى تجرؤ كاتبة على فضح أسرار هذا السجن من داخله، من صميم مآسيه ومهزلاته التي ليست إلا مآسٍ صغيرة

المصدر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق