الأحد، 22 فبراير 2009

الشباب ومشاكل الاختيار

عبير العلي

الإصغاء والصمت عنوانان هامان جداً ومرتبطان ارتباطاً وثيقاً ببعضها، ولعل الإصغاء الذاتي يأتي بالدرجة الأولى في الأهمية فبقدر معرفتي لذاتي والإصغاء إليها بقدر ما استطيع تجاوز ضغوطها وأزماتها الاجتماعية والمنزلية.
هذا ما ورد في لقاء بين الأب فرانس فاندرليخت من دير الآباء اليسوعين بحمص ومجموعة من الشباب في قرية صدد وذلك من ضمن نشاطات لجنة التنمية في القرية قدم الأب فرانس أفكار حول اختيار الشريك وطريقة التعامل معه فاعتبر أن صعوبة الاختيار تكمن في عدم معرفتنا لحقيقة هذه اللفظة وعدم إدراكنا لها ينحصر بالطبع في عدم تلقي ثقافتنا الأولى في المنزل، فما نتلقاه إيجاباً كان أم سلباً فهو سينعكس على كل أمر من أمورنا ، وهنا نحن بصدد الارتباط الأمر الهام.
(أنا مصغ جيد إلى لنفسي أنا مصغ جيد للآخر) معرفتي تنطلق من هنا والطريق تصبح سهلة لمعرفة الآخر جيداً.
في الارتباط يرسم أحدنا لفتاة أحلامه صورة جميلة وكذلك الفتاة، والصورة عادة نقوم برسمها تبعاً لما تلقاه كل منا من مؤثرات وتربية وتوجيه ونسقط عليه أحلامنا.
إذا الاختيار يكون حسب الصورة وليس (حسب خصوصية وكيان كل منهما).
أنا لا أفكر فيما يعاني الآخر أو فيمنا يتخبط به من مشاكل والسبب واضح جداً لأنني لا أسمع إلا ذاتي وما أبغيه من هذا الشخص.
بهذه الحالة تتبلور الأنانية لدى الجنسين ويتظاهر كل منهما على الآخر هو بالحنان والقوة وهي بالرومانسية والمظهر الأنيق ليبقى انتباهه مشدوداً إليها باستمرار.
فترة الخطوبة هي فترة شكليات أكثر منها تعارف وتقارب فكري. لتأتي المفاجأة بعد الزواج، التعصب يظهر وتبدأ المشاكل وتبدأ هي بلمس أشياء ما كانت في الحسبان، وبهذه الحالة تكون الحلقة المفقودة والهامة هي عدم الدخول إلى عمق التفكير أي إلى الداخل، اللاوعي ظهر في الوعي عند الزواج، وكذلك هي الأنيقة اللبقة المتحدثة، كشفت على حقيقتها ولم تعد مثل أيام الخطبة، ويظهر الفرق والمقارنة، بالنسبة إليه لم يشاهد داخلها... لم يصمت لها... لم يفكر في سهرة أن يسألها عن حالها...أمورها..معاناتها.
كما تحدث الأب فرانس عن شروط الاختيار واعتبر أن النضوج الشخصي، والعمر المحدد اللائق بحياة زوجية هما شرطان أساسيان لسهولة الاختيار ونجاحه وبعدها يأتي الصمت التام كل منهما بمفرده.
وتأتي المرحلة الأساسية أو السؤال الهام: كيف نطبق الصمت؟ نطبقه بحب..بمصداقية لتكوين ثنائي جميل وخالٍ من الأخطاء.
الشرط الثاني: هو التعاون بين العواطف والعقل وذلك لأهمية كل منهما في حياتنا أولاً.
وللدور الذي يلعبه هذان الشرطان من تكوين أسرة سعيدة عنوانها الحب قوامها التفاهم تكلم عن دور الناضج الواثق من نفسه الذي بمقدوره أن يفرح مع الآخر ويحزن معه لأنه ممتلئ من الداخل ويستطيع أن يعكس كل ما بداخله من أحاسيس ومشاعر على الآخر وبأريحية. ومن ميزاته أيضاً لا يظهر بحدة عيوب الآخر لمجرد إظهارها فقط وغنما للمساعدة في تحسينها قدر الإمكان.
تحدث عن مريض يشكو دائماً من عدم وجود الذات لديه فهو كما يريد العالم وكما يطلب الأهل والأهل لا يسمعون له ويطلبون نجاحاً ، عدم معرفته لذاته من أجزاء الآخرين سيطرتهم الدائمة عليه وعلى أفكاره جعلته نسى الأنا، مقيد ولا يمكنه أن يعيش بحرية، يطلب فك القيود التي تحاصره لأن الحب لم يعد عفوياً وصوت بداخله يؤكد له عدم استمراريته حتى الأحلام كانت ترجمة لما يعانيه في الواقع، أراد في النهاية أن يتحرر من سلطة الوالد.
وهنا بدأ بالعلاج والانطلاق هو من الذات وما تعانيه من ضغوط ، السماع لها والانتظار من إطلاق أي شيء مكبوت لجعله واضحاً وبمجرد التكلم عنه وعرضه خارج النفس يصبح الأمر أكثر سهولة.
وهنا تكلم عن السكن داخل الآخر بتاريخه وبأحاسيسه وعند الإصغاء بصمت كامل يصبح الموضوع سهلاً حتى في عرض أكبر مشكلة.
فمعرفة اللاوعي تكمن في الإصغاء الجيد ومنها أصل إلى الوعي وهو القسم الأهم من الذات التي لا أعرفها.
كيف أتعاون وبشكل مدروس بين العواطف والعقل وعملية المزج ضرورية ولكن كيفية مزجها يحتاج إلى وعي وإدراك لأي أمر عقلاني كان أو عاطفي.
أبحث عن العواطف وأطلقها من ذاتي وأريدها كما أحب أنا أن تكون هذا التخطيط المسبق وعدم إحساسي بالآخر وما يملك هي عواطف نرجسية بحتة ، وبهذه الحالة ليس لدى الآخر خيار إلا الاهتمام بما أنا أحبه وبما أحب لنفسي فيه.
فالمصلحة هي الأساس وميولي هي التي تتحكم بكل شيء، فيما بعد عندما أحصل على المصلحة يذهب ما تبقى بذهابها وخيبة أمل الليلة الأولى من الزواج متوقفة بكل حالاتها على ما ذكر ، الحب موجود والاهتمام موجود ولكن كلاً على حدا وعدم معرفتي له لأنني كنت أعيش عزلة داخلية وفراغي العاطفي شيء طبيعي، لعدم وجود الحب المرتبط بالعقل وبعيد عن المصالح ، ولكن عندما أستعمل الآخر من أجل تزويدي بالفراغ فهنا لا وجود للحب مطلقاً ، علينا أن نكون متيقظين لاكتشاف كل منا لشريكه، السفر إلى أعماقه والبحث في كل محارة، وعليّ اعتبار المحار موجود دائماً ليكون التفاؤل بالأفضل موجود.
تكلم عن الارتباط ووجود المشاكل بعد الزواج يفضل إما الانتظار فترة بدون أولاد لمعرفة الحياة أكثر أو الاستيعاب الكامل لجميع المشاكل طالما وجد أطفال ، وفيما بعد يرفض الانفصال بكل حالاته بوجود الأطفال والمحاولات يجب أن تكون حثيثة حتى عندما يكبر الأهل ، يفضل الابتعاد بأي حجة,أما الانفصال فمرفوض حتى عند الأولاد الكبار سيؤثر بشكل سلبي عليهم.
تكلم عن الروح الذي علينا أن نتعامل به مع بعضنا الروح وجمالية العلاقة الروحانية، فهي انعكاس جميل لنا ولأطفالنا فالأطفال تصل إليهم روح العلاقة الجيدة فيتعلموها ويعتادونها وتأخذ لديهم منحاً وحساً راقياً يمكنهم من نقلها إلى محيطهم الصغير ومن ثم المحيط الأكبر.
عندما أعطي روح العلاقة لزوجتي أنهل منها روحها ، أقدم إليها أوخذ الروح وليس الأفكار والطبائع، الحب هو الذي سيمهد لي الوصول إلى ما أريد.
وفي النهاية تحدث الأب فرانس عن المصارحة الجنسية لدى الأطفال وأنّ دراستها يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار وترتيبها كأفكار ونقلها يجب ألا نستهن به ولكن سيصبح سهلاً لو سرنا به درجة درجة سنجد أنفسنا وقد وصلنا إلى ما نريد وبشكل سهل.
عبير العلي،

المصدر

الجدران لا تصنع السجن

أول رواية لبنانية تضيء أسرار سجن النساء من الداخل
«الجدران لا تصنع السجن» لجويل جيابزي
عبده وازن / الحياة

لعلّها المرّة الأولى تكتب امرأة لبنانية تجربتها في سجن النساء كما عاشتها طوال خمسة أعوام، بجرأة تامة، غير متهيبة أية عواقب، بل فاضحة جحيم السجن وأسراره الخفية. إنها الكاتبة الفرنسية - اللبنانية جويل جيابزي في روايتها «الجدران لا تصنع السجن» الصادرة حديثاً بالفرنسية عن دار تاميراس (بيروت). قد تكون اللغة الفرنسية نفسها ساعدتها على تخطي المحرّمات والرقابة الذاتية وربما الخوف من الفضيحة نظراً الى كونها لغة «الآخر»، ولو كان نصف هذا «الآخر» لبنانياً. لكنّ الكاتبة الفرنسية الأب، اللبنانية الأم، تلم جيداً بالعربية، تقرأها وتكتبها وتعلّمها للأجانب في إحدى الجامعات اللبنانية. وهي قبل دخولها السجن كانت تمارس مهنة التعليم التي لم تفارقها وراء القضبان وعادت اليها بعد خروجها، وبعد شفائها من مرض الإدمان الذي حل بها زهاء عشرين عاماً. إنها لبنانية إذاً، ليس من ناحية الأم فقط، بل في عيشها الحياة اللبنانية، بأسئلتها العسيرة وشجونها. وكانت الحرب اللبنانية التي تركت ندوباً في جسدها جراء إصابتها المباشرة، حافزاً رئيساً في إدمانها المخدرات، هرباً من قسوة الواقع وبحثاً عن «فراديس مصطنعة» بحسب عبارة بودلير.
قد لا تكون رواية «الجدران لا تصنع السجن» رواية في المفهوم الشائع للفن الروائي بل هي أقرب الى السيرة الذاتية ولكن ذات الإطار المحدد والسياق المحدد اللذين يتمثلان في السجن. رواية سير - ذاتية أو «سيرويّة» تندمج فيها اليوميات والمذكرات والتداعيات من خلال «الأنا» التي تروي كما لو أنها تعترف معتمدة عناصر أو تقنيات عدة مثل الفلاش - باك، التقطيع، الكرونولوجيا، الوصف... ولا تغيب هذه «الأنا» الراوية إلا مرّة أو مرّتين عندما تتولى فعل السرد صديقة الراوية في نهاية الكتاب. غير أن هذه السيرة ليست بعادية بتاتاً ولا «طبيعية» بل هي سيرة امرأة عاشت خمسة أعوام بين جدران السجن ضحية «جرم» لا يرتكبه إلا الضحايا أنفسهم وضحية «تواطؤ» كان وراءه أحد المجرمين الذي كان يمدّها بـ «الهيرويين».
إنها فعلاً المرة الأولى يتعرف فيها القارئ اللبناني - وربما العربي - الى عالم سجن النساء، بأهوائه وأسراره أو خفاياه، وبالصراعات النفسية التي تعيشها السجينات، والغرائز والأحاسيس و «الانحرافات» والحقائق... عالم رهيب داخل العالم أو عالم على حدة، محذوف ومهمّش وشبه منسيّ، عالم واقعي، شديد الواقعية، مضطرب و «مهتزّ»، داخلي وحميم، يصنعه «المكان» بصفته سجناً مثلما تصنعه النسوة بصفتهن سجينات (وسجانات في أحيان). وإذا كان المكان معروفاً سابقاً بأبوابه الحديد وقضبانه وغرفه الصغيرة ومآسيه فإن السجينات يبدَوْنَ أشبه بالشخصيات الروائية، الحقيقية لا المتخيلة، بطبائعهن وأمزجتهن ومشاعرهن، حتى ليمكن وصف الرواية بجدارية (فرسك) مصنوعة من وجوه هؤلاء النسوة. والرواية أصلاً جدارية كبيرة تتداخل فيها الشخصيات والوجوه والأحداث الصغيرة والوقائع التي تظل مجهولة. ويمكن الكلام مثلاً عن السجينة سمر كما لو أنها «بطلة» هذه الجدارية، فهي شخصية محورية دارت من حولها شخصيات أخرى (منها الراوية) واحداث وعلاقات مضطربة غالباً... سمر، التي سجنت في قضية المخدرات استطاعت بذكائها أن تصبح مساعدة للسجانات، وعندما تدخل «الراوية» (الكاتبة نفسها) تتولى تفتيشها. منذ تلك اللحظة تكتشف الراوية فيها «وجه ملاك»، لكن هذا «الملاك» سيكون شريراً أو غير بريء بالأحرى. سمر التي تصوم رمضان وتصلي لا تتوانى عن حب ميمي السجينة الأثيوبية، ليس روحياً فقط بل جسدياً. وعندما تنقل ميمي من سجن «بربر خازن» في بيروت الى سجن طرابلس (للنساء) سرعان ما تقع في حب الراوية التي ستحبها أيضاً بجنون وتقضي معها ليالٍ حمراء في الفراش ولكن بالسرّ، وعلى رغم الأضواء التي يُمنع اطفاؤها ليلاً في الزنزانات. والمفارقة أن سمر مخطوبة في آنٍ واحد من شاب يدعى بيار، يتعاطى المخدرات ويكتب الشعر ويزور خطيبته باستمرار. إلا أن العلاقة بين سمر والراوية لا تلبث أن تتعقد لا سيما بعد عودة العشيقة السابقة ميمي الى سجن بيروت التي كان لها وقع «الرعد» كما تعبّر الراوية. ومع عودتها يعود الحب وتتقد الغيرة ويحل التواطؤ الصامت. تعود الراوية الى الحبوب المهدئة التي انقطعت عنها عندما اكتشفت حنان سمر ودفء جسدها، بل تعود الى عزلتها من غير أن تستسلم لليأس المطلق. بل هي تلجأ الى إثارة غيرة سمر عبر «علاقتها» البعيدة بالخطيب بيار الذي تعرّفت اليه وحلّت بينهما صداقة ملتبسة. وكانت سمر تستغل حبها لخطيبها لتشعل الغيرة في قلب الراوية التي تسمي بيار «عدوي الحميم». هذه العلاقة المعقدة بين سمر وميمي الأثيوبية، وبين سمر والراوية، لا يمكن وصفها بالعلاقة الشاذة أو السحاقية فقط. إنها أعمق وأبعد من هذا الوصف. إنها علاقة إنسانية ولو عراها التوتر والشغف والجنون في بعض الأحيان. فالرجل حاضر وإن طيفياً، بل إن الراوية وسمر كانتا تحسان دوماً أنهما منجذبتان إليه. وهذه العلاقة «المثلية» تمسي علاقة حبّ مثالي بعد الخيبة التي منيت بها النسوة الثلاث أو بعد الفشل في مواصلة «اللعبة». كانت الراوية تردد: «أحتاج أن أُحَبّ ولكن أحتاج أيضاً أن أُحِبّ الآخرين». والحب الأخير، الروحي والمثالي استطاع أن يهيمن على الحب الجسدي من غير أن يلغيه تماماً. فالراوية سرعان ما تصبح أستاذة سمر في السجن وتساعدها على مواصلة دراستها الجامعية ونيل الشهادة في علم الآثار. وتعلّم أيضاً غريمتها ميمي اللغة الانكليزية. لكن سمر ظلّت في حياتها بمثابة الحدث العاطفي الذي هز كيان الراوية على رغم شوقها الدائم الى ابنتها أورور وحنينها الى زوجها (انطوان) الذي طلّقته. وعندما اقترب خروج سمر من السجن سعت الى الاعتياد على فكرة خروجها والفراغ الذي سيحدثه في حياتها.

صفحات ووقائع ووجوه

لا يمكن اختصار هذه الرواية بصفحاتها الأربعمئة ووقائعها وأشخاصها ووجوهها على رغم الأيام الطويلة والمتشابهة والزمن المغلق أو المكان المغلق. أحداث مأسوية حيناً، عبثية حيناً، مجانية وذات بعد إنساني: جرذان، فيضان المجارير، مرض الجدري في غرفة السجينات السريلانكيات، مرض الجرب، المواجهات، الصوم، الصلاة، الأفلام المصرية على الشاشات الصغيرة داخل الغرف، المهدئات، العلاقات السرّية... وأطرف الوقائع وضع خادمة سيرلانكية وليداً داخل السجن ومعه ستصبح السجينات جميعاً أمهات حنونات. وعلى رغم فصل السريلانكيات في زنزانة خاصة بعيداً من اللبنانيات، فالسجن لا يعرف أي «فصل» عنصري. فالجميع متساويات داخله أياً كانت هوياتهن أو طوائفهن. ولكن حين تدخل السجينة نضال المتهمة في المشاركة في محاولة اغتيال السيد حسن نصر الله، أمين حزب الله، تنفضّ عنها السجينات الشيعيات ويبادلنها الكراهية ويصفنها بالخائنة، فتهرب الى زنزانة السريلانكيات. أما الدين فهو هنا لله، ولا غرابة أن تقرأ المسلمات القرآن الكريم والمسيحيات الانجيل وأن تنتمي المرشدات الاجتماعيات اللواتي دأبن على زيارة السجن الى طوائف عدة ومنهن «الحجات» اللواتي كن يقابلن المسلمات. عالم يمثل عالم الخارج ولكن مع شيء من «السلام» العابر - ربما - أو الموقت، ما دامت السجينات أخوات ومواطنات في بلاد هي السجن والسجن فقط.
لكن قصص السجينات وقضاياهن أو شجونهن تتمثل الواقع المأسوي الذي يشهده عالم الخارج، الواقع المأزوم اجتماعياً واقتصادياً وإنسانياً... إنهن ضحايا هذا الواقع السلبي ولو كن في أحيان قاتلات أو سارقات أو متواطئات أو منحرفات... قديرة دخلت السجن بعدما قتلت زوجها، دارين (32 سنة) أعطت «شكاً» بلا رصيد، هند محكومة باثنتي عشرة سنة إثر مشاركتها في اعتداء إرهابي، مارلين (42 سنة) أوقفت في مطار بيروت وفي جعبتها كوكايين، ابتسام سجنت لأنها بلا أوراق ثبوتية، أوديت ابنة السبعين عاماً قُبض عليها في حديقة حوّلتها بيتاً وتبين انها بلا هوية، إيرينا الأوكرانية الشقراء دفعها زوجها اللبناني الى البغاء... وجوه كثيرة تحفل بها الزنزانات: عنترة، هنادي، زينة، هاجر، زينون (18 سنة) شادية، أماني، ميرا الثرية، فاطمة السمينة، أصالة التي تتقن الرقص الشرقي، سناء البرجوازية، جانيت التي تتكلم قليلاً، جمال التي تحب اللغة الفرنسية، جميلة التي ضبطت وهي تتلصص على فاتن في الحمام... إضافة الى فتيات سوريات وسريلانكيات وأثيوبيات.
لا تستهل الراوية كتابها كما يفعل الروائيون عادة عبر بوابة السجن التي تفتح ثم تغلق بصوتها القوي، بل عبر الحافلة المصفحة التي نقلتها الى سجن بيروت مع سبع عشرة امرأة ضاق بهن صندوقها الذي يشبه «براد» المثلجات، لكنه عابق بالحرّ وروائح العرق والقيء. السجن يبدأ هنا في هذه «الحافلة» التي بلا نوافذ وليس فقط وراء القضبان. انه الثامن عشر من أيار (مايو) 2001، هذا اليوم سيقابله في الختام الثالث عشر من شباط (فبراير) 2006، يومان حاسمان وربما متشابهان مثلما شعرت الراوية التي تعترف في ختام كتابها: «لديّ انطباع بأن جزءاً مني لا يزال في السجن». فالخروج من السجن كما الدخول اليه لم يكن سهلاً ولعلها لم تتمكن من الشفاء من السجن إلا عندما بدأت الكتابة، كتابة حكايتها التي عاشتها مرة ثانية ولكن على الصفحة البيضاء أي حين كتبتها، متخطية العجز الذي طالما واجهته داخل السجن. فهي حاولت مرات أن تكتب «هناك» ولم تتمكن، مع أن وصية زميلتها السجينة دارين ظلت تتردد في رأسها: «أكتبي! اكتبي عن الحياة في السجن، عن النساء في السجن...». أما الصفحات الوحيدة التي استطاعت أن «تحبرها» فهي الرسائل الى العائلة، والشقيقات والابنة أورور. لكنها منذ أن بدأت في الكتابة بعد خروجها لم تتمالك عن الإفاضة وكأنها شعرت أنها لا تشفى من السجن ان لم تكتب ما يشبه «الملحمة» السردية، فإذا الرواية طويلة وحافلة بالمرويات والوقائع والاستطرادات، وكان يمكن اختصارها. إلا ان التطويل لم يحل دون التمتع في قراءتها ومتابعة التفاصيل التي لم تنسها الكاتبة ولم تتناسها. فهي الكاتبة والراوية في آن واحد كما هي «البطلة» أيضاً أو إحدى البطلات، تكتب ما عاشت وتعيش ما تكتب، هي الفرنسية التي لم تؤثر فيها «غربتها» داخل السجن ولم تميّزها هويتها الأجنبية عن سواها من السجينات، بل عملت على خدمتهن بتواضع كلّي ما جعل أحد الحراس يفاجأ مرّة. ومثلما عملت في المطبخ في تحضير القهوة والشاي للسجينات علاوة على الخدمات الأخرى، عملت على إعداد سمر وتدريسها لتحصل على الشهادة الجامعية. لكن الألم لم يفارقها لحظة، فكانت تبكي بدموع وبلا دموع حيناً.
«الجدران لا تصنع السجن» رواية تحتاج فعلاً أن تترجم الى العربية، فالقارئ اللبناني - والعربي - سيكتشف فيها عالماً طالما كان ولا يزال مهمّشاً ومجهولاً على رغم «الحياة» التي يضج بها. إنها المرة الأولى تجرؤ كاتبة على فضح أسرار هذا السجن من داخله، من صميم مآسيه ومهزلاته التي ليست إلا مآسٍ صغيرة

المصدر

الإبداع والديمقراطية

الإبداع والديمقراطية في المجتمع العربي
عقيل يوسف عيدان

(1)

ينقلنا الحديث على الإبداع والديمقراطية إلى العالم الداخلي أفراداً وجماعات. فهناك إهمال شبه كامل لهذا العالم في الكتابات النظرية العربية حول قضايا المجتمع السياسية والاقتصادية والثقافية وغيرها، وهو إهمال مخلّ، ذلك ان الفرد أخيراً هو الذي يعيش هذه القضايا، ولا يعيشها، كما هو مفترض، برأسه وحده، بل يعيشها أيضاً بعواطفه ومشاعره، بآلامه وأفراحه، لا يعيشها بوصفه كائناً يفكّر وحسب، فكما لا شعر دون شعراء، كذلك يمكن القول لا ديمقراطية دون ديمقراطيين. ربما، لهذا، يتيح لنا الحديث على الإبداع رؤية أكثر شمولاً، لمسألة الديمقراطية نظراً وممارسة. ويبدو لي أن أعمق ما تقوم عليه الديمقراطية من منظور الإبداع هو ما أوجزه في النقاط الآتية:

أولاً، لا حقيقة مسبقة/جاهزة. فالحقيقة اكتشاف دائم، كأنها تجئ من أمامنا دائماً، عبر العلاقة الدائمة بين الفكر والواقع. وهذا الاكتشاف يشارك فيه الجميع، وليس حقاً محصوراً ببعض دون آخر.

ثانياً، الآخر هو الوجه الثاني للذات. فالاعتراف بالآخر بوصفه مختلفاً حدّ التناقض أحياناً، ضرورة لكي تكون الذات نفسها موجودة. ودون هذا الاعتراف لا تكون الذات إلاّ توهماً أو انتفاخاً مرضياً.

ثالثاً، السلطة مهمة أو وظيفة وليست حقاً.

في ضوء هذه النقاط يمكن القول إن لا الديمقراطية في المجتمع العربي، فالحقيقة فيه، أو ما يسمى كذلك، مسبقة، جاهزة، دينية أو شبه دينية. والعلاقة بين الذات والآخر هي علاقة تنابذ وتنافٍ، لا علاقة تكامل.

والسلطة في المجتمع العربي حق لا وظيفة. وكل شيء لخدمة السلطة، بدل أن تكون السلطة في خدمة كل شيء، بدءاً من ذلك تشوِّه السلطة كل شيء، وهي تمارس هذا التشويه باسم أكثرية أو باسم شرعية مزعومة، أكثرية أو ثورية.

والأكثرية في الديمقراطية لا تمثّل امتيازاً معرفياً، أو مشروعية في امتلاك الحقيقة، وإنما الأكثرية وضعٌ شرعيٌ يتيح لأصحابها القيام بوظيفة السلطة لتسيير شؤون المجتمع في ظل رقابة كاملة مما يقابلها، الأقلية، أو منها هي نفسها.

(2)

إن المجتمع العربي لم يعرف الديمقراطية ولا أي شكل منها في تاريخه كله، وإنما عرف ما يمكن أن نسميه بالتسامح/العفو. إلاّ أن التسامح شيء، والديمقراطية شيء آخر. فالتسامح اعتراف بأن الآخر ضعيف لدى الأكثرية، وانه في حمايتها وليس اعترافاً بأنه جزء عضوي من بنية المجتمع. لكن، هذا لا يعني أن المجتمع العربي لا يمكن أن يصبح ديموقراطياً، أو أن تخلّفه – كما يقال – يحُول دون ذلك.

يمكن أن تكون الديمقراطية في المجتمعات كلها بصرف النظر عن معايير التقدم والتخلّف. وهي على كل حال معايير تجب إعادة النظر فيها. لكن مستوى ممارستها، مستوى ممارسة الديموقراطية، هو الذي يختلف من مجتمع إلى آخر.

إنما غياب الديمقراطية عن المجتمع العربي يعني أنه لم يتغلب بعد، بوصفه مجتمعاً، على ما يحول دون قيامها، كما فعلت المجتمعات التي يمكن تسميتها ديمقراطية. وهذا الذي يحول، لا نستطيع أن نتعرف عليه إلاّ في ضوء نضال تلك المجتمعات من أجل الديمقراطية، لأنها نتاج تاريخي لهذا النضال. وكانت قاعدة هذا النضال، تأسيس المجتمع المدني، أي أساساً للقول إن الإنسان هو وحده مصدر المعرفة والحقيقة، وهو سيد مصيره، ولا مرجعية لهذا كله خارج عمل الإنسان وحياته وخبرته. وهذا الذي كان يحول، هو، الدين ونظامه الفكري – المعرفي.

هكذا لم يعد الدين في هذه المجتمعات الديمقراطية نظاماً أو مؤسسة ملزمة على الصعيد المدني، صعيد العلاقات والقيم، وإنما أصبح مجرد إيمان شخصي.

إن الديمقراطية في المجتمع العربي مرهونة بقصْر الدين على أن يكون فردياً، بل إن هذا وحده لا يكفي. فالديمقراطية أفق وصيرورة، ونظام يتكامل باستمرار وليس وصفة جاهزة.

الديمقراطية حركة نضال متواصل، لأنها مقترنة بقدرات الإنسان على التفتّح الكامل داخلياً، وعلى تأسيس الخارج وتنظيمه بحيث يصبح طيِّعاً، مفتوحاً أمام الإنسان، دون أي عائق. ولهذا لا نرى ديمقراطية كاملة في أي نظام يسمي نفسه ديمقراطياً اليوم.

(3)

يتميز "الإبداع" بما هو إنتاج أفكار جديدة خارجة عن المألوف، بإمكانية الوجود/الحضور/الظهور في مختلف أنواع الأنظمة، وفي هذا بعض أسراره الكبرى. وهو يمكن أن يكون في مجتمع متخلّف أكثر عمقاً وغنىً وإنسانية منه في مجتمع متقدّم. وفي هذا بعض أسراره أيضاً.

غير أن الإبداع يكون أكثر اتساعاً/عمقاً، عندما لا تواجه معوقات في العالم الخارجي. ومعوقات الإبداع في المجتمع العربي كثيرة، تجئ بشكل خاص من الدين ونظامه الفكري، أي من سلطة "النص" الذي ينقلب إلى نصٍ للسلطة.

هذه المعوقات تحدّ من فسحة الإبداع في المجتمع العربي، بحيث أنها تشكل نسبة ضئيلة من الفسحة الإبداعية التي يتيحها بعض المجتمعات الديمقراطية في أوروبا والغرب عموماً.

وعلى هذا، فإن الإبداع في المجتمع العربي، في مختلف تجلياته، الفنية والفكرية، لا يزال مقصراً؛ مقصراً مثلا في الدخول إلى عالم المكبوت أو المقموع أو اللامألوف أو المسكوت عنه، والكشف عن هذا العالم، وبخاصة ما اتصل من هذا كله في الجسد وفي علاقة الإنسان بما وراء الطبيعة. كما أنه لا يزال مقصراً في إرساء البُعد النقدي الذي يتيح إعادات النظر الدائمة والتجاوز الدائم.

ولا يزال مقصراً أيضاً في إرساء الحركية داخل مسار الإبداع، بحيث يظل المبدع يشعر أن المهمة بالنسبة إليه وإلى الإبداع لا تكمن فيما أنجزه بقدر ما تكمن فيما يطمح انجازه. ولا يزال مقصراً في التأسيس لعالم فني يزول فيه المسبق، وغيره، بحيث يكون الإبداع نفسه قانون نفسه.

(4)

إن طرح قضية الإبداع والديمقراطية في المجتمع العربي، لابد أن يكون طرحاً خاصاً/مختلفاً، باعتباره يلمس واقعه وآفاقه كمجتمع، فالحديث عن الإبداع والديمقراطية يتعدى بُعديه الصريحين، ليطرح القضية في كل الأبعاد الأخرى المتصلة بها.

ولا شك أنها ستكون قضية قلقة ومقلقة لثقافتنا العربية، لأنها قضية قابلة للتصريف في واجهات عدة، وقابلة للتلوين، ومتداخلة الوجود والجوانب، والتعمّق فيها يقود إلى طرح بنية العقل والمجتمع العربي برمته للسؤال.

وتتضمن أهمية هذا السؤال تعدداً في المداخل والصياغات، وهو شيء ينعكس سلباً على كل محاولة تروم الاقتراب منه، حيث يشعر الباحث ببعض الارتباك والإحجام الناجمين عن الإحساس بجدة السؤال، بل وابتعاده عن دائرة الانشغالات الفكرية المألوفة.

ولكن السؤال الملح في هذا المجال؛ متى يزدهر الإبداع في مجتمعاتنا العربية، ومتى تصبح ثقافتنا الراهنة ثقافة ديمقراطية؟

إن قضية الإبداع والديمقراطية تنطوي على تساؤلات عدة لها صلة بالحق في الاختلاف، وبالتعدد والتسامح – كمفهوم فلسفي- وله كذلك صلة بحرية الرأي والتعبير، ومفهوم المواطنية والمجتمع المدني، وتقبل الآخر المختلف.

ويعنى هذا أن للتساؤلات الآنفة بُعدين، بُعد فلسفي- ثقافي، وآخر سياسي- مؤسسي، وهما بُعدان مقترنان ومتداخلان، فقد دلَّت التجربة التاريخية على أن الإبداع، بكل أنواعه/أجناسه/أشكاله، لا يزدهر قط في المجتمعات التسلطية/القهرية، فالإبداع لا يعيش إلاّ في مناخ ديمقراطي، مثلما لا تحيا الديمقراطية إلاّ في مناخ يسمح بالإبداع المختلف/اللامألوف.

إذن، ليس من الغريب وجود الصلة الوثيقة بين الإبداع والديمقراطية. فهما يعارضان الاستبداد، بحيث يعارض الإبداع سيادة الرأي/النموذج/الفكرة/الشكل الواحد، وتعارض الديمقراطية سيادة الإرادة/الرأي/الموقف/التوجه الواحد، ويتمسك الإبداع بضرورة مراعاة التعدّد على المستويات كافة للاستفادة من مختلف التجارب، والانفتاح على كل الآفاق، وتؤمن الديمقراطية بأن مكامن القوة في المجتمع متعددة ومختلفة، وأن كل تمركز للسلطة يكون على حساب إقصاء/قتل ذلك التعدد والاختلاف، وليست المسألة بطبيعة الحال مسألة أخلاقية فحسب، بل هي مسألة سياسية أيضاً، فحرمان مكونات المجتمع من طاقاتها المبدعة، معناه حرمانه من مقوماته الخلاّقة.

(5)

يمكن القول إن الإبداع والديمقراطية يتقاطعان في نقاط عدة؛ أولاً، يلتقى الإبداع والديمقراطية عند نقطة الإيمان بالتغير والتطور والتقدم. فبقبولهما لإمكانية أن يتجدد "السؤال" من ناحية، و"الجواب" من ناحية أخرى أو معاً، بحيث يتقبل كل من الإبداع والديمقراطية كل جديد إن لم نقل أنهما يخلقانه.

ثانياً، يلتحم الإبداع والديمقراطية في تقديرهما الكبير للحياة عموماً، وللإنسان على وجه الخصوص، وقد ارتبط الإبداع منذ نشأته بالاهتمام في الحياة وتقديرها، كما ركّز على المقومات التي يملكها الفكر الإنساني، وعلى ضرورة توظيفها من أجل تقدير الحياة، وعليه لا يستطيع المبدع – في مجالات الإبداع كافة – في نهاية المطاف من عدم اقتراح الديمقراطية على مستوى الفعل السياسي/الثقافي/الاجتماعي؛ لأنها هي وحدها التي ستسمح بخلق محيط مناسب لتقدير الإنسان والحياة.

ثالثاً، يمثل الإبداع ديمقراطية في حد ذاته، من حيث كونه ينبذ/يرفض مفهوم "الحقيقة" المطلقة، أي الحقيقة الواحدة، مضفياً على كل حقيقة طابع النسبية والتعدد، بالكيفية نفسها التي ترفض بها الديمقراطية هيمنة الرأي/التيار/التوجه/الحزب الواحد، مكرّسة فكر التعدد والاختلاف، ففي أصلهما معاً – أي الإبداع والديمقراطية – ثمة تضافر من أجل بناء الحقيقة، التي تظل وقتية وعابرة.

المصدر


أجزاء متقاطعة -انسي الحاج

هذا الجانب المحيّر في اللوحة، في القطعة الأدبيّة، في الأغنية، المحيّر الذي لا ينسحب عنه النظر حتّى يسارع للعودة إليه،
مسحوراً، مشغوفاً، مدمناً، مغزوّاً بالأسئلة،
... هذا الجانب هو احتمال الصيرورة.
انظرْ إلى هذه اللوحة، تفيّأ هذا اللحن، إنّ ما يَشدّك ليس ما يحركانه فيك من ذكريات بل ما يثيرانه من شهيّة تحقيق ما سيصبح ذكريات.
وهو هذا نفسه ما يُمدّد للماضي في الحاضر: الأمل في تجسيده عبر الحلم به أكثر تجاوباً «هذه المرّة» مع أمانينا.
بهذا المعنى، الجمال الذي يجتذبنا في الكتابة هو الوعد، هو وعدُنا بأن ما نرجوه سوف يصير، ولو أدركنا ذلك بصعوبة في غمرة ضباب الجديد.
وما نحبّه بعضنا في بعض هو هذا أيضاً،
ولو تجلّى لنا في شكل إلحاح قديم، أو اجترار لهاجس واحد تتعدّد وجوهه.
ما يحبّه واحدنا في الآخر هو لمحة وعدٍ بتجسيد حلم، بتجسيد قطعة أخرى من الحلم، من الحلم الذي يختلط ماضيه السحيق بنجوم مستقبله المجهولة، الوامضة وراء العقل، تحت الجفون، والتي تَهْمس للأنفاس وهي تتكوّن، وللأنفاس وهي تشتدّ، وللأنفاس وهي في أواخرها، تَهْمس أنَّ ما تحقّق لنا من أحلام ليس رفاتاً لصندوقة الذكريات بل هو لمسة أضيفت إلى مشروع الهيكل.

? ابقَ معي، دَعْني

تحوّلت الآداب الغربيّة، الفرنسيّة خصوصاً بالنسبة لي، مستعمرة للعالم الثالث بعدما كانت محجّة للهاربين من أنفسهم.
في المرض تتذكّر الخوارق لأنّها تشدّ بك إلى فوق، ولا تتذكّر إلّا مرغماً الكائنات والحالات العاديّة، مهما تكن صافية، فهي تصلّي عليك في حفرتك ولا تعين حاجتك إلى القوّة. القوّة تنبجس من مرأى الظواهر الفاجرة لا الرقراقة. من اختراقِ قلم لقبرِ لغة. من اجتياح امرأة لسياج السمعة والتقاليد. لم يعد هناك ما يُقرأ. سقط الوهم عن هيبة الغربة. ليتنا ما عرفناهم.
لحسن الحظّ أن الواحد منّا يولد على خلاف مع الأوان. هذه الفجوة ترسل بخار الشوق. دعك من المساواة، خرافة أدباء السذاجة. التفاوت في كلّ شيء نعمة. كيف تعرف الفرق بين الذين أحبّوك والذين أحببتهم؟ من هذا الخَلَل.
ابقَ معي، يقول الخائف. لا تترك يدي، وإلّا جرَفَتْني العتمة.
لا ترهقْني، يقول أيضاً، دَعْني، إذا كنتُ وحدي سأكون أَخَفّ.

? قوانين مملّة

كان لورانس العرب يقول إن العبوديّة المختارة هي أعمق أنواع الكبرياء للنفس المريضة. ولدوستيوفسكي العبارة المأثورة: «هناك شيء واحد يفضّله البشر على الحريّة، هو العبوديّة». وبسخريته التي أضحت كأنّها مفروضة عليه كان برنارد شو يقول إن الاستعباد البشري بلغ ذروته في عصرنا على شكل العمل المأجور.
نفسيّاً وعاطفيّاً، وإذا تجنّبنا المعادلة التقليديّة «جلاّد ـــــ ضحيّة» أو «معذَّب ـــــ معذَّب» أو «مستعذِب الإيلام ـــــ مستعذِب التألُّم»، لما حَلَلْنا المشكلة بل تظاهرنا بعدم رؤيتها. لا مفرّ من اختلال الميزان. ربّما تتساوى الكفّتان في حالة ارتضاء العبودية لدى الطرفين، أو السيادة لدى الطرفين. كلاهما عبدٌ للآخر أو كلاهما حرّ بنفسه «مع» الآخر أو «حيال» الآخر. لكنّه التوازن في انعدامه. لا تصعد خشبة «يا طالعة يا نازلة» إلّا من جهة واحدة وحين تصعد ينزل الطرف الآخر. وإن توازنا على خطّ واحد توقفت حركة اللعبة. الأقوى، كما هو معروف، هو الأقلّ انجذاباً، والأضعف هو الأشدّ انجذاباً. حتّى في علاقة الأم ـــــ الولد يَتنمّر الولد ما إن يشعر بضعف أمّه حياله، و«يتمقطع» بها. السيّد هو الأقلّ عاطفة. السيّد المُطْلَق هو العديم العاطفة المجهّز بالإغراء. وكما تنطبق هذه البديهيّات في الحقل العاطفي والجنسي تنطبق على الصعيد السياسي. أقوى الزعماء والطغاة ليسوا الذين يشعرون بآلام شعوبهم بل الذين يُحسنون استغلالها.

? دنيا حيطان

أُحبُّ الفضاء المفتوح، السماء المنفلشة، الآفاق المباحة، وبيتي مسوَّر بحيطان العمارات، والحيطان باطون على طوله بلا نوافذ. لحق بي هذا الخنق خارج لبنان. لدى إقامتي في باريس أربع سنوات بدّلتُ منزلي أكثر من خمس مرّات، وعلى الدوام كانت نوافذي لا تعطي إلّا على حيطان. عرفتُ شرفات بلا معنى، شرفتي الحاليّة، بل الدائمة، في بيروت تُطلّ في آخر نصف متر منها على نصف متر من الشارع الذي يضجّ بالسيّارات نهاراً وبكركرة الأراكيل ليلاً، و«ركّابها» المالئين والمالئات الجوف غازات وسلّاً. لا أعرف أبشع من عادة هذه الأراكيل، ولا من مناظر مراهقين ومراهقات ممعنين مَصّاً ونَفْخاً في وضعيّات يقلّد بعضها بعضاً، ضمن ظاهرة قطيعيّة أَحَلَّها الاستغلال التجاري محلّ ضجرٍ كان أرقى، ومحلّ كسلٍ انفرادي أو جماعي أقلّ حسناته أنه يغذّي الفضول، واجتاحت ما تبقّى من مساحات للتأمّل والنزهة، وللاشيء المخصب، عرّاب المغامرات.
للمباني المتحاذية المكتظّة حَسَنة وحيدة هي سهولة التعاشُر. ولكنْ ليت البحر كان فراش تلك المباني لا اليابسة، إذاً لكُتب للتعاشر، حين يحصل، وقت محدود بوصول السفينة إلى غايتها، حيث يتبعثر الرفاق ويحلّ بعضهم بعضاً من عقاله. مع اليابسة أين المفرّ؟ وترغمكَ البيوت الخانقة على الخروج للتفسُّح، وهناك الغنْم والغرم أيضاً. وصريف الأسنان، عندما يقع عليك مَن لا تريد أن تقع عليهم.

? «يلّلا باي»

«يلّلا باي».
لا يكاد لبناني يفارق لبنانيّاً إلا بهذه العبارة، الأرجوحة الوطنيّة الأكثر رواجاً.
نسمع «باي» في الأفلام المصريّة فنستلطف لفظها، واللفظ المصري يلطّف الحجارة. ولكن «يلّلا باي» اللبنانيّة غليظة ما شاء اللّه، لا غلظة اللفظ، على تعدّد طوائفه ومناطقه، فحسب، بل غلظة الاصطلاح الذي يَحلّ محلّ العفويّة ويُموّه المشاعر. وفوق هذا اصطلاح كاذب.
غالباً ليس لنا ما نقوله عند الفراق. وأحياناً عند اللقاء أيضاً. صُدَف وحتميّات يمليها السير في المدينة فيجد المرء نفسه مضطرّاً إلى المجاملة. دائماً كانت هكذا، وأسوأها حين يلتقي شخص مضغوط أو مُكَهْرَب شخصاً لزجاً ثرثاراً. ولكن في الماضي لم يكن هناك مقلاع «يلّلا باي».
فيها تأجيل ما ليس مستحقّاً، وتحيّة أقرب إلى التهريبة، ونغمة راقصة تُشْبه الرَكْل.
لا مفرّ من المصطلحات، وبين فوائدها أنها تُعفي من الصدق، وتعكس مدى تدهور الذوق. من «مع السلامة» و«إلى اللقاء» و«سعيدة» و«بأمان اللّه» إلى «يلّلا باي».
يعيش الواحد منّا بين ناس لا يحكون لغته ولا يشعرون شعوره، ومع هذا يعيش. والكلام أشدّ الاستعمالات فتكاً، مع الخلوي والأراكيل، ومع السيغار والدرّاجات الناريّة. ومع وجوه لم تعد تلمع فيها العيون. ومع كتب لا تُقرأ وأفلام تعيد إنتاج نفسها وشاشات أنجح ما فيها الحيويّة الشخصيّة لمقدّمي برامجها.
... ومع هذا نعيش. «يلّلا باي».

الاخبار اللبنانية

لماذا يكذب الإنسان

الكذب هو : أن يقوم الكائن الحي بإعطاء أو إظهار دلالات أو معلومات خاطئة , أو إخفاء دلالات أو معلومات صحيحة , عن من يطلبها . وهذا من أجل الحماية والتكيف الأفضل للكائن . أي هو خاص بالكائنات الحية , وبشكل خاص بالإنسان . ولا يحصر مصطلح الكذب في مفهوم قول أو إظهار غير الحقيقة فقط , بل يشمل إخفائها وتشويشها وتزويرها وإنقاصها . فالكذب تزوير الحقيقة كي يخدع بها الشخص ( أو الكائن الحي ) الآخرين , من اجل تحقيق أهداف و دوافع ذاتية معينة .
فيمكن أن يكون دافع الكذب هو النجاة سواء من العقاب أو من آثار قول أو إظهار الحقيقة.
والخداع أو التمويه هو شكل من الكذب وهو موجود عند الكثير من الكائنات الحية . ونحن نشاهد أمثلة كثيرة في عالم الكائنات الحية يستعمل فيها التمويه والتخفي وإعطاء دلالات غير صحيحة . فهو ليس خاص بالإنسان فقط . وكل أشكال التمويه والتخفي التي تمارسها الكائنات الحية , إن كانت حشرات أو حيوانات , من أجل حماية نفسها أو من أجل تحقيق دوافع ذاتية معينة مثل الصيد والافتراس هي شكل من الكذب , فهي تعطي دلالات أو معلومات غير صحيحة أو تخفي معلومات .
أما الكذب المتطور والذي يشمل الكثير من أشكال الكذب , فهو موجود لدى الإنسان . وهذا الكذب يعتمد بشكل أساسي ذكاء ومعارف الإنسان وذاكرته , وعلى اللغة المتطورة التي يملكها الإنسان فقط .
إن الجاسوسية والخداع في الصراعات والحروب هو نوع من الكذب , وفي السياسة الكذب كثيراً ما يكون مباح .
والأساطير والأديان القديمة غالباً ما تكون شكل من الكذب على النفس .
وعندما يضحك الإنسان على سقوطه أو فشله , يكون في هذا يكذب على نفسه عندما يضحك , لأن الضحك في أساسه يحدث عندما يفوز أو ينتصر الإنسان , وبضحك الإنسان على فشله أو سقوطه كأنما هو يكذب على نفسه ويعتبر نفسه ناجح , وهذا لكي يتكيف مع الفشل والهزيمة الذي يولد الإحباط واليأس ويلغي تأثيراتهم .
فالكذب له أسبابه وموجباته , أي أن الإنسان يكذب لسبب معين أو دافع معين , وهذا متعلق بصفات وخصائص هذا الإنسان , فللرجال دوافعهم للكذب وللنساء دوافعهم للكذب والتي هي في كثير من الأحيان مختلفة عن دوافع الرجال , والصغار غالباً ما يكذبون لأن لهم أسباب كثيرة تدفعهم للكذب .
وأهم العوامل و الأسباب التي تدفع الفرد إلى الكذب .
الخوف والحسد والانتقام والحقد وحب الاستطلاع والتخيل والأنانية والميول الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والمباهاة والغرور والخجل ، والضعف والعجز ، والشعور بالحقارة والرغبة في استعطاف الآخرين وجلب أنظارهم ، والمبالغة ، وسعة الآمال . .
1 ـ الخوف من العقوبة : وهو من الدوافع التي تضطر الفرد إلى الكذب خوفاً من العقوبة ، وان هو صدق في قوله فلن يأمن المجازاة مما اقترف . فيضطر إلى الكذب للتملص من العقوبة والإفلات من قبضة المجازاة .
2 ـ كثرة الضغوط : قد يلجأ الفرد إلى الكذب في بعض الموارد حينما يشعر أن الصدق يجلب عليه الضغوط ؛ و يعمد إلى إخفاء الحقيقة أو تبديلها
3 ـ الضعف والعجز : فيضطر الفرد حينها إلى اختلاق الأعذار والأكاذيب كأن يدعي عدم وجود الوقت الكافي لديه أو انه لا يجيد إنجاز هذا العمل ، أو يتمارض ويتظاهر بالعجز وأمثال ذلك من الذرائع .
4ـ الحسد والتنافس : تنشأ بعض أكاذيب من الحسد والتنافس , فإذا لم تكن للفرد المواصفات الكافية في العمل ، أو فشل في مجاراة أقرانه في المنافسة فسيجد نفسه حينذاك مضطراً لانتهاج مسلك الكذب والتصنع .
5 ـ لفت الأنظار : حينما يشعر الفرد بأنه وجود منسي ولا حساب له ، ويتصور أن لا مكانة له ولا وجود يستحق الاعتبار بين هذه الجماعة ، فيبادر إلى الحديث عن مسألة لا وجود لها في الواقع ويضفي عليها ألواناً براقة من التهويل والتعظيم من اجل جلب انتباههم ولفت أنظارهم
6 ـ الغرور والمباهاة : تظهر بعض التحقيقات بأن أكثر من 15 % من أنواع الكذب منشؤها المباهاة وصيانة الغرور . فيتحدث الفرد كذباً أمام الآخرين عن شخصيته والمنزلة الاجتماعية لعائلته ، وما تحظى به من الأهمية ، وذلك من اجل أن لا يستهين به الآخرون ، أو يقللون من شأنه ، فيقول إن أباه يحتل منصباً رفيعاً , هادفاً من كل ذلك إلى مكانته والاستحواذ على اهتمام الآخرين وإشباع أهوائه النفسية .
7 ـ التستر على الخطأ : حينما الفرد يقع في أي خطأ أو منزلق يشعر بأنه سيتعرض للمهانة الاجتماعية بسبب الطعن والتوبيخ الذي سيلقاه على أيدي الآخرين . فيبادر إلى معالجة الموقف بالكذب في سبيل التغطية على خطئه . ولأجل الإفلات مما قد يتعرض له من استهزاء واحتقار .
8 ـ الآمال والأماني :وقد تعكس أكاذيب الفرد أحياناً ما يدور في مخيلته من آمال وأمنيات ، فيتحدث عن هذه الأمنية أحياناً وكأنها واقع قائم .
9 ـ الانتقام : ويمثل الكذب في بعض المواقف نوعاً من الانتقام .
و يختلف الناس عن بعضهم في قدراتهم على الكذب . والكذب ليس سهلاً إذا أريد له أن لا يظهر أنه كذب , فحبل الكذب قصير كما يقولون .
فلكي يكذب الإنسان يحتاج لقدرات ذهنية ( تفكير جيد وذاكرة قوية ومنطق متطور وخيال واسع وتبريرات جاهزة . .) وقدرات نفسية وانفعالية , مثل التحكم بمشاعره و تعابير وجهه وتصرفاته وتكييفها حسب الوضع الذي يخلقه عندما يكذب . وهذه القدرات اللازمة للكذب يجب أن ترافقها استعداد الشخص أخلاقياً وتربوياً للكذب .
وبشكل عام الضعيف والذي قدراته محدودة يكون لديه دوافع أكثر للكذب , بعكس القوي والذي يملك الكثير من القدرات تكون دوافعه للكذب أقل , وهذا ليس صحيح دوماً .
والكذب صفة لدى غالبية الأطفال , وإن كانت طبيعية في صغار السن نتيجة الغموض القائم في ذهنه وعدم التمييز بين الحقيقة والخيال .
وفي كيفية تطور الكذب عند الطفل يقول الخبراء: في عمر الثلاث أو أربع سنوات، يكتشف الولد أن هناك خياراً جديداً في الحياة ، وهو أنه يستطيع أن لا يقول كل شيء! بعدها يكتشف أنه بإمكانه أن يقول أشياء غير موجودة (مثل اختراع القصة).
إن الانتقال من الاكتشاف الأول إلى الاكتشاف الثاني مرتبط بشكل وثيق جداً بتطور النطق ، فالكذب عند الطفل هو تأكيد له أن عالمه الخيالي الداخلي يبقى له هو وملكه الشخصي ، من هنا تأتي رغبته بأن لا يقول كل شيء وأن يخفي بعض الأشياء عن الآخرين . وبما أن الطفل في هذه المرحلة، لا يملك القدرة الذهنية لتمييز العالم الحقيقي من العالم الخيالي ، آخذين بعين الاعتبار النمط السريع لتطور النطق المرافق لهذه المرحلة ، نفهم لماذا يستمتع الطفل باختراع وتأليف القصص أمام الآخرين.
لكن في عمر الست والسبع سنوات ، يبدأ الولد بالتمييز بوضوح بين الصح والخطأ في محيطه ، وهذا أمر طبيعي في مجرى التطور الأخلاقي عند الإنسان ، ففي مثل هذا العمر تترسخ الأخلاق والقيم الاجتماعية الصالحة بشكل وطيد ، وهكذا يتعلم الطفل من ناحية أن قول الحقيقة شيء مرغوب فيه اجتماعياً ، ومن ناحية أخرى يتعلم أن الكذب قد يساعده في الدفاع عن نفسه في ظروف معينة.
والطفل يتعلم الصدق من المحيطين به إذا كانوا يراعون الصدق في أقوالهم وأعمالهم ووعودهم ، والطفل الذي يعيش في بيت يكثر فيه الكذب لا شك أنه يتعلمه بسهولة ، خصوصًا إذا كان يتمتع بالقدرة الكلامية واللباقة وخصوبة الخيال ؛ لأن الطفل يقلد من حوله ، فيتعود منذ طفولته علي الكذب.
والكذب سلوك مكتسب، وليس سلوكًا موروثًا ، وهو عند الأطفال أنواع مختلفة تختلف باختلاف الأسباب الدافعة إليه، ومن هذه الأنواع:
أشكال الكذب لدى الأطفال:
1-كذب التقليد: يقوم الطفل بملاحظة وتقليد سلوك الوالدين أو المحيطين به..
2-كذب اللذة: يمارسه الطفل لتأكيد قدراته على الإيقاع بالآخرين والنيل منهم وهو شبيه بالكذب العدواني..
3-الكذب الكيدي: يلجأ إليه الطفل لمضايقة من حوله نتيجة مشاعر الغيرة أو إحساسه بالظلم والتفرقة..
4-الكذب العدواني السلبي: يتبنى الطفل أعذارا غير حقيقية أو مبالغا فيها ليواصل سلبيته عندما يطلب منه عمل ما..
5-كذب التفاخر: يلجأ الطفل لتعويض النقص الذي يشعر فيه بتضخيم ذاته ومكانته الاجتماعية وممتلكاته بين الآخرين..
6-الكذب الادعائي (المرضي): ادعاء الطفل بأنه مضطهد أو محروم أو يعاني من المرض بهدف الحصول على الرعاية والاهتمام والعطف..
7-كذب الانتباه: يلجأ إليه الطفل عندما يفقد اهتمام من حوله رغم سلوكياته الصادقة من اجل نيل الاهتمام والانتباه..
8-الكذب الخيالي: سعة خيال الطفل تدفعه لتحقيق مشاعر النجاح وتحقيق الذات من خلال أوهام ورغبات غير واقعية . فالطفل الصغير لا يميز بين الحقيقة والخيال، ومن هنا فإن كلامه يكون قريبًا من اللعب، فيتحدث وكأنه يلعب ويتسلى، ويكون حديثه نوعًا من التعبير عن أحلام طفولته أو ما يطلق عليه (أحلام اليقظة) التي تعبر عن رغباته وأمنياته التي يصعب التعبير عنها في الواقع.
وهذا النوع من الخيال لا يعتبر كذبًا، ولا ينذر بانحراف سلوكي أو اضطراب نفسي ، وقد يلفق طفل عمره أربع سنوات قصة خيالية، حيث تختلط الأفكار عنده فلا يفرق بين الصواب والخطأ، أو الحقيقة والخيال.. هذه القصة يجب ألا ينظر إليها علي أنها كذب مما نتعارف عليه، حيث إن خياله قادر علي أن يجعل من الأوهام حقيقة واقعة .
9-الكذب الدفاعي: يتخلص الطفل من الموقف عن طريق نسبه الى الآخرين ويعد من أكثر أنواع الكذب شيوعا بين الأطفال..
وتجدر الإشارة إلى أن أكثر ما يدفع الطفل إلى الاستمرار في الكذب هو شعوره بنفعه.

وفي عالم الكبار إذا أردنا معرفة من يكذب أكثر النساء أم الرجال فيجب علينا أن نراعي كل ما ذكرنا . فطبيعة الشخص إن كان ذكر أم أنثى , من ناحية تقبله تربوياً وأخلاقياً للقيام بالكذب لها دور كبير . ومقدار دوافعه الكذب لها دورها . وقدراته ومهاراته بالكذب ومقدار نجاحه في الكذب لها دورها , فالذي يكذب ويظهر كذبه في كل مرة أي يفشل في الكذب سوف يقل مقدار كذبه , بعكس الذي ينجح في الكذب وهذا يجعله يزيد من استعمال الكذب .
فإذا راعينا كل هذه العوامل ( بشكل عام ) نرى أن النساء أكثر ميلاً واستعداداً للكذب من الرجال .

في أي الأوضاع يكون الكذب فيها ضار وغير مفيد
إن هذه الأوضاع تظهر عندما عاشت الكائنات الحية جماعات وصارت تتواصل مع بعضها وتتناقل المعلومات . فهذا يستدعي عدم الكذب في نقل الدلالات أو المعلومات .
فعندما ينذر أحد الكائنات الحية رفاقه بخطر وشيك أو يعلم رفاقه عن مكان طعام أو ماء , أو يعلم صغير أمه عن مكانه . . , في هذه الأوضاع نجد كافة الكائنات الحية لا تكذب بتاتاً . فالنحلة التي تدل رفاقها بالخلية بالرقص عن مكان وكمية الغذاء الذي وجدته لا تكذب فهي تعطي دلالات صحيحة .
وبالنسبة لنا نحن البشر وبما أننا نعيش حياة اجتماعية متطورة جداً , نجد أن هناك كثير من الأوضاع التي يكون الكذب فيها ضار للجماعة مع أنه يمكن أن يكون مفيداً للفرد أو لمجموعة صغيرة .
وكافة المجتمعات تدعوا للصدق في تناقل المعلومات فيما بينها و تحارب الكذب . فالكذب في هذه الحالة يعقد ويصعب معرفة حقيقة الأوضاع .
والكذب يؤدي إلى عدم الثقة لضياع الحقيقة , فالثقة بأن ليس هناك كذب ضرورية جداً في كافة العلاقات البشرية إن كانت تجارية أو اجتماعية أو صناعية . . .
وفي المعارف العلمية يجب أن لا يحدث الكذب أبداً فهذا له نتائج سيئة جداً , ومع هذا شاهدنا بعض الحالات التي كان بعض العلماء يكذبوا فيها , وقد أحدث هذا تأثير سلبي كبير على مصداقية العلم والمعارف العلمية .

والسؤال المهم هو: كيف نفرق بين المواقف التي يُعد فيها الكذب مرفوضا وذلك النوع من الكذب المسموح به شرعا أو المقبول اجتماعياً ؟
وهو سؤال كبير ، لكن بما أن التساؤلات مشروعة والإجابات مفتوحة ، أي لا نهاية للسؤال ولا للجواب في عالم متغير سريع .
فهناك الكذب من أجل الفائدة أو لأنه يظن أنه الأفضل , فيمكن أن يكذب الأب أو الأم على ابنهم في بعض الأمور بهدف حمايته أو إفادته حسب ما يظنون , وكذلك يمكن أن تكذب القادة أو الرؤساء أو الحكومات على الأفراد بهدف حمايتهم أو إفادتهم , ولأن هذا هو الأفضل للجميع حسب رأيهم .
ويمكن أن يكذب على المريض في بعض الحالات لأن هذا أفضل له .
وهناك كذب المجاملة والدبلوماسية , وكل هذا نشاهد أمثلة كثيرة عليه
وفي كافة الصراعات بين الفرقاء إن كانوا أفراد أو جماعات أو شركات أو عقائد أو دولاً , يمكن أن يستخدم الكذب كوسيلة ضد الفريق الأخر . فالكذب يستعمل كسلاح ضد الفريق الآخر .
وفي النهاية نجد أن الكذب أو الصدق في نقل المعلومات, يمكن أن يكون أحدهما مفيد أو ضار , وذلك حسب الوضع وحسب المرجع , هل هو الفرد أم الجماعة , وهل هو الصديق أم العدو .
وبشكل عام الصدق غالباً هو الأفضل .
المصدر

ديمقراطية الأحزاب الأصولية

طالب المولي

حين أرادت أوروبا النهوض من النكبات التي حلت بها بعد الحروب الطاحنة، والدمار الذي لحق بها والمآسي التي خلفتها، والتي لحقت بمقدراتها وراح ضحيتها الملايين من البشر. ولم تجد أوروبا إلا خيار الرجوع والإيمان الحقيقي بالنظام الديمقراطي، والذي هو نتاج عقول فلاسفة التنوير الأوروبي، ولكن لم تجد تلك الصيحات التي أطلقها الفلاسفة في العصور الوسطى آذانا صاغية لمخاطر الرؤية الأحادية والنظام القائم على تحالف رجال الدين والسلطة.

وبعد الحرب العالمية الأولى والثانية، آمنت أوروبا بالخيار الديمقراطي القائم على التعددية الدينية والفكرية، وسيادة القانون وحقوق الإنسان وفصل السلطات، وحكم الأغلبية مع احترام حقوق الأقلية. وبتلك القيم الديمقراطية والمساجلات الفكرية المتواصلة، أقامت الدول الأوروبية أنظمتها الديمقراطية التي كانت السبيل الأمثل لحياة أفضل تسبح فيها جميع أطياف البشر بتنوع أفكارهم ومعتقداتهم، واستطاعت الديمقراطية إيجاد المناخ المناسب لتنامي الفكر الديمقراطي والتكنولوجي.

فسارعت دول العالم إلى حذو الأنموذج الديمقراطي الغربي كخيار وحيد للتقدم والرقي، بينما لايزال عالمنا العربي الإسلامي يستغل الديمقراطية أبشع استغلال للوصول إلى الحكم عبر صناديق الانتخاب، وبعدها تبدأ التيارات الدينية الأصولية لرسم أجندتها للقضاء على القيم الديمقراطية بسلسلة طويلة لخنق الحريات واستبدالها بفكر أحادي لا يؤمن إلا بديمقراطية مشوهة.

وجبهة الإنقاذ الجزائرية وحركة حماس وحزب الله اللبناني دليل دامغ لسعي تلك الأحزاب لفرض برنامجها الديني عبر تكميم الأفواه والانقلاب على الدولة عبر الوسائل الديمقراطية.

واستطاعت التحالفات الأصولية أن تفرض نظامها على الدولة قبل المواطنين، بفضل إيمانهم اومعتقدهم القائم على المركزية الدينية التي يؤمنون بها. وعبر الاستغلال القبيح وغير الأخلاقي للديمقراطية من قبل التيارات الأصولية، تعيش الكويت في أزمة بين خيار الديمقراطية ونظام الفتوى وولاية الفقيه، ومنعت بأدوات تدعي بأنها ديمقراطية التعليم المشترك، باعتباره السبب الرئيسي لفساد المجتمع وانحلاله، كما صرح أمين عام جمعية الإصلاح الاجتماعي ذراع الإخوان المسلمين في الكويت،

وبدأت بعدها التعديات على أسس النظام الديمقراطي باعتماد الفتوى واستغلال الدين لتأليب المجتمع على المطالبين بعودة التعليم المشترك، وأشاعت بأساليبهم المعهودة حول نية المطالبين بهذا القانون بأنهم شرذمة تريد أن تشيع الفاحشة والزنا في المجتمع الكويتي، بهذه الصورة السمجة اختطفت الكويت ودستورها على مرأى ومسمع من النظام والحكومة.

ويصبح سدنة الفكر الديني بشقيه السني والشيعي الأوصياء على تحركات المواطنين ومراقبتهم، ليعود قانون الجلد الصحراوي والإرهاب الفكري المتسيد على الحياة في الكويت، وتفقد بذلك الكويت تاريخها القائم على التعددية والتسامح بنظام مظلم قاتم يتسيده رجال الفكر الأصولي تحت راية تكفير المجتمع، ضاربين بآراء الآخرين ومشاعرهم وحرياتهم عرض الحائط بدعوى الحفاظ على ثوابت الأمة.

اختطف القانون والحريات والديمقراطية في الكويت كنتيجة طبيعية لتنامي التيار الأصولي خارج مفهوم الدولة والمواطنة، وتتحول الكويت إلى دولة طالبان يقودها الطبطبائي والحربش وحزب الأمة وحزب الله وغيرهم من المتأسلمين.

التيارات الأصولية وصولية لتنفيذ أجندة التيارات الدينية، كما ينفذها باقتدار نواب جاؤوا عبر الديمقراطية، كما ينفذها باقتدار النائب عدنان عبدالصمد بعد تأبينه المشؤوم الإرهابي عماد مغنية، مستهينا بمشاعر أهل الكويت بادعائه المزيف بعدم وجود دليل قضائي على اختطاف طائرة الجابرية، ولا أعلم هل يملك سيدنا الجليل الدليل القضائي لجرائم صدام وبن لادن وأبو مصعب الزرقاوي وجميع إرهابيي العالم. لكن ستكون هذه هي القشة التي قصمت ظهر البعير.

الصور كثيرة على عدم إيمان التيار الأصولي بمفهوم المواطنة القائم على احترام سيادة القانون، وتبعيتهم العمياء للفتاوى القادمة من ولي الفقيه ولو أضرت بمصالح الكويت، وتكون الكويت ودستورها هي الضحية لتلك الممارسات غير المسؤولة. وأتمنى أن يتخذ الكويتيون موقفهم الحازم من الديمقراطية كخيار وحيد لا يقبل التجزئة والقسمة، والتضحية في سبيل إعادة الاحترام للقانون والحريات، وإلاّ كانوا قربانا وضحايا لسياسة التيارات الأصولية الرعناء.

الديمقراطية هي الحل الأنسب لخلق مجتمع تعددي قائم على الاختلاف والتعددية الفكرية، وهي سبيل كل من يرتأي الوصول إلى حياة مثلى، قائمة على احترام آراء الآخرين مهما اختلفت. بينما لم نجد من التيارات الأصولية إلا خيار القتل والإرهاب كوسيلة لبث الرعب والرهبة في نفوس الناس، وباستغلالهم البشع للدين وتحويله إلى سلاح يوجه إلى صدور المخالفين بدعوى الحفاظ على قيم الإسلام.

كاتب كويتي

almole110@kwtanweer.com

المصدر

بين العلمانية والدين

دهام حسن
سوف نأخذ لفظة العلمانية بكسر العين ، من أنها مشتقة من العلم ، ولن نندار إلى الاشتقاق الآخر ، أي العلمانية بفتح العين ، على أنها مشتقة من العالم ،لأن الاشتقاق الأخير لا يستوي لغة من جهة ، ولا يتساوق مع المعنى المراد عند استخداماتنا الكثيرة للمصطلح من جهة أخرى ، ولا نريد أن ندخل في ترف وسفسطة العرض للمسألة ، فضلا عن عدم توفر منهج دقيق يسعفنا للخروج بنتيجة مرضية للفرز ما بين المعنيين في استخدام المصطلح ، فليس أمامنا سوى شذرات قليلة لمفكرينا الأجلاء لا تفي بالغرض ..



العلمانية تقتضي فيما تعنيه، فصل الدين عن الدولة، بحيث يكون للدين مؤسساته ، من أديرة ومساجد ودور عبادة الخاصة به ، لها طقوسها واستقلاليتها ، بحيث لا تزاحم أو تنافس على تبوء السلطة باسم الدين.. بيد أن العلمانية لا تقتصر على هذا الجانب ، فهي تأخذ إطارا أوسع ، بل أنها تختزن جملة من الدعوات للتحولات التاريخية على أكثر من صعيد ، سياسة ، ثقافة ، فكر .. إلخ وربما أخذت العلمانية أشكالا من المسارات وفقا للظروف، والحالات التي يفرضها السياق التاريخي في كيفية تناول الحدث، ودعنا هنا نستذكر أن العلمانية تزدهر بمدى أوسع وأعمق في البيئات الديمقراطية ، حتى وجدنا أحدهم يقول: العلمانية لها ترجمة واحدة هي حرية الاعتقاد والتعبير، إذا كان ازدهار العلمانية يتطلب مناخات ديمقراطية ، فأيضا..بأجواء من الديمقراطية يندار الناس نحو العلمانية ، ربما وجدوا عندها أجوبة لأسئلتهم ، عجز عن بيانها الفكر ما قبل العلمي، ونستطيع القول أنهما – العلمانية والديمقراطية – في ترابط جدلي تستدعي إحداهما الأخرى .. ومن ناحية أخرى فهناك ترابط لا ينفصم عراه بين العلمانية والدين أيضا، فوجدنا من يقول : في ظل العلمانية يزدهر الدين ، ربما أقول موافقا إياه قليلا ومصححا للعبارة بحيث تصبح ، من أن الدين يأخذ مساحة من الراحة في ظل العلمانية ، طالما يحدد مجاله ووسائل عمله.. إن العلمانية لا تعادي الدين كطقوس دينية ومؤسسات اعتقاديه ودور عبادة، لكن العلمانية وقفت بالضد من التفسيرات الكنسية الحرفية المغلقة للدين وسعيها الدائب للسيطرة على الحياة الاجتماعية، فانتصار العلمانية في آخر المناكفة جاء بالترافق والتزامن مع حركة تنوير في الفكر والفلسفة، ومع المستحدثات العلمية، وأسست دول في مواجهة الكنيسة، ودعا العلمانيون الغرب إلى جعل السياسة من شأن هذا العالم الذي نعيشه، وهذا جعلهم في مواجهة جبروت الكهنة الذين نادوا بالتسليم بالقوى الغيبية والارتهان بالمطلق، وما حركة البشر إلا عبث في هذه الدنيا الفانية، فلن يغير ما هو مقدر ومكتوب ، نافين عن التغييرات الجوهرية الحاصلة نتيجة صراع وتفاعل القوى الاجتماعية.....إن العلمانية تعطي الحرية للإنسان فيما يعتقد أو لا يعتقد, له حرية الاختيار في أي دين يختار، أو يبقى خارج أطر الديانات ، دون أن يسعى أي منهما فرض آرائه على الآخر ، وبالمقابل طالما تم فصل الدين عن الدولة ، فعلى الدولة أن لا تدس أنفها في قضية الدين بتعبير كريم مروة ؛ ثم أن الدين في جانبه المقاوم كثيرا ما رفض الواقع المعيش لما فيه كثير من الجوانب السلبية التي تمس حياة الناس، بل قاومه، وربما لاذ إلى الدين في حالة القهر بحثا عن متنفس يريحه ربما قليلا، و هذا الموقف في هكذا حالات هو أضعف الإيمان. ومن هذا الجانب ينقل لنا الدكتور سربست نبي عن ماركس قوله : " إن الشقاء الديني تعبر عن الشقاء الواقعي، ومن جهة أخرى احتجاج على الشقاء الواقعي، الدين هو تنهيدة الكائن المقهور " أي متنفسه في حالة القهر الاجتماعي..



كانت العلمانية عند رواد النهضة العرب، تعني فيما تعنيه نزع الصفة الدينية عن المؤسسات الحكومية، وذلك بالفصل ما بين السلطتين الدينية والمدنية على قاعدة " مالله لله وما لقيصر لقيصر " دون أن ننسى أن مواجهة سياسة الإمبراطورية العثمانية، التي كانت تتلفع بطابع الخلافة الإسلامية ، أخذت هذه المواجهة شعار العلمانية ولو بصورة غير واضحة، أي تظاهرت بهذا الثوب ،لاسيما أن كثيرا من النهضويين العرب الرواد ، كانوا من مسيحيي بلاد الشام، شأنهم شأن العلمانيين العرب غير المسيحيين، كانوا مأخوذين بالتجربة الأوربية ، في فصل الدين عن السياسة، عندما أسفر- بداية- الصراع بين البرجوازية الصاعدة والإقطاعية التي عدت حامية لتوجهات الكنيسة ، بسبب تداخل وارتباط المصالح بين الإقطاعية والمؤسسات الدينية التي يرعاها الكهنة، وبأفول الإقطاعية انكمشت الكنيسة ، واقتصر نشاطها في دور العبادة من أديرة وكنائس، وتم فصلها نهائيا عن مؤسسات الدولة، وانتهى بتأسيس دول قومية في مواجهة الكنيسة..

لقد أدرك رواد النهضة العرب ، أن حجة الدين الإسلامي التي يتذرع بها العثمانيون ما هي إلا شعار زائف وخادع ، يهدفون من ورائها ديمومة وتواصل سيطرتهم على مقدرات الشعوب الإسلامية، والحيلولة دون تحررها من نير الاستبداد والتخلف، فالتمسك بالوحدة الإسلامية ، كان لقطع الطريق أساسا أمام أية دعوة للاستقلال والتحرر،لهذا فهم اعتبروا مثل هذه الدعوات، ضربة لوحدة المسلمين ، وتفرقة لكلمتهم أمام الغرب الطامع الكافر، ولا يمكن بالتالي ــ حسب رؤاهم ــ التساهل أو التسامح في هذا الجانب، وتخيل كيف كانت أفاعيل الدين الإسلامي في قلوب المؤمنين، قبل أكثر من قرن، وكيف كانت طاعة أولي الأمر فريضة واجبة ، وكيف أن مثل هذه الدعوات تجلب لأصحابها الشر المستطير ..

بالرغم من وجود علمانيين داخل حركة النهضة العربية في فترة مواجهة الإمبراطورية العثمانية ، لكن الغالبية كانت تحاول أن توفق بين الدين والسياسة في فترة المواجهة مع السلطنة العثمانية ، لكنها ما لبثت أن تقاعست ثم تراجعت ، فعدوا الإسلام مادة جامعة للقوميين العرب، فجاء من المسلمات أن يكون دين رئيس الجمهورية هو الإسلام ، واستحدثت وزارة الأوقاف، ترعى الشؤون الدينية وفيها الآلاف من المؤمنين المنتمين للوزارة، تحديد الدوام في شهر الصوم، فضلا أن دساتير كثير من الدول ، ترى في الإسلام المصدر التشريعي الأول..

لقد دخل بعض العلمانيين العرب في إشكالية معرفية، عندما حالفوا بين الدين والدولة لأغراض سياسية ، تراجعا أمام المد الديني، واليوم جميعنا يدفع الثمن، فتشربوا بثقافة الدين ، ونهلوا من معين تراثه الموغل في الماضي، فكل مفسر يفسر الإسلام وفق الثقافة السائدة في عهده ،والثقافة السائدة في أي عصر بالطبع هي ثقافة الطبقة السائدة سياسيا واقتصاديا، هذا إن دل على شيء فإنما يدل على هشاشة العلمانية عند هؤلاء ؛ أو أن الواقع السياسي الضعيف،أو التيار الإسلامي الشعبوي الصاعد، والمستأثر للمشاعر المؤمنة ، كل هذا ربما جرفهم إلى هذه الوهدة، متناسين أن العلمانية في أحد أوجهها هو الفهم العلمي للأشياء،والتأويل العلمي ، عند اكتناه المسائل المطروحة وتفسيرها ومعالجتها بالتالي، فالعلمانية بالأساس ميدانها المعرفة العلمية وليس للتكتيك السياسي، أو لكسب جولة سياسية .



لا تزال العلمانية تقف على أرضية هشة في العالم العربي ، وهذا الواقع هو المحبذ والمستطاب لدى ذوي الشأن في إدارة دفة الدولة، وحيلة ذكية لإرضاء هذا وذاك، أو التحكم بهما معا، وما الصراع الدائر الذي أخذ يتمظهر بطابع الصراع بين القوميين من جهة والإسلاميين من جهة أخرى.إلا ستار رقيق سرعان ما ينكشف أن الأمر غير ذلك، فترى القومي يتمسك بالدين ، كما الديني يتشبث بالقومية حيث أن القوميين عندما يتمثلون في الدولة كسلطة ، سرعان ما تجدهم يحاولون التوفيق بين العلمانية والدين ، بالتحايل على الفريقين، فهم يسعون لاجتذاب بعض رجالات الدين، وإدخالهم في خدمتهم، الذين لن يتوانوا في الإشادة بقيم القادة، وتعمية الناس بطاعة أولي الأمر، ثم يحمل القوميون الذين تسلموا السلطة من جانب آخر حملة شعواء ضد الإسلام السياسي، إذا ما راودهم أي هاجس بأن هؤلاء قد يشكلون خطرا عليهم ، وتهديدا لسلطتهم، وبهذا يعمدون إلى إيهام الآخرين بعلمانيتهم.. ألم نقل منذ البداية عن هشاشة العلمانية في عالمنا.؟ وهذه إحدى الثنائيات، التي اعتاد عليها العقل العربي التوفيق بينهما...!

المصدر

العولمة الحقيقة و الابعاد

بقلم:غازي التوبة

لقد أصبح مصطلح العولمة متداولاً منذ بداية التسعينات ، وأصبح علماً على الفترة الجديدة التي بدأت بتدمير جدار برلين عام 1989م وسقوط الاتحاد السوفييتي وتفككه ، وانتهت بتغلّب النظام الرأسمالي على النظام الشيوعي ، وانفراد أمريكا بقيادة العالم .

لذلك فإن العولمة تتكون من العناصر الرئيسية التالية :

1- تعميم الرأسمالية : إن تغلّب الرأسمالية على الشيوعية جعلها تعمم مبادئها على كل المجتمعات الأخرى ، فأصبحت قيم السوق ، والتجارة الحرة ، والانفتاح الاقتصادي ، والتبادل التجاري ، وانتقال السلع ورؤوس الأموال ، وتقنيات الإنتاج والأشخاص والمعلومات هي القيم الرائجة ، وتقود ذلك أمريكا وتفرضها عن طريق مؤسسات البنك الدولي ، ومؤسسة النقد الدولي ، وغيرها من المؤسسات العالمية التابعة للأمم المتحدة ، وعن طريق الاتفاقات العالمية التي تقرها تلك المؤسسات كاتفاقية الجات وغيرها .

2- القطب الواحد : تفردت أمريكا بقيادة العالم بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وتفكيك منظومته الدولية ، ومن الجدير بالملاحظة أنه لم تبلغ إمبراطورية في التاريخ بقوّة أمريكا العسكرية والاقتصادية ، مما يجعل هذا التفرد خطيراً على الآخرين في كل المجالات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية إلخ…

3- ثورة التقنيات والمعلومات : مرّت البشرية بعدّة ثورات علمية منها ثورة البخار والكهرباء والذرّة وكان آخرها الثورة العلمية والتكنولوجية والخاصة بالتطورات المدهشة في عالم الكمبيوتر ، وتوصل الكمبيوتر الحالي إلى إجراء أكثر من ملياري عملية مختلفة في الثانية الواحدة وهو الأمر الذي كان يستغرق ألف عام لإجرائه في السابق ، أما المجال الآخر من هذه الثورة فهو التطورات المثيرة في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والتي تتيح للأفراد والدول والمجتمعات للارتباط بعدد لا يحصى من الوسائل التي تتراوح بين الكبلات الضوئية والفاكسات ومحطات الإذاعة والقنوات التلفزيونية الأرضية والفضائية التي تبث برامجها المختلفة عبر حوالي 2000 مركبة فضائية ، بالإضافة إلى أجهزة الكمبيوتر والبريد الألكتروني وشبكات الإنترنت التي تربط العالم بتكاليف أقل وبوضوح أكثر على مدار الساعة ، لقد تحولت تكنولوجيا المعلومات إلى أهم مصدر من مصادر الثروة أو قوة من القوى الاجتماعية والسياسية والثقافية الكاسحة في عالم اليوم .

ما هي أخطار العولمة؟

1- الخطر الأول: إحياؤها مجتمع الخمس وإفقارها أربعة أخماس المجتمع الآخرين:

ستؤدي العولمة إلى تشغيل خمس المجتمع وستستغني عن الأربع الأخماس الآخرين نتيجة التقنيات الجديدة المرتبطة بالكمبيوتر فخمس قوة العمل كافية لإنتاج جميع السلع ، وسيدفع ذلك بأربعة أخماس المجتمع إلى حافة الفقر والجوع ، ومن مخاطر العولمة أيضاً قضاؤها على حلم مجتمع الرفاه ، وقضاؤها على الطبقة الوسطى التي هي الأصل في إحداث الاستقرار الاجتماعي ، وفي إحداث النهضة والتطور الاجتماعي ، ومن مخاطرها أيضاً دفعها بفئات اجتماعية متعددة إلى حافة الفقر والتهميش ، وتشير الأرقام إلى أن 358 مليارديراً في العالم يمتلكون ثروة تضاهي ما يملكه 2.5 مليار من سكان العالم أي ما يزيد قليلاً عن نصف سكان العالم . وأن هناك 20% من دول العالم تستحوذ على 85% من الناتج العالمي الإجمالي ، وعلى 84% من التجارة العالمية ، ويمتلك سكانها 85% من مجموع المدخرات العالمية . وهذا التفاوت القائم بين الدول يوازيه تفاوت آخر داخل كل دولة ، حيث تستأثر قلّة من السكان بالشطر الأعظم من الدخل الوطني والثروة القومية ، في حين يعيش أغلبية السكان على الهامش . ......

ونلاحظ في هذا الصدد أن ظاهرة فتح الأبواب على مصراعيها أمام التجارة الحرة باسم حرية السوق قدر رافقتها نسبة مهولة من ازدياد الجريمة ، فقد ارتفع حجم المبيعات في السوق العالمية لمادة الهيرويين إلى عشرين ضعفاً خلال العقدين الماضيين ، أما المتاجرة بالكوكايين فقد ازدادت خمسين مرة.
- الخطر الثاني : الأمركة :

... والأمركة تعني انتشار الأزياء والموسيقى والأكل الأمريكي ، وتكون نتيجة ذلك إلغاء الهوية الثقافية ...

3- الخطر الثالث : ثورة التقنيات والمعلومات : ما زالت ثورة التقنيات والمعلومات بأبعادها الجديدة مجهولة النتائج على البشرية إلى حد كبير وبالذات فيما يتعلق بالهندسة الوراثية ، وإن كانت ذات نتائج إيجابية في مجالات كثيرة .

منقول بتصرف
المصدر

الحرية المسئولة والفوضى

الحرية المسئولة والفوضى .. جدلية العلاقة
سيكولوجية السلطة .. العلاقة ما بين الحاكم والمحكوم .. نوازع المتسلط ودوافع ظواهره السلوكية .. السلوك الإرتدادي للمحكوم ونظرته للحاكم .. متى ولماذا يتقبل ما يتم فرضه ومتى يثور .. قضايا شائكة وبحاجة الى اكثر من مقالة او موضوع عابر .. وبحاجة ايضا الى قليل من ( التجرد ) واقصاء الخبرات السابقة ..

حسنا .. من الأفضل ان نتناول الظاهرة من اساسها المجرد .. السلطة بوصفها علاقة ثنائية بالضرورة تستلزم حاكم ومحكوم .. سلطوي ( وليس متسلط ) ومنفعل للسلطة او يقع تحت مسارها ..
السلطة بوصفها تجسيد للقيادة او الحكم او حتى السيطرة والهيمنة ( في معناها الأسوأ ) تستلزم من ضمن أدواتها القانون او الأعراف او الأحكام التي تقوم بتسييدها بصورة عامة ومتساوية للجميع ( في حالة السلطة النزيهة ) ولكن هل تكفي النزاهة بمعناها الذي ينبذ المحاباة .. طبعا لا .. فيجب ايضا ان تكون تلك القوانين ( أداة السلطة ) محل موافقة المجموع ( او اغلبيته بالمعنى الديمقراطي ) سواء عن طريق المشاركة في وضعها او تأييدها بحكم الإختصاص وهو ما يحدث الآن بصورة غالبة في المجتمعات او ( التجمعات ) التي تنتهج آلية ديمقراطية ..

المحكوم ..
والآن الى الجانب الآخر من المعادلة .. المحكوم .. وهو من تمارس عليه السلطة أدواتها وآلياتها التنظيمية .. من نافلة القول التأكيد على طبيعة احسبها غريزية للعقل او الذات الواعية وهي التمرد بصورته القبلية ورفض الهيمنة والحد من القيود والحريات .. جميل .. ولكن هل هناك قانونا مهما كانت عدالته وخلوه من الثغرات ينجح في تحاشى منح هذا الشعور بالتقييد في نفوس المحكومين .. اجيب بيقين لا .. فالقضية نفسية في الأساس والقانون طالما كان بصيغة جيدة وبعيدا عن المماحكة مع ذواتنا ولا نتضرر منه او يطالنا يكون ممتازا او بمعنى اصح كأنه غير موجود اصلا .. الإشكالية او لنقل الشعور بالتقييد والتسلط ومحاولة فرض الآخر لرأيه تبدأ عندما يصطدم الفعل او القول الذاتي للفرد بما هو موجود من قوانين او آليات تحكم المجتمع او التجمع الواقعي او الإفتراضي .. فتكون النتيجة هي اما ان تنجح فكرة او قيمة ( اعلى ) في السيطرة والحد من التعبير عن التمرد او العصيان بوعي المحكوم ولتكن مثلا قضية كالحرية المسئولة او الإلتزام او الجهد التنويري .. او ينزلق الوعي الى ممارسة تمرده ( المشروع بالمناسبة ) على ما يراه تقييدا لحرية فعله او قوله اما درجة وقوة ومسار هذا التعبير يكون محددا بعوامل كثيرة منها درجة استيعاب المتمرد وصفاته الإنفعالية ومدى حرصه على البقاء ضمن المجموع فضلا عن إخلاصه واقتناعه بما سبق ذكره من قيم وافكار اعلائية ..

الحاكم ..
نعود مرة اخرى الى الحاكم .. ولنتناول تلك المرة شقه الأسوأ وهو ( التسلط ) بوصفه تطرفا في استخدام السلطة ومحاولة فاشية نحو القمع او فرض الذات على الآخر بما يلغي وجوده او على الأقل يهمش رأيه ويقصيه
ماهي ملامحه .. وكيف يمكن لنا توصيفه بصورة صحيحة دون الإنزلاق الى خطأ المغالطة او التطرف الموازي في النقد ومن ثم التمرد ..
ملامحه دوما تشكلها القرارات الفردية والتي تصدر بصورة مفاجأة ودون تنسيق او محاولة لإشراك الآخر في صياغتها .. واهم خطيئة يقترفها هي عدم العدول عن رأيه ابدا حتى ولو تبين له بصورة واضحة خطأه فضلا عن إضراره بالمجموع .. حسنا .. وهل يندرج تحت بند المتسلط القائد او السلطوي الذي يصر على تطبيق ما هو راهن من قوانين والتزامات .. اؤكد لا .. بل على العكس .. يكون من صميم عمله وأولوياته هو الحفاظ عليها والحرص كل الحرص على تفعيلها وعلى الجميع وبالطبع نفسه .. وان حدث العكس يتحول الى النقيض المقابل للتسلط وهو التسيب او عدم الأهلية مما يوجب اقصائه ايضا .. اذن من الواضح ان السلطة الأرقي هي لاعب سيرك ماهر يسير على حبل رفيع مشدود ما بين التسلط والتسيب !

نحو نظرة أعمق لقيمة الحرية ..
الحرية المطلقة حلم اجمل .. لكنه للأسف مستحيل .. خاصة في ظل وجود تعقيدات مجتمعية واعتبارات مشتركة وإرادات مختلفة بطبيعتها .. كل القوانين والفلسفات حاولت جاهدة التوصل الى صيغة كونية يتم من خلالها إرضاء الجميع وتحقق حرية الجميع .. وفشلت واتوقع ان تفشل ومصدر الفشل ليس متعلقا بخلل في الحرية بل هو متعلق بطبيعة النزاع والإختلاف البشرية .. حتى يوتوبيا افلاطون وتوماس مور وغيرهم لم تنجح في منح ايقونة الحرية المطلقة للجميع لاستحالتها ..
لكن يبقى هناك الحد الإدنى من التوافق والموائمة وهو ما يسمى بالحرية المسئولة .. والتي تعني في ابسط تعريفاتها هو ممارسة حريتك بما لا يتقاطع او يتعارض مع حريات الآخر .. والجميع انا وانت والآخر وحرياتنا هي قيد تنظيم وانصهار ببوتقة تسمى القوانين العامة التي تم الموافقة عليها سلفا من قبل اغلبية واعية .. بينما التمرد رغم كونه قيمة تؤرق دوما اي سلطة مهما بلغ كمالها حقا اصيلا للذات الواعية بل وعامل تميز ودافع للإبداع .. ولكن شريطة ان لا تتحول الى فوضوية وعامل هدم .. هدم للذات قبل الآخريين .
المصدر

التشدد إزاء النساء

ألاصول التاريخية لفكر التشدد إزاء النساء

بدور زكي محمد

ليس من المبالغة وصف المواقف المتشددة تجاه النساء بالعقيدة لان اصحابها يؤصلون توجهاتهم بالعودة الى فكر السلف المقترن بهالة من القدسية بما ادعاه من ثبوتية احاديث معينة أو تفسيرات قطعية لآيات محددة. ولنتامل في بعض المقولات القديمة بشأن المرأة ‘ فهذا ابن جرير الطبري يقدم تفسيرا للخطيئة الاولى بأن ينسبها الى حواء ‘ فهو يعتقد ان الله قال لها : "انت غررت عبدي" وعاقبها فابتلاها بالمرض الشهري " وجعلها سفيهة بعد ان خلقها حليمة ‘ وجعلها تحمل كرها وتضع كرها ". ويقول ابن المسيب: "ما أكل آدم من الشجرة وهو يعقل‘ ولكن حواء سقته الخمر وقادته اليها بعد ان سكر.". وفي تفسير ابن كثير ‘ يشكو آدم حواء ويقول انها التي امرته فاخطأ. كل ذلك والقرآن أكد صراحة على مسؤولية آدم { ولقد عهدنا الى آدم من قبل فنسى ولم نجد له عزما *.. فوسوس اليه الشيطان قال يا آدم هل ادلك على شجرة الخلد وملك لايبلى * فاكلا منها فبدت لهما سوءتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى آدم ربه فغوى * }[ طه 115-120-121 ]. ولدى صاحب كتاب إحياء علوم الدين، ابو حامد الغزالي الذي عاش في القرن الحادي عشر الميلادي، رأي غريب في مايجب ان تتبعه المرأة من انماط السلوك، فيقول : " القول الجامع ان تكون المرأة قاعدة في قعر دارها، لازمة لمغزلها، لايكثر صعودها واطلاعها..لاتخرج الا بإذن زوجها وإن خرجت فبهيئة رثة.. تتنكر على من تظنه يعرفها أو تعرفه.. متنظفة في نفسها، مستعدة في الاحوال كلها للتمتع بها إن شاء زوجها.." ولتعزيز آرائه ينسب حديثا الى الرسول (ص) مفاده ان " للمرأة عشر عورات، فإن تزوجت سترالزوج عورة واحدة، فإن ماتت ستر القبر العشر عورات " ولانعرف من اين جاء الغزالي بهذه العورات مع ان القرآن الكريم اشار الى ان السوءة (العورة) واحدة، كما اوضحت الآيات السابقة.
وهناك الكثير من الاحاديث التي يمكن ان نجزم بأن رسول الله لم يقلها وإنما وضعها فقهاء لتنسجم مع احكامهم على المرأة، ذلك لتعارضها مع القرآن، ومنها : "لولا حواء لم تخن انثى زوجها الدهر" [ رواه مسلم ] وروى ايضا: "اتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن اول فتنة بني اسرائيل كانت النساء"، "ان المرأة تقبل في صورة شيطان، وتدبر في صورة شيطان ".
ويروي المنذري "ان النساء حبائل الشيطان". اما البيهقي فينسب الى النبي انه قال: " النكاح رق فلينظر احدكم اين يضع كريمته " وانسجاما مع هذا الحديث يأتي الترمذي بحديث آخر: " لو كنت آمرا احدا ان يسجد لغير الله، لأمرت الزوجة ان تسجد لزوجها ". وهنا لابد من ان نتوقف وننظر فيما اذا كانت هذه الروايات تتفق مع الآية القرآنية التي تقدم وصفا جميلا للزواج بأنه السكن المتبادل الذي تظلله المودة والرحمة، وسنعرف بعقولنا انها تتعارض مع القرآن كليا.
نعود الى الشيخ الغزالي وهو مرجع معتبر لدى الكثير من الدعاة، ليخبرنا عن من هي قدوة النساء، إنها التي : " إذا تزوج زوجها عليها ثلاثا، اطعمته الطيبات وقالت : إذهب بنشاطك وقوتك الى ازواجك ". تلك المرأة فاقدة للاحساس والكرامة، مكتفية بقوت يومها وبسقف دارها، ادركت اسراف زوجها وتحكم نزواته فلم تجد بدا من التظاهر بالرضا وكتمان سخطها، وليس كما يصورها الغزالي مسرورة بتطلعاته ونزعته للتغيير.
إن المرأة الباحثة عن حقوقها تقف في حيرة من امرها بين جمهرة من الفقهاء لايرون فيها الا كل ما هو سلبي وباعث على النقمة، بينما يحدثها القرآن بأنها صنو الرجل، فهي المؤمنة المبايعة المهاجرة المكلفة بسائر العبادات، ذات الذمة المستقلة، المثابة والمعاقبة. وإذا كان معظم فقهاء السلف يكتفون بإهمال شأن المرأة وإبعادها عن شؤون الحياة العامة والتركيز على استغلالها جسديا، فإن منظومة التطرف والتشدد المعاصرة تعيد انتاج فقه التضييق على النساء بأقصى ما تستطيع وتزيد عليه، مستفيدة من التطور المعلوماتي، وتراكم الاموال لدى بعض قياداتها، والاخطر من ذلك انها تمكنت من استقطاب مجموعات كبيرة من النساء، واقنعتهن بأن التطرف هو الدين الحق، ودربت الطامحات منهن ليتولين شؤون الافتاء في محيطهن النسائي، ليسهمن لاحقا في خنق اي تحرك يستهدف تخفيف القيود المضروبة على النساء.
من الاحاديث التي كان لها دور مهم في تهميش المرأة وتأخير الاعتراف بمكانتها الاجتماعية، حديث نقصان العقل والدين الشهير، الذي اعتبره القدماء حجر الاساس في التعامل مع المرأة، فقد نقل عن صحابي يدعى ابو سعيد الخدري : " خرج رسول الله في أضحى أو فطر، الى المصلى فمر على النساء، فقال: يامعشر النساء ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للُب الحازم من احداكن، قلن : و ما نقصان ديننا وعقلنا يارسول الله؟ قال اليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة رجل؟ قلن: بلى، قال: فذلك من نقصان عقلها، اليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ قلن : بلى، قال : فذلك من نقصان دينها ". وبدون التطرق الى صاحب الرواية، لأن العبرة في قبول الحديث ليس سنده فقط وإنما توافقه مع مبادئ الاسلام وآيات القرآن الواضحة واساسيات العقل، لابد من مناقشة هذا الحديث وبيان اوجه صحته من عدمها : اولا، ان الله يؤكد على انه خلق الانسان في احسن تقويم، وانه ليس من حكمته ان يجعل المرأة في تكوين معين ثم يعيرها بخلقها الذي هو من صنعه،ولايمكن ان تتحول امكاناتها الطبيعية في الحمل والولادة والإرضاع وبالتالي دورها في بقاء البشر الى سبب لازدرائها، وهي الاحرى ان تكرم لذلك، كما انها لم تمتنع عن الصلاة والصيام في فترة حيضها أو نفاسها بإرادتها وإنما بترخيص من الله، ولها ان تعوض ايام إفطارها فتستكمل ما نقص " فعدة من ايام أخر"، كما هو حال المسافر أو المريض، فهل نقول عنهما انهما ناقصا دين لانهما أفطرا أوقصرا صلاتهما؟ ثم ماذا سيقول اصحاب الرواية عندما تنتهي فترة الانجاب لدى المرأة أو تنقطع عنها الدورة الشهرية؟ هل سيتراجعون، أم تراهم سيبحثون عن حديث جديد، يحطون به من قدر النساء؟ ويرى بعض العلماء ان هذا الحديث ورد على سبيل المزاح، ومنهم القرضاوي وسليم العوا. ويلاحظ الباحث محمد عمارة على الحديث انه " ليس من المعقول ان تكون المناسبة عيد ويكون التبكيت والغم هو المقصود..فعندما يقول الرسول: { إنا أمة أمية لانكتب ولانحسب }، هل نفهم انه يطلب من أمته أن لاتتعلم؟ وإنما القول إقرار بواقع معين " وبعد فإنه لايتوافق مع ما عرف عن النبي من خلق كريم، ان يؤذي النساء بذلك القول في يوم عيد، الا إذا كان من باب المزاح. يضاف الى ذلك إن صاحب الرواية غير متأكد من زمن الحديث (فطر أو أضحى)، ما يعني عدم دقته في النقل.
نأتي الى الجانب الآخر من الحديث وهو نقصان العقل، من اين جاءت هذه الشبهة، إن موضوعها باختصار المنهج الذي اعتمده المفسرون في تفسيرآية الدين وعدم مراعاتهم لظروف التنزيل وحكمته وتوقفهم عند حرفية النصوص وأكثر من ذلك تعميم الواقعة الخاصة بالدين، على القضايا كافة، تقول الآية: {يا ايها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين الى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل...واستشهدوا شاهدين من رجالكم فإن لم يكونا فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل احداهما فتذكر احداهما الاخرى..} [البقرة 282 ]. لاشك بأن هذه الآية تتحدث عن حال النساء في الماضي السحيق وما كن عليه من جهل هو ادنى من جهل الرجال، في مجتمع تعود الثقافة الشفاهية وندر فيه من يقرأون ويكتبون، وهي تجاري عرفا سائدا آنذاك، كانت النساء بعيدات عن الشؤون العامة ومنها التجارة والمال والعقود على اختلافها، وكان من العرف ايضا التفرقة بين شهادة الرجل البدوي ونظيره الحضري وبين العبد والحر، فبعض الفقهاء ما كانوا يقبلون شهادة البدوي، لعدم احترامهم له ويروى عن مالك والشافعي وابي حنيفة انهم رفضوا شهادة العبد. ولإنصاف المرأة من فقهاء انكروا عليها عقلها وجعلوا من تفسيرهم القاصر للآية الكريمة حجة عليها ولم يراعوا سياقها التاريخي، اورد بعض النقاط التي توضح بطلان ما ذهبوا اليه:

وردت آيات كثيرة تفيد معنى المساواة بين المرأة والرجل في قضايا أساسية، ومن ذلك الآية الحادية والستين من سورة آل عمران،التي تدعوا الى محاججة الذين شككوا بالإسلام: {..فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكافرين }، { المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.. } [ التوبة71]، {فاستجاب لهم ربهم اني لااضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى} [ آل عمران195 ]، { يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منها رجالا كثيرا ونساء..} [ النساء 1] .

كثير من الاحاديث النبوية التي ثبتت صحتها لدى غالبية الفقهاء، روتها مئات من النساء (سبعمائة راوية – كتاب الطبقات) ولم نسمع من الفقهاء المشككين بذاكرة المرأة، إنهم طعنوا بروايات النساء أو اشترطوا لصحة الحديث أن ترويه امرأتان ورجل، ونعلم ان الاحاديث بشكل عام هي من اهم مصادر الاحكام لديهم وهي فوق ذلك شهادة في حق النبي.

الاسلام اعترف بالاهلية القانونية الكاملة للمرأة وكفل لها حرية التعاقد، والشهادة على اهميتها ما هي الا تكليف يترتب على تمتع الانسان بالاهلية.
الى جانب ما نعرفه عن جهل معظم النساء في صدر الاسلام، فإن المرأة كانت محكومة بإرادة الرجل وقد تسول له نفسه ان يمنعها من الشهادة فاقترحت الآية شاهدتين لتيسير الامور.
إن الآية تتعلق بشأن محدود هو إثبات الدين وحتى بعد انتزاعها من سياقها التاريخي فإن صياغتها لاتتحمل التعميم.
كيف تستبعد شهادة النساء منفردات في معاملات الدين وغيرها، التي تجري بين النساء، بخاصة في المجتمعات التي تحظر الاختلاط وهل تمتنع المحاكم عن النظر في اثبات الحقوق لعدم وجود شهود رجال؟
تتولى النساء في كثير من الدول العربية والاسلامية وظائف مهمة في المحاكم واصبحن كاتبات عدل، يأتي اليهن المتعاقدون والشهود وتكتب العقود باشرافهن، فكيف لاتكون شهادتهن كاملة؟

لم نسمع عن اعتراضات رجال الدين على شهادة النساء في المحاكم الجنائية، فشهادة امرأة واحدة مع قرائن معينة، كافية للحكم بالاعدام، فلماذا لم يطعنوا بشهادة المرأة؟
اصبح من حق المرأة في مصر ان تتولى إجراء عقود الزواج، التي كانت حكرا على الرجال، بعد قرار شيخ الازهر بتعيين أول مأذونة شرعية، ومن غير المعقول ان تقوم امرأة بتوثيق عقد الزواج وفي الوقت نفسه لايقبل القانون شهادتها بمفردها.
إن بقاء اي حكم او مبدأ في التعامل يرتبط باستمرار الاسباب الموجبة اليه، واليوم مثلا لايعالج القانون مسائل العبودية وحالات العتق والاحكام الخاصة بالعبيد، وكلها موجودة في القرآن، وذلك لعدم وجود عبيد اصلا، كما لم تعد النساء في الشوارع يكشفن صدورهن ويسدلن خمارهن على ظهورهن، ويذهبن لقضاء حاجاتهن في زوايا الطرقات العامة فيتعرضن للاعتداء أو يختلط الامر على ذوي النفوس المريضة فيحسبونهن جواري، ولم تعد حماية النفس مسؤولية شخصية، بل اصبحت من واجبات الشرطة، كذلك الامر في الشهادة فالناس بشكل عام تنبهوا الى ضرورة توثيق ديونهم في دوائر كتاب العدول، حتى الريفيين منهم، مع بقاء حالات كثيرة من الديون الشفاهية التي تعتمد على الثقة، وهذه اصلا لا تخضع لحكم الآية الكريمة لانها تحدثت عن حالة كتابة الدين.

اختلف الفقهاء في القضايا التي تجوز فيها شهادة النساء فبعضهم رفض شهادتهن من أصلها، وأجاز ابو حنيفة: شهادة المرأة بنصف نصاب في (العتق والوكالة في المال والايصاء ودعوى قتل الكافر لاستحقاق سلبه وجناية الخطأ والعمد والزواج والرجعة..) أما مالك والشافعي فقد خصصا قبول شهادة النساء في الاموال فقط، اي انهما أقرا بأن الآية تخص المال، لكنهما تشددا ورفضا شهادة النساء في القضايا الاخرى. وفي قضايا النسب، يشير محمد جواد مغنية في كتابه [ الفصول الشرعية على مذهب الشيعة الإمامية ] الى ان " شهادة النساء لاتقبل في قضايا النسب، سواء كن منفردات أو منضمات الى رجال ". كما إن شهادة النساء على عقود الزواج لاتكفي "لأنهن مهما كثرن يقمن مقام رجل واحد، وشهادة الواحد غير معتبرة " وهذا ما استنتجه بدران ابو العينين، في كتابه (الفقه المقارن). وهذا امر عجيب إذ ان الزواج والنسب، من الشؤون التي تحتاج الى شهادة نساء، لارتباط الامر بقضايا نسائية بحتة مثل بداية الدورة الشهرية وانقضاء العدة وبدء المعاشرة الزوجية الحقيقية والرجعة بين الزوجين.. وغير ذلك. ان اختلاف الفقهاء يعبر عن اجتهادات لم يتطرق اليها النص القرآني، أي انهم سمحوا لأنفسهم بتغيير معاني النص لزيادة التضييق على المرأة، لقد زادوا ولم ينقصوا. فلماذا يمنعون الأخذ بقاعدة التدرج في الاحكام حسب تغيرات الواقع، التي ارشدنا القرآن الى أهميتها في أحكام الإرث والوصية وشرب الخمر مثلا؟

يقول الفقيه ابن القيم الجوزية في كتابه اعلام الموقعين : " قد استقرت الشريعة على ان شهادة المرأة نصف شهادة الرجل، فالمرأتان في الشهادة كالرجل الواحد " وهو لم يحدد الشهادة بالدين فقط، وبذلك فقد اصدر حكما عاما، ثم انه قالها بوضوح، الشريعة (مجموع اقوال واجتهادات الفقهاء) وليس القرآن، بمعنى التوسع في الاجتهاد لسلب المرأة حقوقها بغير حق.
إذا كانت شهادة الرجل الواحد غيرمعتبرة شرعيا وقانونيا في أغلب المعاملات المالية، فهل يقر الفقهاء بنقصان عقله؟
لابد من التمييز بين الاحكام العامة والواضحة مثل القصاص وبين الاحكام الواردة على سبيل تنظيم التعامل، فالقصاص يتعلق بحرمة قتل النفس وهي باقية مهما تغيرت الازمان، بينما تطورت المعاملات المتعلقة بالديون فلم تعد الشهادة عنصرا مهما.
ان الاصرار على تفسير النص الخاص بالشهادة كدليل على نقص عقل المرأة، يفترض خصوصية استثنائية يتمتع بها الرجال من ناحية الذاكرة أو الامانة، وهذا لا دليل عليه لا في القرآن ولا في العلم، كما ان الواقع في المحاكم يثبت ان كثيرا من شهود الزور، يقفون بانتظار من يستأجر خدماتهم.
وأخيرا يمكن ان نسأل من يتشبثون بحرفية النص، السؤال التالي : ماذا لو لم يجد الدائن شخصا يجيد الكتابة ليكتب الدين، هل يضيع حقه لان النص اشار الى ضرورة كتابة الدين؟

آية اخرى يتشبث بها الفقهاء الحرفيون لأثبات نقص المرأة، وتختص بالارث { يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين } [ النساء 11 ]، دون ان يلاحظوا ان هذه النسبة في الإرث ليست مطلقة فإلى جانبها نسب اخرى تتساوى فيها انصبة الرجال مع النساء، مثل (ميراث الام والأب في حالة وجود الأولاد، أو وجود الإخوة وميراث الاخوات والإخوة لأم. إن مضاعفة إرث الرجل في هذه الآية يرتبط بتكليفه بتقديم المهر والانفاق على العائلة، حين كانت النساء تعتمدن كليا على الرجال ولاتعملن، وليس دليلا على نقص انسانية المرأة كما لاينبغي للفقهاء ان يتناسوا حقيقة ان النصوص التشريعية في الإرث خاطبت مجتمعا لم يكن يسمح بتوريث النساء (كما تؤكد الروايات) فكان لابد من التدرج في الأحكام، وقد ضرب الله مثلا بأن جعل آيات الميراث على ثلاث مراحل : ففي البداية كان الإرث لذوي الإرحام وبين من تعاقدوا على الموالاة [ النساء 33 ] ثم تغير الامر الى توريث الموصى اليهم من قبل المتوفي، من الوالدين والاقربين [ البقرة 180 ] تم نزلت آية المواريث المفصلة التي يجري العمل بها في الدول الأسلامية على مذاهبها المختلفة [ النساء 11 ] وكل ذلك التدرج، راعى واقع الحال قبل الإسلام ولتجنيب المجتمع صدمة التغيير الجذري والسريع، وليضمن قبول الناس للجديد ولتبيان أولويات القرابة في الإرث، بمعنى إن النص القرآني تفاعل مع الواقع، ومن المهم التنويه الى إن تلك المراحل الثلاث تعاقبت خلال فترات ليست طويلة، فلماذا يهمل معظم فقهائنا اليوم هذه السنة القرآنية ويتناسون مرور عشرات القرون، بل إنهم يزدادون انغلاقا وعداءً للمرأة.
ومما له أسوأ الاثر على النساء استشراء تطاول المتطرفين عليهن، وذلك بإصدار مزيد من الكتب التي تحط من قدرهن، وإعادة طباعة الأجزاء المسيئة للمرأة من بعض الكتب القديمة كالجزء المعنون بـ: الزواج السعيد من كتاب إحياء علوم الدين، للغزالي، الذي تضمن تحذيرا للرجال من النساء فيقول : "... إن كيدهن عظيم وشرهن فاش والغالب عليهن سوء الخلق وركاكة العقل..". ولا يكتفي أعداء النساء باضطهادهن على الارض، بل يحددون لهن النهايات في الآخرة ايضاً ويستخرجون أحاديثا ينسبونها الى النبي ظلماً، ومنها : عن ابن عباس الذي تفيد بعض الروايات ان عمره كان عشر سنوات حين وفاة الرسول، لكنه روى الكثير من الاحاديث، قال: {..ورأيت النار فلم أر منظراً كاليوم قط ورأيت أكثر أهلها من النساء، قالوا بم يارسول الله؟ قال بكفرهن، قيل أيكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير ويكفرن الإحسان، لو أحسنت الى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك ما تكره، قالت : ما رأيت منك خيرا قط }. وعلى المنوال نفسه يروي جابر إنه شهد العيد مع الرسول وسمعه يعظ النساء ويقول: { تصدقن فإن أكثركن حطب جهنم، فقالت امرأة : لم يارسول الله؟ قال : لأنكن تكثرن الشكاة وتكفرن العشير، فجعلن يتصدقن من حليهن..} وهناك روايات مماثلة عن اسامة بن زيد وعمران بن حصين..الخ. واضح لكل ذي بصيرة وإلمام بالدين، إن هذه الأحاديث موضوعة لكونها تخالف منطق القرآن، فالآيات التي تتحدث عن غفران الذنوب كثيرة، كما ان الله يخبرنا بأنه لايؤاخذنا باللغو في ايماننا وبأن رحمته وسعت كل شيئ، أفلا تتسع لذنوب المرأة البسيطة؟ لقد جعل الوضّاعون مناكدة الزوج بمنزلة الكفر، ليكون هذا الحديث منسجما مع ما ادعوه من ان الرسول وصف الزواج بأنه رق وإنه لو لم يكن السجود لله لكان حريًا بالزوجة ان تسجد لزوجها. ان التنكر للعشير (الزوج) أوجحود إحسانه، لا شك يعكر الحياة الزوجية، لكنه ليس من الكبائر التي يمكن ان تؤدي بمرتكبتها الى النار، ولو كان الأمر كذلك لحرمت الشكوى وساد الصمت بين الأزواج، ولامتنعوا عن تداول شؤون حياتهم اليومية، وهل يقبل عاقل ان يكون مصير الزوجة في النار لمجرد إنها شكت لزوجها كثرة اعبائها المنزلية وعدم قدرتها على التحمل أو أنها احتجت على زوجها كونه يبخل عليها وعلى اولادها، بينما يبدد ماله على مسراته الشخصية؟ إن مضامين الاحاديث السابقة تسيئ الى الذات الإلهية وتضع الزوج في مصاف الله، وتحكم على المرأة بالطاعة المطلقة للزوج بما يتنافى مع الوصف القرآني للزواج بإنه سكن ومودة ورحمة. ثم لماذا لم يتحفنا نقلة الحديث بروايات عن شكوى الرجال من زوجاتهم ونشوزهم الذي أشار اليه القرآن الكريم. إن دعاة تحقير المرأة لا يعجزون عن توظيف كتب التراث أو تحويرها بما يتفق مع نزعتهم العدوانية تجاه النساء وخوفهم من نهضتهن، فهم لايستحون مما يقولون، فكما افتروا على الرسول (ص)، نقلوا عن الإمام علي أسوأ كلام عنهن، وقالوا أنه أطلق تحذيرا مفاده : "يا أيها الناس لا تطيعوا النساء ولاتأمنوهن على مال ولا تدعوهن بدون أمر، فإنهن إذا تركن وما يردن أفسدن الملك وعصين المالك... وجدناهن لادين لهن في خلواتهن ولا روع لهن عند شهواتهن... يتظلمن وهن الظالمات ويحلفن وهن الكاذبات ويتمنعن وهن راغبات... " هذه الأقوال المزعومة، تضمنها كتاب جديد، يرمي المرأة بالكفر ويتوعدها بالنار. وفي الختام انقل رأيا لأبي الأعلى المودودي، ورد في كتابه (حركة تحديد النسل –ص80)، يعتبر المرأة مجرد آلة للتفريخ فيقول : " لم يخلق هيكل المرأة الجسدي إلا ليقوم لخدمة النوع البشري ويؤدي واجب الإستبقاء على وجوده، فهو الهدف الرئيس الذي قصدته الفطرة بخلقها وهو الواجب الذي تطالبها الفطرة بأدائه " وقول آخر للبهي الخولي، من كتابه (المرأة بين البيت والمجتمع -71) يدعو صراحة الى إذلال الزوجة من دون سبب : " يجب على الزوج أن يريها من نفسه تعاليا عليها واستمساكاً عنها وهو علاج رادع للمرأة، مذل لكبريائها."
وبعد كل ما تقدم لاينبغي أن نستغرب بقاء المرأة متخلفة في ظل منظومة فكرية تجعل المرأة أمة لزوجها ولا تملك حتى الحق بالشكوى والترويح عن النفس، وبالتالي تخلف مجتمعاتنا.

المصادر : القرآن الكريم
سيد القمني –مجموعة مقالات – موقع محاور
المرأة في الاسلام- هيثم مناع - 1980
مجموعة مقالات للدكتور خالد منتصر- موقع المركز التقدمي لدراسات مساواة المرأة
الفصول الشرعية على مذهب الشيعة الامامية – محمد جواد مغنية (ص65)
الفقه المقارن- بدران ابو العينين (ص 33

كاتبة عراقية – لندن
bdourdadah@yahoo.co.uk


المصدر

مكيافيلي

نيقولا مكيافيلي (1469-1527)

ولد نيقولا مكيافيلي (Machiavelli) من عائلة عريقة عام 1469 في مدينة فلورنسا الإيطالية. وخلال نشأته في هذه المدينة قُدر لمكيافيلي أن يشهد تحولات أساسية في تركيبة النظام السياسي في فلورنسا. فقد انتقلت السلطة من عائلة مديتشي إلى سافونارولا[1][1]، رجل الدين المستبد الذي حكم فلورنسا لمدة ثلاث سنوات سقط على إثرها فاسحا المجال أمام قيام نظام جمهوري دام من عام 1498 حتى عام 1512 حيث عادت أسرة مديتشي للحكم.

تثقف مكيافيلي ثقافة عصره وكانت له صداقات واسعة في أوساط الكتاب والمفكرين، مما سمح له الحصول على ثقافة واسعة في القانون والسياسة والتاريخ والفلسفة. وهذا ما أتاح له الحصول على منصب المستشار العام للدولة في فلورنسا الجمهورية عام 1498 حيث بقي فيه لمدة أربعة عشر عاما أي حتى سقوط العهد الجمهوري فيها عام 1512. لقد كان هذا المنصب مهما في حياة مكيافيلي، إذ سُمح له أن يكون على صلة مباشرة بشؤون الدولة السياسية، الداخلية منها والخارجية. إذ كثيراً ما قام مكيافيلي بمهمات دبلوماسية خارج فلورنسا: منها أربع مهمات قام بها عند ملك فرنسا، وواحدة عند إمبراطور ألمانيا واثنتان عند الباب العالي، وغيرها عند القيصر بورجيا[2][2] الذي كان مكيافيلي معجباً به.

هكذا كان مكيافيلي في مركز يؤهله لفهم خفايا سياسات الدول والتعبير عنها في مؤلفاته التي وضعها في التوسكاني بعد نفيه من خدمة آل مديتشي بعد اتهامه بالاشتراك بمؤامرة جمهورية للإطاحة بالأسرة الحاكمة. فاعتُقل مع المتآمرين، ونُزعت منه المسؤوليات، وأبعد عن وظيفته ليعيش في عزلة قسرية في دار للعائلة لمدة اثني عشر عاما قضاها وهو يأمل العفو عنه والعودة إلى وظيفته ولكن دون جدوى.

وتوفي عام 1527 تاركا وراءه إرثا فكريا قيما ما زال يعتبر من أهم ما وُضع في تلك الفترة من الزمن.

من أهم المؤلفات التي تركها مكيافيلي كتاب "الأمير" الذي وضع في العام 1513، وتلاه كتاب "المطارحات" (1517)، والخطب أي "أحاديث عن كتب تيتوس ليفيوس[3][3] العشر الأولى" و "فن الحرب" اللذان وضعهما في العام 1521، وأخيرا مؤلفه "تاريخ فلورنسا" الذي تم نشره في عام 1525.

مكيافيلي: مختارات من كتاب "المطارحات"

عن أنواع الحكومات ومن أي نوع كانت حكومة روما

أرى أن لا أتحدث عن المدن التي كانت منذ مستهل عهدها خاضعة لسلطة مدن أخرى، وان احصر حديثي في المدن التي كانت منذ بداية نشوئها في منجاة من أية عبودية خارجية، وكانت تُحكم طبقاً لرغباتها وحدها، سواء أكانت من الجمهوريات أو من الإمارات. ولما كانت هذه المدن تختلف في منشئها، فقد اختلفت أيضاً في قوانينها ومؤسساتها. فلقد أتيح لبعضها منذ مستهل عهدها، أو بعد قيامها بأمد قصير، شخص يظهر في وقت من الأوقات يشرع لها قوانينها، كما حدث بالنسبة لإسبارطة، التي سن لها ليكرجوس[4][4] شرائعها، بينما حصل البعض الآخر، عرضاً على هذه القوانين في أوقات متفاوتة، بتفاوت الظروف، وهذا ما حدث بالنسبة إلى روما مثلاً.

ولا ريب انها حكومة سعيدة تلك الحكومة الشعبية، التي تُخرج رجلاً حكيماً، يستطيع الناس الحياة بأمن ودعة في ظل القوانين التي يضعها لها والتي لا يضطرون إلى تقويمها. ولقد ظلت إسبارطة مثلاً، تحترم قوانينها اكثر من ثمانمائة عام، دون إفسادها، ودون أن تحس بإزعاج يهددها. اما المدينة التي لم يتح لها الحظ منظماً عاقلاً ينظم لها شؤونها، والتي تضطر هي بنفسها إلى القيام بهذا التنظيم، فتكون تعيسة الحظ شقية. ولعل أتعس منها حظاً تلك التي تكون بعيدة عن النظام، أشقى من هذه كلها، تلك التي أخطأت منظماتها طريق الصواب الذي يقودها إلى مصيرها الصحيح والحق. إذ يستحيل حتماً، ان تعاد مثل هذه الدول إلى الطريق الصحيح ثانية، وقد تتحول إلى مرتبة الكمال الحكومة التي تبدأ بداية طيبة وتستطيع تحسين أحوالها، على الرغم من عدم صحة نظامها، إذا أتاحت لها الفرص ذلك. ولكن يجب ان يلاحظ على أي حال، ان إدخال النظام إليها ينطوي على بعض الخطر، إذ ان قلة من الناس، هي تلك التي ترحب بالقوانين الجديدة التي تعرض النظام الجديد في الدولة. الا إذا شعر الجميع بضرورة هذه القوانين بشكل واضح. ولما كانت مثل هذه الضرورة لا تنشأ عادة الا مصحوبة بالأخطار، فان الدولة قد تتعرض إلى الخراب، قبل ان تصل القوانين الجديدة إلى مرحلة التمام. ولعل فلورنسا هي خير مثل على ما أقول، فقد أعيد تنظيمها بعدما حدث في اريزو، ولكن دستورها تعرض للدمار بعد ما حدث في براتو.

ولما كان هدفي الحديث عن منظمات مدينة روما، وعن الأحداث التي أدت إلى كمالها، فإنني أود القول بأن الذين كتبوا عن الدول، يقولون انها (أي هذه الدول) لا بد وان تكون منطوية على أحد أشكال الحكم الثلاثة، وهي الإمارة، وحكم النبلاء، وحكم الشعب، وان على من يقيمون حكومة في أية دولة معينة، ان يتبنوا أحد هذه الأشكال الثلاثة، طبقاً لما يتفق وأهدافهم.

وهناك آخرون يقولون، ويعتقد البعض ان حكمهم اكثر صواباً، ان ثمة ستة أشكال من الحكومات، ثلاثة منها سيئة للغاية، وثلاثة حسنة في طبيعتها ولكن من السهل إفسادها، ولذا فمن الواجب اعتبارها من النوع السيئ أيضاً. أما الأنواع الحسنة الثلاثة فهي التي سبق لي ذكرها قبل قليل. وتكون الأشكال السيئة الثلاثة تابعة الثلاثة السابقة، وتتشابه مع تلك التي ترتبط إليها إلى حد يجعل من السهل جداً على أية دولة التحول من شكل منها إلى آخر. فمن اليسير التحول من الإمارة إلى حكم الطغيان ومن حكومة النبلاء (الأرستقراطية) إلى حكم القلة (الأوليغاركي) ومن حكومة الشعب (الديموقراطية) إلى الفوضى. وهكذا يكون من يقوم على تشكيل حكومة ويختار لها أحد الأشكال الثلاثة الأولى، قد اختار لها في الواقع حكماً مؤقتاً، إذ ليس ثمة من سبيل للحيلولة دون تحوله إلى نقيضه، وذلك بسبب ما يقوم بين الفضيلة والرذيلة في مثل هذه الأحوال من تشابه.

وترجع هذه الاختلافات في الحكومات بين الناس إلى مجرد الحظ. فلقد كانوا يعيشون في الحياة في العالم، وعندما كان عددهم قليلاً أشتاتاً متفرقين كالحيوانات. ومع تكاثر ذريتهم، بدأ الناس يقتربون من بعضهم البعض، وحرصاً منهم على تحسين وسائل الدفاع عن أنفسهم، شرعوا يتطلعون إلى رجل منهم، يكون اكبر قوة وأكثر شجاعة من غيره فينصبونه رئيساً عليهم ويدينون له بالطاعة.

وهكذا بدأ الناس يتعلمون التمييز بين النبيل والطيب من ناحية، وبين السيئ والشرير من الناحية الأخرى، وذلك لأن مرأى من يسيء إلى صاحب الفضل عليه، يستفز لديهم الكراهية للمسيء والعطف على المساء إليه، وأخذوا يوجهون اللوم إلى ناكر الجميل، وينظرون بعين الاحترام إلى كل من يقدر المعروف لأهله، ذاكرين ان عين الإساءات قد توجه إلى كل واحد منهم. وهكذا أخذوا، رغبة منهم في منع شرور من هذا القبيل، يشرعون القوانين ويفرضون العقوبات على كل من يخالفها. وظهرت فكرة العدالة إلى حيز الوجود.

وحدث، على هذا النحو، أن الناس، عندما أخذوا يبحثون عن أمير لاختياره، شرعوا لا يختارون أشجعهم، كما كان الوضع في السابق، بل أكثرهم حكمة وعدالة.

وعندما بدأوا في قبول الأمراء بالوراثة بدلاً من انتخابهم، وذلك في المرحلة التي تلت، اخذ هؤلاء الورثاء في التدهور بالنسبة إلى أسلافهم، وشرعوا يهجرون أعمال الفضيلة، ويعتبرون ان على الأمراء ان لا يعملوا شيئاً سوى التفوق على الآخرين في الإنفاق، والإقبال على الشهوات والمباذل على اختلاف أنواعها. وهذا أدى إلى تركيز الكراهية على الأمراء، الذين يلجأون إلى الخوف متى أحسوا بكراهية الناس لهم مما يؤدي بهم إلى أعمال العنف التي تنتج حكم الطغيان، وبسرعة متناهية.

ويكون حكم الطغيان في وقت قصير مصدراً لسقوط الأمراء، إذ انه يولد المؤامرات والدسائس ضد أشخاصهم ويقوم على تنظيمها أناس ليسوا بالجبناء ولا بالضعفاء، وإنما من المعروفين بميولهم التحررية، وعظمتهم وثرائهم وكفايتهم، وذلك لأن مثل هؤلاء لا يستطيعون الرضى بالحياة التي يعيشها الأمراء. وتحمل الجماهير السلاح بتحريض من هؤلاء القادة الأقوياء ضد الأمراء، وعندما تنتهي من تصفية أمرهم، تخضع لسلطان أولئك الذين تنظر إليهم على انهم محرروها. وهكذا يقوم هؤلاء، الذين ينطبق عليهم تعبير "الرئيس الفرد"، بتأليف الحكومات، فيستهلون عهودهم نظراً لتذكرهم ما عانوه في ظل الطغيان، بالحكم طبقاً للقوانين التي يشرعونها، ويخضعون مصالحهم للخير العام ويحكمون ويحافظون على النظام في الشؤون الخاصة والعامة على حد سواء، بمنتهى الدقة والضبط.

ولكن عندما كانت إدارة الحكم تنتقل إلى أفراد ذريتهم الذين لا خبرة لهم بتقلبات الحظ، والذين لم يمروا بفترات عصيبة، ولم يكونوا يشاءون القناعة بالعدالة المدنية السائدة، فأنهم كانوا يلجأون إلى الطمع والطموح، واغتصاب الناس نساءهم، مما يحيل حكومات النبلاء إلى حكومات القلة (الأوليغاركية)، التي تُهمَل فيها الحقوق المدنية تمام الإهمال، فيقع لهم ما وقع للطاغية من قبل، لأن الجماهير تملّ حكمهم، وتضحي على استعداد لعون كل من يضع خطة لمهاجمتهم، وسرعان ما يبرز إنسان يستطيع بمساعدة الجماهير ومساندتها القضاء عليهم، وتصفية أمرهم.

ولما كانت ذكريات الأمير ما تزال مائلة في عقول هذه الجماهير، ولما كانت معايبه ومخازية، لا تزال حديثة العهد في واعياتهم، ولما كانوا قد تخلصوا من حكم القلة، فأنهم، يظهرون ميلاً واضحاً إلى عدم العودة إلى حكم الأمراء، فيتجهون إلى نظام حكم الشعب (الديموقراطي)، وينظمونه بشكل يضمن عدم تركيز السلطة لا في قلة من الرجال الأقوياء، ولا في أمير من الأمراء.

ولما كانت جميع أنواع الحكومات تحظى بالاحترام في مستهل عهدها إلى حد ما، يحافظ هذا الطراز الديموقراطي من الحكم على نفسه أمداً ما، ولكن هذا الأمد لا يطول، ولا سيما عندما يكون الجيل الذي قام على تنظيمه قد قضى نحبه ومضى. وسرعان ما تسود الفوضى، ولا يظل ثمة احترام لا للفرد ولا للموظف الرسمي، ولما كان كل إنسان يعمل ما يشاء في ظل عهد كهذا، فسرعان ما تُرتكب جميع أنواع الشرور والمخالفات، وتحل النتيجة المحتومة، فتعود الإمارة إلى الحكم، اما تلبية لنصيحة إنسان طيب عاقل، أو رغبة في الخلاص من هذه الفوضى على أي سبيل. وتعود الحلقة من جديد، مرحلة، على النحو الذي فصلت، حتى تصل إلى الفوضى ثانية.

هذه هي الحلقة التي تمر بها جميع الحكومات، سواء أكانت مستقلة تحكم نفسها بنفسها، أو تابعة لحكم أجنبي. ولكن يندر ان تعود نفس الحكومة إلى نفس الشكل من الحكم في المرة الثانية. وذلك لسبب واحد، وهو ندرة تمتع الحكومات بتلك الحيوية التي تضمن لها الصمود أمام جميع هذه التقلبات، والبقاء بعدها في حيز الوجود. وما يحدث عادة هو ان هذه الحكومات، وهي تفتقر في هذه الحالة التي يسودها الهرج والمرج، إلى المشورة الصادقة والقوة، تغدو تابعة إلى دولة مجاورة لها، أحسن منها تنظيماً. ولولا ذلك، لظلت الحكومات تسير في تلك الحلقة المفرغة من التحول إلى ابد الآبدين.

وعلى ضوء ما ذكرت، أرى ان جميع أشكال الحكم التي شرحتها سابقاً ليست من النوع المرضي أبداً، وذلك لأن عمر الحكومات الطيبة قصير، ولان حياة الحكومات السيئة مليئة بالشرور والآثام. وهذا هو السبب الذي يحمل المشرعين العاقلين الذين يعرفون معايبها على الامتناع عن تبني أي من أشكال الحكم هذه، واختيار بديل عنها، يتمثل في شكل من أشكال الحكم يشترك فيه الجميع، وذلك لأنهم يرون ان هذا الشكل اكثر قوة وثباتاً، إذ لو وجد حكم الأمراء والنبلاء في دولة واحدة، لاحتفظ كل من هذه الفئات لنفسها بحق مراقبة الآخرين.

وكان ليكرجوس أحد الذين استحقوا الثناء العاطر على إقامة حكومة من هذا الطراز. فلقد عهد الدستور الذي سنه لمدينة إسبارطة إلى كل من الملوك والنبلاء وجمهرة الشعب، بمهام خاصة بها. وهكذا ادخل شكلا من أشكال الحكم، قدر له البقاء أكثر من ثمانمائة عام، مما حقق له الثناء ولمدينته الهدوء والاستقرار.

ولم تكن هذه هي حالة صولون[5][5]، الذي وضع لأثينا شرائعها، فقد أقام فيها شكلاً ديموقراطياً من أشكال الحكم، لم يقدر له ان يعمر طويلاً، وقضي عليه ان يشهد قبل موته ولادة حكم طاغ في ظل بيزيستراتوس[6][6]. وعلى الرغم من ان المدينة قد طردت ورثة هذا الطاغية، قبل انقضاء أقل من أربعين عاماً، وعلى الرغم من عودتها إلى ظلال الحرية بعد ان تنبت من جديد شكلاً ديموقراطياً من أشكال الحكم، لشرائع صولون، الا ان هذه الحرية لم تعش طويلاً، ولم يتجاوز عمرها هذه المرة المائة عام. وعلى الرغم من الحقيقة الواقعة وهي ان عدداً من الدساتير قد سن للحد من غطرسة الطبقة العالية، وتطرف طبقة العامة، الذي لم يضع له صولون حدوداً أو قيوداً. الا ان حياة أثينا لم تكن طويلة إذا ما قيست بحياة إسبارطة، وذلك لا، نظام صولون الديموقراطي لم يمتزج بسلطان الأمراء أو النبلاء.

وننتقل الآن إلى روما، فعلى الرغم من الحقيقة الواقعة وهي ان القدر لم يشأ لها أن تحبى بشخص كليكرجوس، يمنحها منذ استهلال عهدها، دستوراً من النوع الذي يضمن لها حياة طويلة من الحرية، الا ان الاحتكاك بين مجلسي العامة والشيوخ، قد أدى إلى وقوع أمور كثيرة لعب فيها الحظ الدور الذي يقدر للشارع ان يلعبه أو يؤديه. وهكذا إذا لم تكن روما قد حصلت من الحظ على عطيّته الأولى، فإنها قد حصلت حتماً على عطيّته الثانية. وذلك لأن تنظيماتها المبكرة، على الرغم مما كان فيها من عيوب، لم تسر سيراً خاطئاً، وإنما مهدت السبيل نحو الكمال، ولان روملوس[7][7] وغيره من الملوك، استنوا عدداً من القوانين التي تتلاءم مع الحرية وتتوافق معها. ولكن لما كان هدفهم إقامة مملكة لا جمهورية، بعد ان حققت المدينة حريتها، فان هذه المملكة كانت تفتقر إلى العديد من التنظيمات اللازمة للحفاظ على الحرية، وهي تنظيمات كان من اللازم وجودها، بالنظر إلى عدم ضمان الملوك لها. وهكذا فعندما فقد ملوكها سيادتهم، لأسباب، وبطريقة سبق لي أن شرحتها في مستهل هذه المطارحة، فان أولئك الذين طرودهم من الحكم، لجأوا فوراً إلى اختيار قنصلين، يقومان بأعباء الملك، مما أدى إلى ان ما وقع عليه الطرد بالفعل، لم يتعد لقب الملك نفسه، لا السلطان الملكي. وهكذا وجد، في ظل الجمهورية الآن، وفي هذه المرحلة، القنصلان، ومجلس الشيوخ، مما عنى ان الشكل الجديد للحكم فيها قد ضم عنصرين فقط من العناصر الثلاثة التي سبق لي تعدادها، وهما الإمارة، والنبلاء. ولم يبق هناك الا العثور على مكان للعنصر الثالث وهو الديموقراطية. وقد تم هذا عندما غدا النبلاء الرومانيون من النوع الذي لا يطاق، ... مما حمل الشعب على الثورة عليهم، ومما دفعهم هم، خوفاً من إضاعة كل شيء إلى منح الشعب حصة في الحكم، مع احتفاظ مجلس الشيوخ والقنصلية، على أي حال، بالسلطة الكافية للحفاظ على مركز النبلاء في الدولة.

وهكذا بدأ الشعب يعين ممثليه (التربيون-Tribune). وأدى تعيينهم إلى إيجاد الكثير من الاستقرار في شكل الحكم في الدولة، إذا ان العناصر اللازمة الثلاثة قد تمثلت فيه. ونستنتج من هذا ان روما كانت سعيدة الطالع للغاية، لأن الانتقال من الملكية إلى حكم النبلاء، ومن الأخير إلى الديمقراطية، قد جرى في نفس المراحل، ولعين الاسباب التي حددتها في مستهل هذه الاطروحة، دون أن يؤدي انتقال السلطة للنبلاء الى إلغاء النظام الملكي ودون ان يؤدى إشراك الشعب في الحكم إلى انتزاع السلطة كلية من النبلاء، ولقد أدى امتزاج العناصر الثلاثة على النقيض من ذلك، إلى قيام دولة مثالية كاملة. ولما كان الاحتكاك بين العامة والشيوخ، هو الذي حقق هذا الكمال، فقد رأيت ان اعرض في الفصلين التاليين عرضاً وافياً الطريقة التي تحقق فيها ذلك.
هل كان في الإمكان إقامة حكم في روما يقضي على الشحناء بين الشعب والنبلاء؟

كنا نتحدث قبل قليل عن النتائج الناجمة عن أوجه الخلاف بين الشعب ومجلس الشيوخ. ولما كانت هذه الخلافات قد استمرت حتى عهد "الغراتشيين"[8][8] الذين تشبهوا بالملوك، إذ تحولت آنذاك إلى الأسباب التي أدت إلى القضاء على الحرية، فقد يتبادر إلى ذهن أي إنسان ان يتساءل، هل كان في استطاعة روما ان تحقق الأشياء المجيدة التي حققتها، لو لم توجد هذه الخلافات. وهنا يبدو لي ان من الجدير ان نبحث فيما إذا كان في الإمكان إقامة نظام للحكم في روما، من شأنه تبديد هذه الخلافات، وإزالتها لو قدر له ان يقوم. وللبحث في هذا الموضوع، أرى لزاماً علينا ان ندرس أوضاع الجمهوريات التي كانت في نجوة من العداوات والفتن، والتي تمكنت مع ذلك من التمتع بحياة طويلة من الحرية، وان تتحدى أشكال حكوماتها، لنرى هل كان في الإمكان تطبيقها في روما.

وقد سبق لي ان أشرت ان إسبارطة تقوم بين الدول القديمة نموذجاً على هذه الجمهوريات، كما تقوم البندقية بين الدول الحديثة طرازاً لها. فقد أقامت إسبارطة لها ملكاً يحكمها وإلى جانبه في الحكم مجلس صغير للشيوخ. أما البندقية فلم تميز بين مختلف الأسماء بالنسبة إلى المشتركين من أصحابها في الحكومة، بل صنفت جميع اللائقين بالمناصب الإدارية في مصنف واحد أطلقت عليه اسم النبلاء أو السادة. وكان الفضل في هذا الأسلوب للحظ وحده لا لحكمة مشرعيها، فأن الكثيرين من الناس الذين تجمعوا حول هذه الشطآن الرملية التي تقوم عليها المدينة الآن، والذين اختاروها مقراً لهم بالنسبة إلى الأسباب التي سبق لي شرحها، أخذوا يزدادون عدداً، إلى أن بلغوا حداً تطلب وضع الشرائع اللازمة لتنظيم حياتهم إذا أرادوا الاستمرار فيها، وهكذا ابتكروا شكلاً جديداً لحكومتهم. وكانوا قد ألفوا الاجتماع إلى بعضهم البعض للتحدث في شؤون مدينتهم، وهكذا قرروا عندما بدا لهم ان عدد سكان المدينة اصبح كافياً لتشكيل كيان سياسي، عدم إشراك جميع من يفد حديثاً إلى المدينة للعيش فيها، في شؤون الحكومة. وعندما وجدوا مع مضي الزمن ان هناك عدداً كبيراً من السكان في المدينة قد حيل بينهم وبين الحكم، ورغبة منهم في إضفاء صفة الاحترام على الحاكمين، أطلقوا عليهم اسم السادة النبلاء، وعلى الباقين اسم العامة.

...

[وعلى ضوء ما تقدم كله] أجد نفسي واثقا كل الثقة ان إقامة جمهورية يقصد لها البقاء طويلا، يتطلب وضعها على غرار ما كانت عليه إسبارطة والبندقية، على ان يُشرع في تقوية مركزها وجعله منيعا بحيث تصبح صعبة المراس على كل من يحلم في الاستيلاء عليها عن طريق هجوم مباغت يقوم به عليها، وعلى ان لا توسع من الناحية الأخرى، إلى الحد الذي يظهرها بمظهر من يبعث الرهبة والفزع عند جيرانه. ولا ريب انها ستتمكن بهذه الطريقة من التمتع بشكل الحكومة الذي اختارته لنفسها أمداً طويلاً. ولا تشن الحروب في العادة على الدول الا لسببين أولهما، الرغبة في إخضاعها، وثانيهما الخشية منها. وإذا ما اتبعت الاحتياطات السابقة، انعدم هذان السببان، وذلك لأن تحصين الدولة وجعلها منيعة بحيث يتعذر الاستيلاء عليها عن طريق الهجوم، يبعد فكرة المحاولة نفسها. عن كل طامع في السيطرة عليها. وإذا كانت في الوقت نفسها راضية عما تملكه، واتضح عن طريق الاختبار، ان لا مطامح لها، فلن يدور في خلد أحد شن الحرب عليها ليدرأ عن نفسه خطر هجومها عليه، وهو خطر يخشاه ويفزع منه، ولا سيما إذا نص دستورها ونصت شرائعها على تحريم التوسع. وليس لدي أدنى شك في ان الحفاظ على مثل هذا التوازن يؤدي إلى وجود حياة سياسية أصيلة، وإلى سيادة الهدوء والطمأنينة في مثل هذه المدينة.

ولما كانت جميع القضايا الإنسانية من الناحية الأخرى، في حالة مستمرة من الحركة والتمدد، ولا يمكن لها ان تقف جامدة راكدة، فان هذه القضايا تكون معرضة دائماً، اما إلى التحسن أو إلى التدهور والانهيار، وقد تدفعك الضرورة إلى القيام بأعمال كثيرة، قد لا يقف التعقل والمنطق إلى جانبها. وهكذا فإذا أقيمت إحدى الدول على أساس الحفاظ على الوضع الراهن دون أي تطلع إلى توسع أو تمدد. ثم دفعت بها الضرورة إلى التوسع فان مبادئها الأساسية تنقلب رأساً على عقب، وسرعان ما تصبح معرضة للخراب. أما إذا آثرت السماء من الناحية الأخرى، ان تكون كريمة معها وان تجنبها أخطار الحروب، فان الكسل والتراخي سرعان ما يعرضانها إما إلى التخنث، أو إلى تعدد الشيع والأحزاب، وكلا الأمرين يؤدي بصورة فردية أو مجتمعة إلى انهيارها.

ولما كان من المستحيل في رأيي، الإبقاء على التوازن قائماً بشكل رائع يضمن استمرار سير الأمور في هذا الطريق الوسط المعتدل، فأن من واجب كل من يقيم جمهورية، ان يدرس احتمال قيامها بدور أكثر كرماً وشرفاً، بان يجعل منها، في حالة اضطرارها إلى التوسع بدافع الضرورة، دولة قوية تستطيع الحفاظ على ما امتلكته. وهكذا إذا عدنا إلى النقطة الأولى التي بدأنا منها، والتي أثرناها، فأنا مقتنع بضرورة تبني الطراز الروماني للدستور، لا أي طراز آخر، وذلك لأن العثور على طريق وسط، بين النقيضين المتباعدين، أمر متعذر وغير ممكن.

أما المشاحنات بين العامة والشيوخ، فيجب النظر اليها، على انها إزعاج لا بد منه، لتحقيق العظمة التي وصلت اليها روما. وبالإضافة إلى الأسباب التي سبق لنا تعدادها، لإظهار ما لسلطة المدافعين عن الشعب (التربيون) من ضرورة لحماية الحرية. فمن السهل علينا ان نرى الفوائد التي يمكن للجمهورية ان تجنيها عندما تكون هناك سلطة، تستطيع توجيه الاتهامات في المحاكم، وهي سلطة كانت ضمن الصلاحيات التي خولها المدافعون عن الشعب ...

أهمية المقاضاة العلنية في الحفاظ على الحرية في الجمهورية

ليست هناك سلطة اكثر نفعاً، واشد ضرورة للعناية بالحريات في الدولة، من تلك التي تمنح إلى أولئك الذين يندبون للعناية بهذه الحريات والتي تخولهم مقاضاة بعض المواطنين الذين يرتكبون الجنح والجرائم المؤذية لحرية الدولة أمام جماهير الشعب، أو أمام بعض القضاة في المحاكم. ولمثل هذا التنظيم فائدتان نافعتان كل النفع في حياة الجمهوريات. اما الفائدة الأولى، فهي ان هذا التنظيم يحمل المواطنين، خوفاً من القضاء والاتهام، على تجنب القيام بأي عمل يضر بمصلحة الدولة، لأنهم ان حاولوا ذلك، تعرضوا للعقوبة، مهما كانت منازلهم، ومهما علت مراتبهم. واما الفائدة الثانية، فهي ان يؤمن المتنفس للمشاعر السيئة التي قد يحس بها الأهلون في بعض المدن تجاه مواطن معين، لسبب أو لآخر، وقد تنمو مع الزمن، وإذا تعذر وجود هذا المتنفس، تفاقمت المشاعر إلى الحد الذي يدفعها إلى القيام بأعمال غير طبيعية، وبأساليب شاذة قد تُطيح بالجمهورية كلها في مهاوي التهلكة، والكارثة. فليس ثمة من وسيلة افضل لدعم الجمهورية، وتقوية مركزها، من مثل هذه التنظيمات، التي تؤمن عن طريق القانون المتنفس الصالح للمشاعر المتقلبة التي تفسد على الجمهورية أمنها وهدوءها.

ويمكن التدليل على هذه الحقيقية بعدد من الشواهد والأمثلة، لعل في مقدمتها ما أورده تيتوس ليفي عن كوريولانوس (Coriolanus)[9][9]. ويحدثنا ليفي بأنه عندما اشتد برم النبلاء بالعامة، لاعتقادهم بتوسع سلطانهم عن طريق تعيين حماة الشعب (التربيون)، وعندما حلت بمدينة روما المجاعة من جراء ندرة المؤن فيها، مما أرغم مجلس الشيوخ على طلب القمح من صقلية، اقترح كوريولانوس، وكان خصماً للعامة، ان الوقت قد حان لإيقاع العقوبة بهم، وحرمانهم من السلطات التي حصلوا عليها على حساب النبلاء. وهكذا أشار كوريولانوس بالإبقاء على العامة جياعا، ونصح بعدم توزيع الحنطة المستوردة عليهم. وعندما وصلت نصيحته إلى أسماع الشعب، ثارت ثائرته، واشتد سخطه على الرجل، وبلغ هذا السخط حداً كاد يعرضه للقتل، عندما كان يغادر مجلس الشيوخ، لو لم يسرع حماة الشعب (التربيون) إلى الدفاع عنه. ولا ريب في ان المرء يرى في هذا الحادث، صحة ما سبق لي قوله، وهو ما في لجوء الجمهوريات إلى خلق متنفس مشروع لغضب الجماهير، من ضرورة وجدوى، ولا سيما بالنسبة إلى مواطن معين، وذلك لأن انعدام الطرق الطبيعية يدفع الجماهير إلى طرق وأساليب غير عادية، تؤدي حتماً إلى نتائج اكثر سوءاً من الطرق العادية.

والسبب في هذا، انه على الرغم من احتمال ارتكاب الخطأ عند إيقاع العقاب بمواطن بالطريقة العادية، الا ان من النادر، أو من المستحيل ان يقع أي اضطراب في الجمهورية، إذ لا يكون هناك عند تنفيذ الحكم مجال لاستئنافه إلى قوات خاصة أو أجنبية، ومثل هذه الحالات هي التي تؤدي إلى انهيار الحريات المدنية. وعلى النقيض من ذلك، فأن القوة التي تستخدم تكون صادرة عن سلطة عامة تعمل ضمن حدود معينة، ولا تحاول هذه القوة تخطي هذه الحدود للقيام بأعمال قد تؤدي إلى دمار الجمهورية.

ولا أرى بي حاجة إلى دعم هذا الرأي بإيراد أمثلة أخرى من العصور القديمة، بالإضافة إلى المثل الذي أوردته عن كوريولانوس. إذ يجب في هذا الصدد على الجميع، في أي حال من الأحوال، إمعان النظر في الويلات التي كان من المحتوم ان تتعرض لها الجمهورية الرومانية، لو تمكنت الجماهير من قتله على ذلك النحو الفوضوي، إذ ان هذا القتل سيكون عملاً من أعمال الانتقام الشخصي الذي يستثير الخوف، مما يؤدي إلى القيام بعمل دفاعي لدرء الخطر، وهذا يقود بدوره إلى حشد الأنصار، الذي يعني في حد ذاته تأليف الأحزاب في المدينة. وهو ما كان يقضي، حتما، بسقوطها أو انهيارها. أما وقد سويت القضية على أي حال، على أيدي أشخاص مزودين بالسلطة اللازمة، فلم يعد ثمة منفذ لوقوع الشرور التي كانت ستنجم حتماً، لو سويت القضية عن طريق السلطة الفردية.

ولقد رأينا في عصرنا الحاضر ابتكارات أدخلت في جمهورية فلورنسا بسبب عجز الجماهير عن إيجاد المنفذ الطبيعي للأهواء التي استثارها أحد المواطنين من أبنائها في نفوسهم. وقد وقع هذا في الوقت الذي غدا فيه مركز فرانسيسكو فالوري في المدينة مشابهاً لمركز أي أمير في مدينة أخرى. وقد اعتبره الكثيرون رجلاً طموحاً ينتظر منه ان يلجأ بسبب جرأته، وشدة نشاطه إلى أساليب غير دستورية. ولما لم يكن هناك سبيل آخر لمقاومته الا عن طريق تشكيل حزب منافس، فقد نتج عن ذلك،انه شرع في جمع الأعوان لحماية نفسه، وذلك لأنه لم يكن يخشى شيئاً الا إذا اتخذت خطوات غير استثنائية. ولما لم تكن هناك من الناحية الأخرى لدى خصومه وسائل عادية متوافرة للقضاء عليه، فقد حزموا أمرهم على استخدام وسائل أخرى، وهكذا قرروا حمل السلاح ضده. ولو تمكنوا في مثل هذه الحالة من معارضة فالوري بالوسائل الدستورية، لتحقق وضع حد لسلطته دون الإضرار بأي شخص آخر عداه، أما وقد دعت الحاجة إلى إتباع الأساليب غير الدستورية، فان الضرر لم يلحق به وحده، بل لحق بالكثيرين من المواطنين النبلاء أيضاً.

وفي وسع الإنسان ان يقدم تأييداً للنتيجة التي توصلنا إليها قبل قليل، حادثة أخرى وقعت فعلاً في فلورنسا بعد هذه الحادثة بقليل. وهي تتعلق ببيرو سوديريني[10][10]، وهي عائدة إلى افتقار هذه الجمهورية إلى أية وسيلة تستطيع بواسطتها اتخاذ إجراء قانوني ضد الطموح الذي قد يبديه بعض المواطنين الأقوياء. فالحكم على مواطن قوي يستلزم ان يصدر عن اكثر من ثمانية قضاة. ومن الواجب ان يكون عدد القضاة كبيراً، لأن قلة عددهم تجعلهم يعملون طبقاً لما ينتظر من القلة ان تعمله. ولو كانت هذه هي الحالة لتمكن المواطنون اما من اتهامه إذا أساء السلوك، وفي مثل هذه الطريقة يجدون متنفساً لما يشعرون به من غيظ وعداء، دون ان يضطروا إلى طلب تدخل الجيش الأسباني، أو لما جرؤوا إذا لم يكن سلوكه سيئاً، على القيام بأي إجراء ضده، خشية ان يعرضوا أنفسهم لخطر الاتهام. وهكذا كان من المحتم ان تتوقف الشهوة التي ولدت الفضيحة عن العمل في كلتا الحالتين.

وهكذا نصل إلى الاستنتاج القائل بإنه عندما تستدعي فئة من الناس تقيم في مدينة من المدن القوى الأجنبية لمساندتها، فان من المسلم به ان هذا الاستدعاء ناجم عن النقص الموجود في دستور تلك المدينة، من حيث عدم توفيره المنظمة التي تؤمن المتنفس لأحاسيس الشر التي يتعرض لها جميع الناس، والذي يغنيهم عن اللجوء إلى الأعمال غير الدستورية. وتقوم الطريقة المثلى لسد هذا العجز في توفير العدد الكافي من القضاة الذين يمكن توجيه الاتهامات أمامهم، وفي النظر إلى القضاء على انه مهمة نبيلة وشريفة.

وقد وفرت روما جميع هذه الأمور بشكل ضمن في جميع المنازعات الكبرى، التي نشبت بين مجلس الشيوخ والعامة، عدم تفكير أي من الفريقين، أو أي مواطن فرد، باستدعاء القوى الأجنبية إلى المدينة، إذ ان توافر العلاج في الداخل قد أبعد الحاجة إلى البحث عنه في الخارج. وعلى الرغم من ان الأدلة التي أوردتها حتى الآن كافية لدعم نظريتي، وما أراه، فإنني عازم على الإتيان بدليل جديد آخر، استقيته من تاريخ تيتوس ليفي. فهو يروي انه حدث في مدينة كلوسيوم، التي كانت تعتبر اعظم مدن توسكانيا في ذلك الحين، إن اعتدى شخص يدعى كولومون على عفاف شقيقة شخص آخر يدعى آردنز، ولما وجد هذا نفسه عاجزاً عن الوصول إلى العدالة، بسبب ما يتمتع به خصمه من قوة ونفوذ، مضى إلى الغاليين الذين كانوا يسيطرون آنذاك على المقاطعة التي نطلق عليها الآن اسم "لومبارديا"، وناشدهم المجيء بقواتهم المسلحة إلى كلوسيوم، مشيراً إليهم ان من مصلحتهم الثأر له من الحيف الذي لحق به. ولو تمكن آردنز من إحقاق حقه، عن طريق قوانين المدينة، لما استثار قوات البرابرة على مدينته...

***
عن نوع الشعوب التي تحتم على الرومان قتالها ومدى الإصرار الذي أظهرته هذه الشعوب في الدفاع عن حريتها

... وذا كان هناك من يسأل نفسه، كيف يحدث مثلاً ان تكون الشعوب القديمة اكثر تعشقاً للحرية من شعوب اليوم، فإنني اعتقد بأن الرد على هذا السؤال يقوم في ان هذا الوضع ناجم عن نفس السبب الذي يجعل الناس اليوم أقل جرأة مما كانوا عليه في الماضي، وهو سبب يقوم كما أظن في الخلاف الموجود بين تعليمنا وبين التعليم في الأيام الغابرة وذلك نتيجة للبون الموجود بين ديانتنا اليوم وديانة تلك الأيام. فديانتنا التي علمتنا الحقيقة والطريقة الصحيحة في الحياة، تقودنا إلى التقليل مما نوليه من تقدير للتكريم الدنيوي. وهذا هو السبب الذي يدعو "السادة" الذين كانوا يجلون هذا التكريم الدنيوي اكثر من إجلالنا له، والذين كانوا ينظرون إليه كخير ما يأتيهم من خير، وهي نظرة تتمثل في أعمالهم التي انطبعت بطابع التفوق في العنف على ما يطبع أعمالنا منه. ويتضح هذا في الكثير من أنظمتهم. ولنبدأ أولاً بالمقارنة بين عظمة قرابينهم والتواضع الذي يميز قرابيننا. فطقوس تقديمنا للقرابين رقيقة وناعمة، بدل ان تكون آمرة وقوية، وليس فيها من عرض للشجاعة أو للشراسة. أما طقوسهم، فلم تكن تفتقر إلى الفخفخة ولا إلى الروعة، وكانت هناك بالإضافة إليها مراسيم قربانية يكثر فيها سفك الدماء، وتتميز بالقوة والشراسة، إذ تذبح فيها أعداد كبيرة من الحيوانات. وكانت هذه المناظر بالنسبة، إلى فظاعتها، تحمل الناس على اكتساب صفة الفظاعة أيضاً. يضاف إلى هذا ان الديانة القديمة لم تكن تضفي الأمجاد السماوية على الرجال الا إذا كانوا مفعمين بالأمجاد الأرضية، كقادة الجيوش مثلاً، وحكام الجمهوريات. وقد مجدت ديانتنا المتواضعين من الرجال والميالين إلى التأمل بدلاً من تمجيد رجال العمل، وقد وضعت للرجل مثله العليا في الخير والتواضع وإنكار الذات واحتقار الأشياء الدنيوية، بينما وضعت الديانة الأخرى للرجل مثله العليا في العظمة والقوة البدنية، وكل ما يدعو إلى بعث الجرأة في قلوب الناس. وإذا كانت ديانتنا تطلب من الرجل ان يكون قوياً، فأن القوة التي تطلبها فيه هي ما يمكنه على احتمال الآلام لا على القيام بالأمور التي تتطلب الجرأة.

ويبدو ان هذه الصورة من صور الحياة قد أدت إلى إضعاف العالم، وإلى تقديمه فريسة سائغة للشريرين الغلاظ القلوب، الذين يقومون على إدارته بنجاح وأمان، طالما انهم يعرفون ان عامة الرجال الذين اتخذوا من الفردوس غاية لهم، يدرسون الطريقة المثلى للاحتمال، لا الطريقة المثلى للثأر لما أصابهم من أضرار. ولكن على الرغم مما يبدو على العالم من ضعف وتخنث وعلى الرغم مما يبدو على السماء من عجز، فأن هذا الوضع ناجم ولا ريب عن إحجام أولئك الذين فسروا ديننا في حدود "دعه يعمل" لا في حدود الشجاعة وتعابيرها. إذ لو فكر هؤلاء بأن الدين يسمح لنا بأن نمجد وطننا وان ندافع عنه، لرأوا انه يريد منا أيضاً ان نحبه ونجله، وان ندرب أنفسنا على النحو الذي يمكننا من الدفاع عنه.

ولا ريب في ان هذا الشكل من أشكال التربية، وهذه التفاسير السيئة والخطيرة، هي التي تدعو إلى الحقيقة الماثلة، وهي اننا نرى في العالم عددا أقل من الجمهوريات مما كان عليه في الأيام السالفة، واننا لا نجد تبعاً لذلك لدى الشعوب نَفسَ تعشّق الحرية الذي كان قائماً لديها في الماضي.

...

على أي حال، ومهما كان الوضع، واجه الرومان في جميع أنحاء العالم، مهما كانت صغيرة، التحاماً يضم عدداً من الجمهوريات الحسنة التسلح، والعنيدة عناداً متطرفاً في الدفاع عن حريتها، مما يظهر انه لو لم تكن فضيلة الرومان [شجاعتهم]، من طراز نادر ورفيع للغاية لما تمكنوا أبداً من التغلب عليها. وأني لأكتفي بسرد مثال واحد، يقيم الدليل على صحة ما أقول، وهو مثال السمنيين. فمن الأمور البارزة كما يعترف ليفي، ان يكونوا على هذا النحو من القوة وان تكون أسلحتهم على هذه الدرجة من المضاء، بحيث استطاعوا ان يصمدوا أمام الرومان حتى أيام بابيريوس كيرسور، القنصل، وابن بابيربوس الأول، أي ان يصمدوا أمامهم مدة ست وأربعين سنة على الرغم من الهزائم المفجعة التي منوا بها، وعلى الرغم مما لحق بمدنهم من خراب، وبسكان بلادهم من تقتيل وذبح، وهي مذابح بلغت من ضخامتها إلى الحد الذي غدت فيه هذه البلاد التي كانت مأهولة في الماضي بعدد كبير من المدن والسكان، خالية مهجورة، بعد ان كانت ذات يوم حسنة النظام قوية، وكان في مكنتها ان لا تقهر لو لم تواجه فضيلة كفضيلة الرومان.

ترجمة: خيري حمّاد

[1][1] جيرولامو سافونارولا (1452-1498): مصلح إيطالي وواعظ، اتهم بالهرطقة وحرمه البابا. أصبح حاكما في فلورنسا، ثم أودع السجن وشنق وأُحرق. يعتبر من أوائل دعاة الإصلاح الديني.

[2][2] بورجيا (Borgia): أمير ورجل دين إيطالي، من ابرز شخصيات عصر النهضة الإيطالية دخل سلك الكهنوت رغم كرهه للحياة الكنسية. عُرف بالمغامرة والذكاء الخارق، وبأنه الجندي الأقوى والدبلوماسي الماهر، إلى جانب استخفافه بالقيم الخلقية وكثرة رذائله مما دفع بمكيافيلي ان يتخذه نموذجا لكتابه "الأمير".

[3][3] تيتوس ليفي (أو ليفيوس) (Titus Levy) (59 ق.م.-17م.): مؤرخ روماني مشهور. عُرف بميوله الجمهورية أثناء الحرب الأهلية.

[4][4] ليكرجوس (Lukourgos): من مشرعي إسبارطة الأسطوريين، وقد وضع نظم الدولة بعد قيامه بعدة رحلات للاستطلاع.

[5][5] صولون (Solon): مشرع أثينا العظيم، انتخب في عام 594 ق.م. قاضيا لقضاة أثينا لوضع حد للخلافات بين أحزابها الثلاثة وهي النبلاء والتجار والفقراء، فوضع شرائعه التي تضمنت التنظيم الدستوري والقضائي والسياسي والاقتصادي وقد افلح في وضع عدد من الإصلاحات السياسية والاقتصادية في المدينة.

[6][6] بيزيستراتوس (Pisistratus): سياسي أثيني بارز (612-527 ق.م.). حكم أثينا حكما طغيانيا ثلاث مرات. كان صديقا لصولون.

[7][7] روملوس (Rumulus): مؤسس روما الأسطوري وأول ملوكها (753-715 ق.م.)، غذته ذئبة بحليبها وهو طفل مع أخيه التوأم واحتضنه أحد الرعاة، ونشأ بطلا. استعان بصعاليك القوم في القبض على زمام الأمور.

[8][8] الغراتشيين (Grachi): اسم يطلق على أخوين أولهما تايبيريوس سمبرونيوس غراشيوس (167-133 ق.م.)، والثاني غايوس سمبرونيوس (158-121 ق.م.). وقد أصبح الأول حاميا للشعب عام 133، ووضع قانون الإصلاح الزراعي، بينما غدا الثاني حاميا عام 124 ق.م.، وقد لعبا دورا في إضعاف مجلس الشيوخ.

[9][9] غايوس كوريولانوس هو بطل أسطورة رومانية قديمة, فقد نفاه العامة من روما في عام 491 ق. م. وفر إلى بلاد الفولسكي، حيث عينه ملكها قائدا لجيشه. وسرعان ما زحف على روما، ولم يثنه عن عزمه على احتلالها إلا مجيء أمه وزوجته وأطفاله. وتقول الأسطورة ان أهل الفولسكي قتلوه عند عودته دون احتلال روما. وقد جعل شيكسبير من أسطورته موضوعا لإحدى مسرحياته.

[10][10] الشخص الذي تولى رئاسة الحكم الجمهوري في فلورنسا بعد طرد آل مديتشي، ولكنه أُخرج منها عام 1512 وكان مكيافيلي من رجاله ووزرائه.


المصدر