الأحد، 22 فبراير 2009

ديمقراطية الأحزاب الأصولية

طالب المولي

حين أرادت أوروبا النهوض من النكبات التي حلت بها بعد الحروب الطاحنة، والدمار الذي لحق بها والمآسي التي خلفتها، والتي لحقت بمقدراتها وراح ضحيتها الملايين من البشر. ولم تجد أوروبا إلا خيار الرجوع والإيمان الحقيقي بالنظام الديمقراطي، والذي هو نتاج عقول فلاسفة التنوير الأوروبي، ولكن لم تجد تلك الصيحات التي أطلقها الفلاسفة في العصور الوسطى آذانا صاغية لمخاطر الرؤية الأحادية والنظام القائم على تحالف رجال الدين والسلطة.

وبعد الحرب العالمية الأولى والثانية، آمنت أوروبا بالخيار الديمقراطي القائم على التعددية الدينية والفكرية، وسيادة القانون وحقوق الإنسان وفصل السلطات، وحكم الأغلبية مع احترام حقوق الأقلية. وبتلك القيم الديمقراطية والمساجلات الفكرية المتواصلة، أقامت الدول الأوروبية أنظمتها الديمقراطية التي كانت السبيل الأمثل لحياة أفضل تسبح فيها جميع أطياف البشر بتنوع أفكارهم ومعتقداتهم، واستطاعت الديمقراطية إيجاد المناخ المناسب لتنامي الفكر الديمقراطي والتكنولوجي.

فسارعت دول العالم إلى حذو الأنموذج الديمقراطي الغربي كخيار وحيد للتقدم والرقي، بينما لايزال عالمنا العربي الإسلامي يستغل الديمقراطية أبشع استغلال للوصول إلى الحكم عبر صناديق الانتخاب، وبعدها تبدأ التيارات الدينية الأصولية لرسم أجندتها للقضاء على القيم الديمقراطية بسلسلة طويلة لخنق الحريات واستبدالها بفكر أحادي لا يؤمن إلا بديمقراطية مشوهة.

وجبهة الإنقاذ الجزائرية وحركة حماس وحزب الله اللبناني دليل دامغ لسعي تلك الأحزاب لفرض برنامجها الديني عبر تكميم الأفواه والانقلاب على الدولة عبر الوسائل الديمقراطية.

واستطاعت التحالفات الأصولية أن تفرض نظامها على الدولة قبل المواطنين، بفضل إيمانهم اومعتقدهم القائم على المركزية الدينية التي يؤمنون بها. وعبر الاستغلال القبيح وغير الأخلاقي للديمقراطية من قبل التيارات الأصولية، تعيش الكويت في أزمة بين خيار الديمقراطية ونظام الفتوى وولاية الفقيه، ومنعت بأدوات تدعي بأنها ديمقراطية التعليم المشترك، باعتباره السبب الرئيسي لفساد المجتمع وانحلاله، كما صرح أمين عام جمعية الإصلاح الاجتماعي ذراع الإخوان المسلمين في الكويت،

وبدأت بعدها التعديات على أسس النظام الديمقراطي باعتماد الفتوى واستغلال الدين لتأليب المجتمع على المطالبين بعودة التعليم المشترك، وأشاعت بأساليبهم المعهودة حول نية المطالبين بهذا القانون بأنهم شرذمة تريد أن تشيع الفاحشة والزنا في المجتمع الكويتي، بهذه الصورة السمجة اختطفت الكويت ودستورها على مرأى ومسمع من النظام والحكومة.

ويصبح سدنة الفكر الديني بشقيه السني والشيعي الأوصياء على تحركات المواطنين ومراقبتهم، ليعود قانون الجلد الصحراوي والإرهاب الفكري المتسيد على الحياة في الكويت، وتفقد بذلك الكويت تاريخها القائم على التعددية والتسامح بنظام مظلم قاتم يتسيده رجال الفكر الأصولي تحت راية تكفير المجتمع، ضاربين بآراء الآخرين ومشاعرهم وحرياتهم عرض الحائط بدعوى الحفاظ على ثوابت الأمة.

اختطف القانون والحريات والديمقراطية في الكويت كنتيجة طبيعية لتنامي التيار الأصولي خارج مفهوم الدولة والمواطنة، وتتحول الكويت إلى دولة طالبان يقودها الطبطبائي والحربش وحزب الأمة وحزب الله وغيرهم من المتأسلمين.

التيارات الأصولية وصولية لتنفيذ أجندة التيارات الدينية، كما ينفذها باقتدار نواب جاؤوا عبر الديمقراطية، كما ينفذها باقتدار النائب عدنان عبدالصمد بعد تأبينه المشؤوم الإرهابي عماد مغنية، مستهينا بمشاعر أهل الكويت بادعائه المزيف بعدم وجود دليل قضائي على اختطاف طائرة الجابرية، ولا أعلم هل يملك سيدنا الجليل الدليل القضائي لجرائم صدام وبن لادن وأبو مصعب الزرقاوي وجميع إرهابيي العالم. لكن ستكون هذه هي القشة التي قصمت ظهر البعير.

الصور كثيرة على عدم إيمان التيار الأصولي بمفهوم المواطنة القائم على احترام سيادة القانون، وتبعيتهم العمياء للفتاوى القادمة من ولي الفقيه ولو أضرت بمصالح الكويت، وتكون الكويت ودستورها هي الضحية لتلك الممارسات غير المسؤولة. وأتمنى أن يتخذ الكويتيون موقفهم الحازم من الديمقراطية كخيار وحيد لا يقبل التجزئة والقسمة، والتضحية في سبيل إعادة الاحترام للقانون والحريات، وإلاّ كانوا قربانا وضحايا لسياسة التيارات الأصولية الرعناء.

الديمقراطية هي الحل الأنسب لخلق مجتمع تعددي قائم على الاختلاف والتعددية الفكرية، وهي سبيل كل من يرتأي الوصول إلى حياة مثلى، قائمة على احترام آراء الآخرين مهما اختلفت. بينما لم نجد من التيارات الأصولية إلا خيار القتل والإرهاب كوسيلة لبث الرعب والرهبة في نفوس الناس، وباستغلالهم البشع للدين وتحويله إلى سلاح يوجه إلى صدور المخالفين بدعوى الحفاظ على قيم الإسلام.

كاتب كويتي

almole110@kwtanweer.com

المصدر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق