السبت، 7 مارس 2009

الإبداع والديمقراطية

الإبداع والديمقراطية في المجتمع العربي
عقيل يوسف عيدان

(1)

ينقلنا الحديث على الإبداع والديمقراطية إلى العالم الداخلي أفراداً وجماعات. فهناك إهمال شبه كامل لهذا العالم في الكتابات النظرية العربية حول قضايا المجتمع السياسية والاقتصادية والثقافية وغيرها، وهو إهمال مخلّ، ذلك ان الفرد أخيراً هو الذي يعيش هذه القضايا، ولا يعيشها، كما هو مفترض، برأسه وحده، بل يعيشها أيضاً بعواطفه ومشاعره، بآلامه وأفراحه، لا يعيشها بوصفه كائناً يفكّر وحسب، فكما لا شعر دون شعراء، كذلك يمكن القول لا ديمقراطية دون ديمقراطيين. ربما، لهذا، يتيح لنا الحديث على الإبداع رؤية أكثر شمولاً، لمسألة الديمقراطية نظراً وممارسة. ويبدو لي أن أعمق ما تقوم عليه الديمقراطية من منظور الإبداع هو ما أوجزه في النقاط الآتية:

أولاً، لا حقيقة مسبقة/جاهزة. فالحقيقة اكتشاف دائم، كأنها تجئ من أمامنا دائماً، عبر العلاقة الدائمة بين الفكر والواقع. وهذا الاكتشاف يشارك فيه الجميع، وليس حقاً محصوراً ببعض دون آخر.

ثانياً، الآخر هو الوجه الثاني للذات. فالاعتراف بالآخر بوصفه مختلفاً حدّ التناقض أحياناً، ضرورة لكي تكون الذات نفسها موجودة. ودون هذا الاعتراف لا تكون الذات إلاّ توهماً أو انتفاخاً مرضياً.

ثالثاً، السلطة مهمة أو وظيفة وليست حقاً.

في ضوء هذه النقاط يمكن القول إن لا الديمقراطية في المجتمع العربي، فالحقيقة فيه، أو ما يسمى كذلك، مسبقة، جاهزة، دينية أو شبه دينية. والعلاقة بين الذات والآخر هي علاقة تنابذ وتنافٍ، لا علاقة تكامل.

والسلطة في المجتمع العربي حق لا وظيفة. وكل شيء لخدمة السلطة، بدل أن تكون السلطة في خدمة كل شيء، بدءاً من ذلك تشوِّه السلطة كل شيء، وهي تمارس هذا التشويه باسم أكثرية أو باسم شرعية مزعومة، أكثرية أو ثورية.

والأكثرية في الديمقراطية لا تمثّل امتيازاً معرفياً، أو مشروعية في امتلاك الحقيقة، وإنما الأكثرية وضعٌ شرعيٌ يتيح لأصحابها القيام بوظيفة السلطة لتسيير شؤون المجتمع في ظل رقابة كاملة مما يقابلها، الأقلية، أو منها هي نفسها.

(2)

إن المجتمع العربي لم يعرف الديمقراطية ولا أي شكل منها في تاريخه كله، وإنما عرف ما يمكن أن نسميه بالتسامح/العفو. إلاّ أن التسامح شيء، والديمقراطية شيء آخر. فالتسامح اعتراف بأن الآخر ضعيف لدى الأكثرية، وانه في حمايتها وليس اعترافاً بأنه جزء عضوي من بنية المجتمع. لكن، هذا لا يعني أن المجتمع العربي لا يمكن أن يصبح ديموقراطياً، أو أن تخلّفه – كما يقال – يحُول دون ذلك.

يمكن أن تكون الديمقراطية في المجتمعات كلها بصرف النظر عن معايير التقدم والتخلّف. وهي على كل حال معايير تجب إعادة النظر فيها. لكن مستوى ممارستها، مستوى ممارسة الديموقراطية، هو الذي يختلف من مجتمع إلى آخر.

إنما غياب الديمقراطية عن المجتمع العربي يعني أنه لم يتغلب بعد، بوصفه مجتمعاً، على ما يحول دون قيامها، كما فعلت المجتمعات التي يمكن تسميتها ديمقراطية. وهذا الذي يحول، لا نستطيع أن نتعرف عليه إلاّ في ضوء نضال تلك المجتمعات من أجل الديمقراطية، لأنها نتاج تاريخي لهذا النضال. وكانت قاعدة هذا النضال، تأسيس المجتمع المدني، أي أساساً للقول إن الإنسان هو وحده مصدر المعرفة والحقيقة، وهو سيد مصيره، ولا مرجعية لهذا كله خارج عمل الإنسان وحياته وخبرته. وهذا الذي كان يحول، هو، الدين ونظامه الفكري – المعرفي.

هكذا لم يعد الدين في هذه المجتمعات الديمقراطية نظاماً أو مؤسسة ملزمة على الصعيد المدني، صعيد العلاقات والقيم، وإنما أصبح مجرد إيمان شخصي.

إن الديمقراطية في المجتمع العربي مرهونة بقصْر الدين على أن يكون فردياً، بل إن هذا وحده لا يكفي. فالديمقراطية أفق وصيرورة، ونظام يتكامل باستمرار وليس وصفة جاهزة.

الديمقراطية حركة نضال متواصل، لأنها مقترنة بقدرات الإنسان على التفتّح الكامل داخلياً، وعلى تأسيس الخارج وتنظيمه بحيث يصبح طيِّعاً، مفتوحاً أمام الإنسان، دون أي عائق. ولهذا لا نرى ديمقراطية كاملة في أي نظام يسمي نفسه ديمقراطياً اليوم.

(3)

يتميز "الإبداع" بما هو إنتاج أفكار جديدة خارجة عن المألوف، بإمكانية الوجود/الحضور/الظهور في مختلف أنواع الأنظمة، وفي هذا بعض أسراره الكبرى. وهو يمكن أن يكون في مجتمع متخلّف أكثر عمقاً وغنىً وإنسانية منه في مجتمع متقدّم. وفي هذا بعض أسراره أيضاً.

غير أن الإبداع يكون أكثر اتساعاً/عمقاً، عندما لا تواجه معوقات في العالم الخارجي. ومعوقات الإبداع في المجتمع العربي كثيرة، تجئ بشكل خاص من الدين ونظامه الفكري، أي من سلطة "النص" الذي ينقلب إلى نصٍ للسلطة.

هذه المعوقات تحدّ من فسحة الإبداع في المجتمع العربي، بحيث أنها تشكل نسبة ضئيلة من الفسحة الإبداعية التي يتيحها بعض المجتمعات الديمقراطية في أوروبا والغرب عموماً.

وعلى هذا، فإن الإبداع في المجتمع العربي، في مختلف تجلياته، الفنية والفكرية، لا يزال مقصراً؛ مقصراً مثلا في الدخول إلى عالم المكبوت أو المقموع أو اللامألوف أو المسكوت عنه، والكشف عن هذا العالم، وبخاصة ما اتصل من هذا كله في الجسد وفي علاقة الإنسان بما وراء الطبيعة. كما أنه لا يزال مقصراً في إرساء البُعد النقدي الذي يتيح إعادات النظر الدائمة والتجاوز الدائم.

ولا يزال مقصراً أيضاً في إرساء الحركية داخل مسار الإبداع، بحيث يظل المبدع يشعر أن المهمة بالنسبة إليه وإلى الإبداع لا تكمن فيما أنجزه بقدر ما تكمن فيما يطمح انجازه. ولا يزال مقصراً في التأسيس لعالم فني يزول فيه المسبق، وغيره، بحيث يكون الإبداع نفسه قانون نفسه.

(4)

إن طرح قضية الإبداع والديمقراطية في المجتمع العربي، لابد أن يكون طرحاً خاصاً/مختلفاً، باعتباره يلمس واقعه وآفاقه كمجتمع، فالحديث عن الإبداع والديمقراطية يتعدى بُعديه الصريحين، ليطرح القضية في كل الأبعاد الأخرى المتصلة بها.

ولا شك أنها ستكون قضية قلقة ومقلقة لثقافتنا العربية، لأنها قضية قابلة للتصريف في واجهات عدة، وقابلة للتلوين، ومتداخلة الوجود والجوانب، والتعمّق فيها يقود إلى طرح بنية العقل والمجتمع العربي برمته للسؤال.

وتتضمن أهمية هذا السؤال تعدداً في المداخل والصياغات، وهو شيء ينعكس سلباً على كل محاولة تروم الاقتراب منه، حيث يشعر الباحث ببعض الارتباك والإحجام الناجمين عن الإحساس بجدة السؤال، بل وابتعاده عن دائرة الانشغالات الفكرية المألوفة.

ولكن السؤال الملح في هذا المجال؛ متى يزدهر الإبداع في مجتمعاتنا العربية، ومتى تصبح ثقافتنا الراهنة ثقافة ديمقراطية؟

إن قضية الإبداع والديمقراطية تنطوي على تساؤلات عدة لها صلة بالحق في الاختلاف، وبالتعدد والتسامح – كمفهوم فلسفي- وله كذلك صلة بحرية الرأي والتعبير، ومفهوم المواطنية والمجتمع المدني، وتقبل الآخر المختلف.

ويعنى هذا أن للتساؤلات الآنفة بُعدين، بُعد فلسفي- ثقافي، وآخر سياسي- مؤسسي، وهما بُعدان مقترنان ومتداخلان، فقد دلَّت التجربة التاريخية على أن الإبداع، بكل أنواعه/أجناسه/أشكاله، لا يزدهر قط في المجتمعات التسلطية/القهرية، فالإبداع لا يعيش إلاّ في مناخ ديمقراطي، مثلما لا تحيا الديمقراطية إلاّ في مناخ يسمح بالإبداع المختلف/اللامألوف.

إذن، ليس من الغريب وجود الصلة الوثيقة بين الإبداع والديمقراطية. فهما يعارضان الاستبداد، بحيث يعارض الإبداع سيادة الرأي/النموذج/الفكرة/الشكل الواحد، وتعارض الديمقراطية سيادة الإرادة/الرأي/الموقف/التوجه الواحد، ويتمسك الإبداع بضرورة مراعاة التعدّد على المستويات كافة للاستفادة من مختلف التجارب، والانفتاح على كل الآفاق، وتؤمن الديمقراطية بأن مكامن القوة في المجتمع متعددة ومختلفة، وأن كل تمركز للسلطة يكون على حساب إقصاء/قتل ذلك التعدد والاختلاف، وليست المسألة بطبيعة الحال مسألة أخلاقية فحسب، بل هي مسألة سياسية أيضاً، فحرمان مكونات المجتمع من طاقاتها المبدعة، معناه حرمانه من مقوماته الخلاّقة.

(5)

يمكن القول إن الإبداع والديمقراطية يتقاطعان في نقاط عدة؛ أولاً، يلتقى الإبداع والديمقراطية عند نقطة الإيمان بالتغير والتطور والتقدم. فبقبولهما لإمكانية أن يتجدد "السؤال" من ناحية، و"الجواب" من ناحية أخرى أو معاً، بحيث يتقبل كل من الإبداع والديمقراطية كل جديد إن لم نقل أنهما يخلقانه.

ثانياً، يلتحم الإبداع والديمقراطية في تقديرهما الكبير للحياة عموماً، وللإنسان على وجه الخصوص، وقد ارتبط الإبداع منذ نشأته بالاهتمام في الحياة وتقديرها، كما ركّز على المقومات التي يملكها الفكر الإنساني، وعلى ضرورة توظيفها من أجل تقدير الحياة، وعليه لا يستطيع المبدع – في مجالات الإبداع كافة – في نهاية المطاف من عدم اقتراح الديمقراطية على مستوى الفعل السياسي/الثقافي/الاجتماعي؛ لأنها هي وحدها التي ستسمح بخلق محيط مناسب لتقدير الإنسان والحياة.

ثالثاً، يمثل الإبداع ديمقراطية في حد ذاته، من حيث كونه ينبذ/يرفض مفهوم "الحقيقة" المطلقة، أي الحقيقة الواحدة، مضفياً على كل حقيقة طابع النسبية والتعدد، بالكيفية نفسها التي ترفض بها الديمقراطية هيمنة الرأي/التيار/التوجه/الحزب الواحد، مكرّسة فكر التعدد والاختلاف، ففي أصلهما معاً – أي الإبداع والديمقراطية – ثمة تضافر من أجل بناء الحقيقة، التي تظل وقتية وعابرة.

من أقوال ابراهام لينكولن


أبراهام لينكون (1809 - 1865) هو الرئيس السادس عشر للولايات المتحدة الأمريكية، حيث تولى الرئاسة من عام 1861 إلى عام 1865، و يعدّ من أهمّ رؤسائها على الإطلاق.

* علمني أبي أن أعمل ولكنه لم يعلمني أن أحب العمل.
* لا يضيع شئ ذو قيمة إذا صرفنا الوقت الكافي في اتقانه.
* اذا استطعت أن تكسب رجلا الى قضيتك، أقنعه بداية بأنك صديقه المخلص.
* المرأة هي الشيء الوحيد الذي أخاف منه وأنا أعرف أنه لن يؤذيني.
* خير لك أن تظل صامتاً ويظن الآخرون أنك أبله، من أن تتكلم فتؤكد تلك الظنون.
* أن يكون البعض أغنياء يثبت أن الآخرون يمكنهم أن يكونوا أغنياء أيضاً، وهذا يشجع العمل والصناعة.
* أنا أمشي ببطء ، ولكن لم يحدث أبدا أنني مشيت خطوة واحدة للوراء.
* إني مدين بكل ما وصلت إليه وما أرجو أن أصل إليه من الرفعة إلى أمي الملاك.
* أنا لا أقرأ رسائل الشتم التي توجه الي، و لا أفتح مظروفها فضلاً عن الرد عليها، لأنني لو اشتغلت بها لما قدمت شيئاً لشعبي.

من أقوال هيلين كيلر

هيلين كيلر (1880 - 1968) أديبة ومحاضرة وناشطة مريكية وهي إحدى رموز الإرادة الإنسانية، حيث إنها كانت فاقدة السمع والبصر، واستطاعت أن تتغلب على إعاقتها وتم تلقيب هيلين كيلر بمعجزة الإنسانية لما قاومته من إعاقتها حيث أن مقاومة تلك الظروف كانت بمثابة معجزة.

* الحياة اما أن تكون مغامرة جرئيه، أو لا شيء.
* أبقي وجهك في اتجاه الشمس ولن ترى الظلال.
* نستطيع أن نفعل أي شئ لو التصقنا به لوقت كافي.
* أفضل طريق للخروج من شئ يكون من خلال الشيء.
* لا يجب أن نزحف عندما نشعر بشيء يدفعنا للطيران.
* ما يكون بدعة في عصر ما يصبح مألوفاً في العصر الذي يليه.
* لا يوجد ملك لم يكن من أجداده عبد، ولا يوجد عبد ليس بين أجداده ملك.
* من يشعر برغبة لا تقاوم فى الانطلاق، لا يستطيع أبداً أن يرضى بالزحف .
* كما أن الأنانية وحب الذات تشوش على العقل، فان الحب و متعته يجعل الخيال حاداً.
* العلم توصل لعلاج معظم الشرور، ولكنه فشل في علاج أسوأ هذه الشرور ألا وهو اللامبالاة تجاه النفس البشرية.

افلاطون

أفلاطون(باليونانية: ?????? Pl?t?n) (عاش بين 427 ق.م - 347 ق.م) فيلسوف يوناني قديم, وأحد أعظم الفلاسفة الغربيين، حتى ان الفلسفة الغربية اعتبرت انها ماهي الا حواشي لأفلاطون. عرف من خلال مخطوطاته التي جمعت بين الفلسفة والشعر والفن. كانت كتاباته على شكل حوارات ورسائل وإبيغرامات(ابيغرام:قصيدة قصيرة محكمة منتهيه بحكمه وسخريه يعرف أرسطو الفلسفة بمصطلحات الجواهر ، فيعرفها قائلا أنها علم الجوهر الكلي لكل ما هو واقعي . في حين يحدد أفلاطون الفلسفة بأنها عالم الأفكار قاصدا بالفكرة الأساس اللاشرطي للظاهرة . بالرغم من هذا الإختلاف فإن كلا من المعلم و التلميذ يدرسان مواضيع الفلسفة من حيث علاقتها بالكلي ، فأرسطو يجد الكلي في الأشياء الواقعية الموجودة في حين يجد أفلاطون الكلي مستقلا بعيدا عن الأشياء المادية ، و علاقة الكلي بالظواهر و الأشياء المادية هي علاقة المثال ( المثل ) و التطبيق . الطريقة الفلسفية عند أرسطو كانت تعني الصعود من دراسة الظواهر الطبيعية وصولا إلى تحديد الكلي و تعريفه ، أما عند أفلاطون فكانت تبدأ من الأفكار و المثل لتنزل بعد ذلك إلى تمثلات الأفكار و تطبيقاتها على أرض الواقع.

أفلاطون هو أرسطوقليس، الملقَّب بأفلاطون بسبب ضخامة جسمه، وأشهر فلاسفة اليونان على الإطلاق. ولد في أثينا في عائلة أرسطوقراطية. أطلق عليه بعض شارحيه لقب "أفلاطون الإلهي". يقال إنه في بداياته تتلمذ على السفسطائيين وعلى كراتيلِس ، تلميذ هراقليطس ، قبل أن يرتبط بمعلِّمه سقراط في العشرين من عمره. وقد تأثر أفلاطون كثيرًا فيما بعد بالحُكم الجائر الذي صدر بحقِّ سقراط وأدى إلى موته؛ الأمر الذي جعله يعي أن الدول محكومة بشكل سيئ، وأنه من أجل استتباب النظام والعدالة ينبغي أن تصبح الفلسفة أساسًا للسياسة. وهذا ما دفع فيلسوفنا للسفر إلى مصر ، ثم إلى جنوب إيطاليا ، التي كانت تُعتبَر آنذاك جزءًا من بلاد اليونان القديمة. وهناك التقى بـالفيثاغوريين. ثم انتقل من هناك إلى صقلية حيث قابل ديونيسوس ، ملك سيراكوسا المستبد، على أمل أن يجعل من هذه المدينة دولة تحكمها الفلسفة. لكنها كانت تجربة فاشلة، سرعان ما دفعته إلى العودة إلى أثينا ، حيث أسَّس، في حدائق أكاديموس ، مدرسته التي باتت تُعرَف بـأكاديمية أفلاطون. لكن هذا لم يمنعه من معاودة الكرة مرات أخرى لتأسيس مدينته الفاضلة في سيراكوسا في ظلِّ حكم مليكها الجديد ديونيسوس الشاب، ففشل أيضًا في محاولاته؛ الأمر الذي أقنعه بالاستقرار نهائيًّا في أثينا حيث أنهى حياته محاطًا بتلاميذه. فلسفته:

أوجد أفلاطون ما عُرِفَ من بعدُ بطريقة الحوار، التي كانت عبارة عن دراما فلسفية حقيقية، عبَّر من خلالها عن أفكاره عن طريق شخصية سقراط ، الذي تمثَّله إلى حدِّ بات من الصعب جدًّا، من بعدُ، التمييز بين عقيدة التلميذ وعقيدة أستاذه الذي لم يخلِّف لنا أيَّ شيء مكتوب. هذا وقد ترك أفلاطون كتابةً ثمانية وعشرين حوارًا، تتألق فيها، بدءًا من الحوارات الأولى، أو "السقراطية"، وصولاً إلى الأخيرة، حيث شاخ ونضج، صورة سقراط التي تتخذ طابعًا مثاليًّا؛ كما تتضح من خلالها نظريته في المُثُل، ويتم فيها التطرق لمسائل عيانية هامة.

تميِّز الميتافيزياء الأفلاطونية بين عالمين: العالم الأول، أو العالم المحسوس، هو عالم التعددية، عالم الصيرورة والفساد. ويقع هذا العالم بين الوجود واللاوجود، ويُعتبَر منبعًا للأوهام (معنى استعارة الكهف) لأن حقيقته مستفادة من غيره، من حيث كونه لا يجد مبدأ وجوده إلا في العالم الحقيقي للـمُثُل المعقولة، التي هي نماذج مثالية تتمثل فيها الأشياء المحسوسة بصورة مشوَّهة. ذلك لأن الأشياء لا توجد إلاَّ عبر المحاكاة والمشاركة، ولأن كينونتها هي نتيجة ومحصلِّة لعملية يؤديها الفيض ، كـصانع إلهي، أعطى شكلاً للمادة التي هي، في حدِّ ذاتها، أزلية وغير مخلوقة (تيميوس).

هذا ويتألف عالم المحسوسات من أفكار ميتافيزيائية (كالدائرة، والمثلث) ومن أفكار "غير افتراضية" (كالحذر، والعدالة، والجمال، إلخ)، تلك التي تشكِّل فيما بينها نظامًا متناغمًا، لأنه معماري البنيان ومتسلسل بسبب وعن طريق مبدأ المثال السامي الموحَّد الذي هو "منبع الكائن وجوهر المُثُل الأخرى"، أي مثال الخير.

لكن كيف يمكننا الاستغراق في عالم المُثُل والتوصل إلى المعرفة؟ في كتابه فيدروس، يشرح أفلاطون عملية سقوط النفس البشرية التي هَوَتْ إلى عالم المحسوسات – بعد أن عاشت في العالم العلوي - من خلال اتحادها مع الجسم. لكن هذه النفس، وعن طريق تلمُّسها لذلك المحسوس، تصبح قادرة على دخول أعماق ذاتها لتكتشف، كالذاكرة المنسية، الماهية الجلية التي سبق أن تأمَّلتها في حياتها الماضية: وهذه هي نظرية التذكُّر، التي يعبِّر عنها بشكل رئيسي في كتابه مينون ، من خلال استجواب العبد الشاب وملاحظات سقراط الذي "توصل" لأن يجد في نفس ذلك العبد مبدأً هندسيًّا لم يتعلَّمه هذا الأخير في حياته.

إن فنَّ الحوار والجدل، أو لنقل الديالكتيكا ، هو ما يسمح للنفس بأن تترفَّع عن عالم الأشياء المتعددة والمتحولة إلى العالم العياني للأفكار. لأنه عن طريق هذه الديالكتيكا المتصاعدة نحو الأصول، يتعرَّف الفكر إلى العلم انطلاقًا من الرأي الذي هو المعرفة العامية المتشكِّلة من الخيالات والاعتقادات وخلط الصحيح بالخطأ. هنا تصبح الرياضيات ، ذلك العلم الفيثاغوري المتعلق بالأعداد والأشكال، مجرد دراسة تمهيدية. لأنه عندما نتعلَّم هذه الرياضيات "من أجل المعرفة، وليس من أجل العمليات التجارية" يصبح بوسعنا عن طريقها "تفتيح النفس [...] للتأمل وللحقيقة". لأن الدرجة العليا من المعرفة، التي تأتي نتيجة التصعيد الديالكتيكي، هي تلك المعرفة الكشفية التي نتعرَّف عن طريقها إلى الأشياء الجلية.

لذلك فإنه يجب على الإنسان - الذي ينتمي إلى عالمين – أن يتحرر من الجسم (المادة) ليعيش وفق متطلبات الروح ذات الطبيعة الخالدة، كما توحي بذلك نظرية التذكُّر وتحاول البرهنة عليه حجج فيدون. من أجل هذا يجب على الإنسان أن يعيش على أفضل وجه ممكن. فمعرفة الخير هي التي تمنعه من ارتكاب الشر. ولأنه "ليس أحد شريرًا بإرادته" فإن الفضيلة، التي تقود إلى السعادة الحقيقية، تتحقق، بشكل أساسي، عن طريق العدالة، التي هي التناغم النفسي الناجم عن خضوع الحساسية للقلب الخاضع لحكمة العقل. وبالتالي، فإن هدف الدولة يصبح، على الصعيد العام، حكم المدينة المبنية بحيث يتَّجه جميع مواطنيها نحو الفضيلة.

هذا وقد ألهمت مشاعية أفلاطون العديد من النظريات الاجتماعية والفلسفية، بدءًا من يوطوبيات توماس مور وكامبانيلا، وصولاً إلى تلك النظريات الاشتراكية الحديثة الخاضعة لتأثيره، إلى هذا الحدِّ أو ذاك. وبشكل عام فإن فكر أفلاطون قد أثَّر في العمق على مجمل الفكر الغربي، سواء في مجال علم اللاهوت (اليهودي والمسلم والمسيحي) أو في مجال الفلسفة العلمانية التي يشكِّل هذا الفكر نموذجها الأول.

مؤلَّفاته:

المأدبة أو "في الحب": يبيِّن هذا الحوار ، الذي جرى تأليفه في العام 384 ق م، كيف أن ولوج الحقيقة يمكن أن يتم بطرق أخرى غير العقل، وليس فقط عن طريقه: لأن هناك أيضًا وظيفة للـقلب، تسمح بالانتقال من مفهوم الجمال الحسِّي إلى مفهوم الجمال الكامل للمثال الجلي.

والقصة هي قصة الشاعر أغاثون الذي أقام في منزله مأدبة للاحتفال بنجاح أول عمل مسرحي له. وفي هذه المأدبة طُلِبَ من كلِّ المدعوين، ومن بينهم سقراط ، أن يلقوا كلمة تمجِّد إله الحب – وخاصة أريستوفانيس الذي طوَّر أسطورة الخنثى البدئية. ويقوم سقراط ، انطلاقًا من تقريظ الجمال، بمحاولة لتحديد طبيعة الحب، متجنبًا الوقوع في شرك الجدال ، متمسِّكًا فقط بالحقيقة. فيستعيد كلمات ديوتيما، كاهنة مانتيني، للتأكيد على أن الحب هو عبارة عن "شيطان" وسيط بين البشر وبين الآلهة؛ لأنه في آنٍ معًا كابن للفقر (أو الحاجة) – بسبب كونه رغبة لما ينقصه – وابن للثروة – بسبب كونه "شجاعًا، مصممًا، مضطرمًا، و... واسع الحيلة" – فإنه (أبا الحب) يحاول دائمًا امتلاك الخير والهناءة بمختلف الطرق، بدءًا من الفعل الجنسي الجسدي وصولاً إلى النشاط الروحي الأسمى. فـالديالكتيكا المترقِّية ترفعنا من حبِّ الجسد إلى حبِّ النفوس الجميلة، لتصل بنا أخيرًا إلى حبِّ العلم. لأنه، وبسبب كونه رغبةً في الخلود وتطلعًا إلى الجمال في ذاته، يقودنا الحبُّ الأرضي إلى الحبِّ السماوي. وهذا هو معنى ما سمِّيَ فيما بعد بـالحب الأفلاطوني، الذي هو الحب الحقيقي، كما يوصلنا إليه منطق المأدبة. إن أهمية هذا الحوار – الذي هو أحد أجمل الحوارات – لم تتدنَّ خلال تاريخ الفلسفة كلِّه: حيث نجد صداه، مثلاً، في العقيدة المسيحية للقديس أوغسطينوس ، الذي كان يعتقد بأن "كلَّ فعل محبة هو، في النهاية، حب للإله".

فيدون أو "في الروح": يدور هذا الحوار في الحجرة التي كان سقراط ينتظر الموت فيها. لأن الحضور، وانطلاقًا مما كان يدَّعيه بأن الفيلسوف الحقيقي لا يخشى الموت، يدعو المعلِّم لكي يبرهن على خلود النفس. وهنا، يجري بسط أربع حجج أساسية:

الحجة الأولى، التي تستند إلى وجود المفارقات، تقول إنه، انطلاقًا من الصيرورة المستمرة للأشياء، ليس في وسعنا فهم شيء ما (النوم مثلاً) دون الاستناد إلى نقيضه (اليقظة ليس حصرًا). ولأن الموت يبيِّن الانتقال من الحياة الدنيا إلى الآخرة، فإنه من المنطقي الاعتقاد بأن "الولادة من جديد" تعني الانتقال منه إلى الحياة. وبالتالي، إذا كانت النفس تولد من جديد، فإن هذا يعني أن التقمص حقيقة واقعة.

أما الحجة الثانية، فهي تستند إلى تلك الأفكار التي ندعوها بـالذكريات. لأن ما نواجهه في العالم الحسِّي إنما هو أشياء جميلة، لكنها ليست هي الجمال. لذلك ترانا نحاول تلمس هذا الأخير من خلال تلك الأشياء، التي، باستحضارها، تعيدنا حتمًا إلى لحظات من الحياة فوق الأرضية كانت روحنا فيها على تماس مباشر مع الطهارة.

وتقول الحجة الثالثة إنه يمكن شَمْلُ كلِّ ما في الوجود ضمن مقولتين اثنتين: المقولة الأولى تضم كلَّ ما هو مركَّب (وبالتالي ممكن التفكك) أي المادة؛ والمقولة الأخرى التي تشمل ما هو بسيط (أي لا يمكن تفكيكه)، كجزء مما هو مدرَك، أي الروح.

وعندما يلاحظ كيبيوس بأن سقراط ، الذي برهن على إمكانية انتقال الروح من جسم إلى آخر، لم يبرهن على خلود هذه الأخيرة في حدِّ ذاتها، يجيبه سقراط من خلال عرض مسهب، يتطرق فيه إلى نظرية المُثُل، حيث يبيِّن في نهايته أن الروح لا تتوافق مع الموت لأنها من تلك العناصر التي ليس بوسعها تغيير طبيعتها.

وينتهي الحوار بعرض طويل لمفهومي العالم العلوي والمصير الذي يمكن أن تواجهه النفس: حيث ترتفع النفوس الأكمل نحو عالم علوي، بينما ترسب النفوس المذنبة في الأعماق السفلى. وتكون كلمات سقراط الأخيرة هي التي مفادها بأنه مدين في علمه لأسكليبيوس (إله الطب والشفاء) – من أجل تذكيرنا رمزيًّا بأنه يجب علينا شكر الإله الذي حرَّره من مرض الموت.

الجمهورية أو "في العدالة": يشكل هذا الحوار، المجموع في عشر كتيبات تمت خلال عدة سنوات (ما بين أعوام 389 و369 ق م)، العمل الرئيسي لأفلاطون المتعلِّق بـالفلسفة السياسية.

يبدأ سقراط بمحاولة تعريف العدالة استنادًا إلى ما قاله عنها سيمونيدِس، أي "قول الحقيقة وإعطاء كلِّ شخص حقه". هذا التعريف مشكوك في ملاءمته، لأنه يجعلنا نلحق الضرر بأعدائنا، مما يعني جعلهم، بالتالي، أسوأ وأظلم. كذلك أيضًا يستبعد تعريف السفسطائي ثراسيماخوس الذي قال بأن "العدل" هو ما ينفع الأقوى.

ونصل مع أفلاطون إلى التمعُّن في مفهوم الدولة العادلة – تلك التي تعني "الإنسان مكبَّرًا" – القائمة على مشاعية الأملاك والنساء، اللواتي لا يكون التزاوج معهن انطلاقًا من الرغبات الشخصية، إنما استنادًا لاعتبارات النسل – تلك المشاعية الخاضعة لمفهوم التقشف الصحي، أي المعادي للبذخ؛ تلك الدولة القائمة على التناغم والمستندة إلى فصل صارم بين طبقاتها الأساسية الثلاث التي هي: طبقة الفلاسفة أو القادة، وطبقة الجنود، وطبقة الصنَّاع – والتي هي على صورة التوازن القائم بين المكونات الثلاث للنفس الفردية. ونلاحظ هنا، من خلال العرض، أن الطبقة الدنيا (أو طبقة الصنَّاع) لا تخضع لمتطلَّبات الملكية الجماعية لأنها لن تفهمها انطلاقًا من مستوى إدراكها.

ويفترض سقراط أنه على رأس هذه الدولة يجب وضع أفضل البشر. من هنا تأتي ضرورة تأهيلهم الطويل للوصول إلى الفهم الفلسفي للخير الذي يعكس نور الحقيقة وينير النفس، كما تنير الشمس أشياء عالمنا (استعارة الكهف).

ذلك لأن الظلم يشوِّه، بشكل أو بآخر، كافة الأشكال الأخرى من الدول، التي يعدِّدها أفلاطون كما يلي: الدولة التيموقراطية (التي يسود فيها الظلم والعنف)، الدولة الأوليغارخية (حيث الطمع الدائم واشتهاء الثروات المادية)، الدولة الديموقراطية (حيث تنفلت الغرائز وتسود ديكتاتورية العوام)، وأخيرًا، دولة الاستبداد، حيث يكون الطاغية بنفسه عبدًا لغرائزه، وبالتالي غير عادل.

وأخيرًا فإن هذا المفهوم نسبي لأن العدالة لن تتحقق بالكامل، كما تصف ذلك أسطورة إرْ، إلا في حياة مستقبلية أخرى: حيث النفوس، وقد حازت على ما تستحقه من ثواب أو عقاب، تعود لتتجسد من جديد، ناسية ذكرى حياتها الماضية.

ملاحظة: تمت ترجمة هذا النص من قاموس ناثان الفلسفي، تأليف جيرار دوروزوي وأندريه روسيل.

تعريب: أكرم أنطاكي

أرسطو يحيا من جديد

أحمد البغدادي

جميع التجارب الديمقراطية في العالم العربي فشلت بامتياز, بسبب هشاشة التراث السياسي العربي- الإسلامي, والضعف البنيوي في أسلوب تفكير وحياة الإنسان العربي القائم على الاستبداد الشخصاني والممتد من أكبر مسؤول في الدولة حتى المدرس في الفصل والأب في المنزل, بل ويعود إلى العرب فضل اختراع ظاهرة "الاستبداد الديمقراطي", حيث يتم خنق الحريات الفكرية والمدنية باسم القانون! في خضم كل هذه الفوضى الديمقراطية -إن جاز التعبير- أين يقع فكر المعلم الأول: أرسطو؟ لنعرف أولاً كيف ينظر أرسطو إلى الديمقراطية. من المعروف أن الغرب عرف نظام الحكم الديمقراطي, وأسلوب الحياة الديمقراطية القائم على الحوار والمشاركة السياسية من تجربة دولة- المدينة, التي مثلتها أثينا خير تمثيل في القرن الخامس قبل الميلاد, ولكنها كانت ديمقراطية الخاصة من المواطنين الأحرار فقط, نظراً لوجود مواطنين غير أحرار بسبب ديْن (مديونية) أو لأسباب أخرى. ومن ثم كانت الديمقراطية الأثينية تمثل بحق ديمقراطية النخبة, وما كان بطبيعة الحال, من حق الرقيق والأجانب أي نوع من أنواع المشاركة السياسية. ولكن جاء أرسطو عندما بحث في تصنيف أنظمة الحكم, ليعطي الفقراء حيزاً من المشاركة السياسية, ربما لكونه من الأجانب في أثينا, باعترافه بنظام الحكم الديمقراطي كصورة سيئة للنظام الدستوري. والفرق في الحالتين, أن أرسطو جعل معيار التفرقة بين الأنظمة الحاكمة يتمثل في تحقيق المصلحة العامة. وبالتالي يمثل نظام الحكم الدستوري حكم العامة إذا عملوا من أجل المصلحة العامة, ونظام حكم "ديمقراطي", إذا حكموا لمصلحة الفقراء الخاصة, معترفاً في الوقت نفسه بأن "النظام الديمقراطي" هو أحسن الأنظمة السيئة!

من جهة أخرى أدى تطور الحياة السياسية في الغرب إلى توصل المفكرين الغربيين إلى حقيقة أن الشعب يمثل بذاته الإرادة العامة, وبذلك تطور الفكر السياسي الغربي في صالح العامة الذين تحولوا إلى "الشعب", الذي يجب أن يحكم نفسه بصورة مباشرة أو غير مباشرة, من خلال نظام حكم برلماني أو رئاسي أو نظام حكومة الجمعية المطبق فقط في سويسرا اليوم. وبذلك أصبحت الديمقراطية الحديثة رديفاً للحكم الشعبي والمعبرة عن حكم الإرادة العامة لنفسها بنفسها من نفسها, كما يقول الرئيس الأميركي إبراهام لنكولن "حكم الشعب بالشعب وللشعب". لكن, وآهٍ من لكن, لم تكن الشعوب العربية التي اقتبست نظرية الحكم الديمقراطي على مستوى الوعي المطلوب اللازم لنظام الحكم الديمقراطي على غرار الغرب, فعادت بالساعة إلى الوراء, وكأنها تقتبس من أرسطو, برغم التباعد الفكري والزمني. هل يمكن إنكار حقيقة أن الشعوب العربية هي التي حولت الحكم الدستوري المفترض, إلى حكم "ديمقراطي" يصب لصالح الشعوب من أجل المصالح الشخصية الضيقة, وانتهاك حرمة القانون, وانتشار الواسطة وتجاوز القوانين وحقوق المواطنين؟ أليست الشعوب العربية هي المسؤول الأكبر فيما آلت إليه أحوال النظام الديمقراطي من سوء؟ أليست هي التي تعمدت اختيار من يحقق مصالحها الخاصة غير المشروعة ليكون نائباً عنها في البرلمان؟ أليست هي التي عجزت عن فرض حقها في اختيار الوزارة التي تحكمها؟ ومع كل هذا السوء غالباً ما يتهم المواطن العربي حكومته باللاديمقراطية, وينأى بنفسه عن أي لوم أو تقصير!.. لو كان أرسطو اليوم بين ظهرانينا, لابتسم لنا قائلاً: ألم أقلْ لكم؟

أجزاء متقاطعة -انسي الحاج

هذا الجانب المحيّر في اللوحة، في القطعة الأدبيّة، في الأغنية، المحيّر الذي لا ينسحب عنه النظر حتّى يسارع للعودة إليه،
مسحوراً، مشغوفاً، مدمناً، مغزوّاً بالأسئلة،
... هذا الجانب هو احتمال الصيرورة.
انظرْ إلى هذه اللوحة، تفيّأ هذا اللحن، إنّ ما يَشدّك ليس ما يحركانه فيك من ذكريات بل ما يثيرانه من شهيّة تحقيق ما سيصبح ذكريات.
وهو هذا نفسه ما يُمدّد للماضي في الحاضر: الأمل في تجسيده عبر الحلم به أكثر تجاوباً «هذه المرّة» مع أمانينا.
بهذا المعنى، الجمال الذي يجتذبنا في الكتابة هو الوعد، هو وعدُنا بأن ما نرجوه سوف يصير، ولو أدركنا ذلك بصعوبة في غمرة ضباب الجديد.
وما نحبّه بعضنا في بعض هو هذا أيضاً،
ولو تجلّى لنا في شكل إلحاح قديم، أو اجترار لهاجس واحد تتعدّد وجوهه.
ما يحبّه واحدنا في الآخر هو لمحة وعدٍ بتجسيد حلم، بتجسيد قطعة أخرى من الحلم، من الحلم الذي يختلط ماضيه السحيق بنجوم مستقبله المجهولة، الوامضة وراء العقل، تحت الجفون، والتي تَهْمس للأنفاس وهي تتكوّن، وللأنفاس وهي تشتدّ، وللأنفاس وهي في أواخرها، تَهْمس أنَّ ما تحقّق لنا من أحلام ليس رفاتاً لصندوقة الذكريات بل هو لمسة أضيفت إلى مشروع الهيكل.

? ابقَ معي، دَعْني

تحوّلت الآداب الغربيّة، الفرنسيّة خصوصاً بالنسبة لي، مستعمرة للعالم الثالث بعدما كانت محجّة للهاربين من أنفسهم.
في المرض تتذكّر الخوارق لأنّها تشدّ بك إلى فوق، ولا تتذكّر إلّا مرغماً الكائنات والحالات العاديّة، مهما تكن صافية، فهي تصلّي عليك في حفرتك ولا تعين حاجتك إلى القوّة. القوّة تنبجس من مرأى الظواهر الفاجرة لا الرقراقة. من اختراقِ قلم لقبرِ لغة. من اجتياح امرأة لسياج السمعة والتقاليد. لم يعد هناك ما يُقرأ. سقط الوهم عن هيبة الغربة. ليتنا ما عرفناهم.
لحسن الحظّ أن الواحد منّا يولد على خلاف مع الأوان. هذه الفجوة ترسل بخار الشوق. دعك من المساواة، خرافة أدباء السذاجة. التفاوت في كلّ شيء نعمة. كيف تعرف الفرق بين الذين أحبّوك والذين أحببتهم؟ من هذا الخَلَل.
ابقَ معي، يقول الخائف. لا تترك يدي، وإلّا جرَفَتْني العتمة.
لا ترهقْني، يقول أيضاً، دَعْني، إذا كنتُ وحدي سأكون أَخَفّ.

? قوانين مملّة

كان لورانس العرب يقول إن العبوديّة المختارة هي أعمق أنواع الكبرياء للنفس المريضة. ولدوستيوفسكي العبارة المأثورة: «هناك شيء واحد يفضّله البشر على الحريّة، هو العبوديّة». وبسخريته التي أضحت كأنّها مفروضة عليه كان برنارد شو يقول إن الاستعباد البشري بلغ ذروته في عصرنا على شكل العمل المأجور.
نفسيّاً وعاطفيّاً، وإذا تجنّبنا المعادلة التقليديّة «جلاّد ـــــ ضحيّة» أو «معذَّب ـــــ معذَّب» أو «مستعذِب الإيلام ـــــ مستعذِب التألُّم»، لما حَلَلْنا المشكلة بل تظاهرنا بعدم رؤيتها. لا مفرّ من اختلال الميزان. ربّما تتساوى الكفّتان في حالة ارتضاء العبودية لدى الطرفين، أو السيادة لدى الطرفين. كلاهما عبدٌ للآخر أو كلاهما حرّ بنفسه «مع» الآخر أو «حيال» الآخر. لكنّه التوازن في انعدامه. لا تصعد خشبة «يا طالعة يا نازلة» إلّا من جهة واحدة وحين تصعد ينزل الطرف الآخر. وإن توازنا على خطّ واحد توقفت حركة اللعبة. الأقوى، كما هو معروف، هو الأقلّ انجذاباً، والأضعف هو الأشدّ انجذاباً. حتّى في علاقة الأم ـــــ الولد يَتنمّر الولد ما إن يشعر بضعف أمّه حياله، و«يتمقطع» بها. السيّد هو الأقلّ عاطفة. السيّد المُطْلَق هو العديم العاطفة المجهّز بالإغراء. وكما تنطبق هذه البديهيّات في الحقل العاطفي والجنسي تنطبق على الصعيد السياسي. أقوى الزعماء والطغاة ليسوا الذين يشعرون بآلام شعوبهم بل الذين يُحسنون استغلالها.

? دنيا حيطان

أُحبُّ الفضاء المفتوح، السماء المنفلشة، الآفاق المباحة، وبيتي مسوَّر بحيطان العمارات، والحيطان باطون على طوله بلا نوافذ. لحق بي هذا الخنق خارج لبنان. لدى إقامتي في باريس أربع سنوات بدّلتُ منزلي أكثر من خمس مرّات، وعلى الدوام كانت نوافذي لا تعطي إلّا على حيطان. عرفتُ شرفات بلا معنى، شرفتي الحاليّة، بل الدائمة، في بيروت تُطلّ في آخر نصف متر منها على نصف متر من الشارع الذي يضجّ بالسيّارات نهاراً وبكركرة الأراكيل ليلاً، و«ركّابها» المالئين والمالئات الجوف غازات وسلّاً. لا أعرف أبشع من عادة هذه الأراكيل، ولا من مناظر مراهقين ومراهقات ممعنين مَصّاً ونَفْخاً في وضعيّات يقلّد بعضها بعضاً، ضمن ظاهرة قطيعيّة أَحَلَّها الاستغلال التجاري محلّ ضجرٍ كان أرقى، ومحلّ كسلٍ انفرادي أو جماعي أقلّ حسناته أنه يغذّي الفضول، واجتاحت ما تبقّى من مساحات للتأمّل والنزهة، وللاشيء المخصب، عرّاب المغامرات.
للمباني المتحاذية المكتظّة حَسَنة وحيدة هي سهولة التعاشُر. ولكنْ ليت البحر كان فراش تلك المباني لا اليابسة، إذاً لكُتب للتعاشر، حين يحصل، وقت محدود بوصول السفينة إلى غايتها، حيث يتبعثر الرفاق ويحلّ بعضهم بعضاً من عقاله. مع اليابسة أين المفرّ؟ وترغمكَ البيوت الخانقة على الخروج للتفسُّح، وهناك الغنْم والغرم أيضاً. وصريف الأسنان، عندما يقع عليك مَن لا تريد أن تقع عليهم.

? «يلّلا باي»

«يلّلا باي».
لا يكاد لبناني يفارق لبنانيّاً إلا بهذه العبارة، الأرجوحة الوطنيّة الأكثر رواجاً.
نسمع «باي» في الأفلام المصريّة فنستلطف لفظها، واللفظ المصري يلطّف الحجارة. ولكن «يلّلا باي» اللبنانيّة غليظة ما شاء اللّه، لا غلظة اللفظ، على تعدّد طوائفه ومناطقه، فحسب، بل غلظة الاصطلاح الذي يَحلّ محلّ العفويّة ويُموّه المشاعر. وفوق هذا اصطلاح كاذب.
غالباً ليس لنا ما نقوله عند الفراق. وأحياناً عند اللقاء أيضاً. صُدَف وحتميّات يمليها السير في المدينة فيجد المرء نفسه مضطرّاً إلى المجاملة. دائماً كانت هكذا، وأسوأها حين يلتقي شخص مضغوط أو مُكَهْرَب شخصاً لزجاً ثرثاراً. ولكن في الماضي لم يكن هناك مقلاع «يلّلا باي».
فيها تأجيل ما ليس مستحقّاً، وتحيّة أقرب إلى التهريبة، ونغمة راقصة تُشْبه الرَكْل.
لا مفرّ من المصطلحات، وبين فوائدها أنها تُعفي من الصدق، وتعكس مدى تدهور الذوق. من «مع السلامة» و«إلى اللقاء» و«سعيدة» و«بأمان اللّه» إلى «يلّلا باي».
يعيش الواحد منّا بين ناس لا يحكون لغته ولا يشعرون شعوره، ومع هذا يعيش. والكلام أشدّ الاستعمالات فتكاً، مع الخلوي والأراكيل، ومع السيغار والدرّاجات الناريّة. ومع وجوه لم تعد تلمع فيها العيون. ومع كتب لا تُقرأ وأفلام تعيد إنتاج نفسها وشاشات أنجح ما فيها الحيويّة الشخصيّة لمقدّمي برامجها.
... ومع هذا نعيش. «يلّلا باي».

الاخبار اللبنانية