السبت، 10 أكتوبر 2009

فصل الدين عن السياسة

الإنسان.. وفصل الدين عن السياسة
فاخر السلطان

عبر التاريخ، دائما ما كان الدين تعبيرا عن القوة وممزوجا بالسلطة السياسية، ولم يكن ذلك عجيبا، بل العجيب أن يطالب البعض في الوقت الراهن بفصل الدين عن السياسة، وبالذات في المجتمعات المسلمة، الأمر الذي يتنافى مع المسار التاريخي للشريعة الإسلامية. فالدين يعتبر أحد القوى الكبرى المؤثرة في تطور وتغير المجتمعات على مر التاريخ، لذا كان اختلاطه بالسياسة أمر طبيعي. وقد كان للدين المسيحي قبل ظهور الإسلام تأثير كبير على إمبراطورية الروم الشرقية بعد أن تبنى الإمبراطور قسطنطين المسيحية دينا للدولة عام 313 وجعل الحكم سلطة سياسية بإيديولوجيا دينية. كذلك كان للدين اليهودي ملوك/ أنبياء مثل داوود وسليمان. فيما شكل نبي الإسلام دولة إسلامية، وأصبح الدين عاملا رئيسيا في توسيع الرقعة الجغرافية للدولة. غير أن الأمور تغيرت في العصر الحديث، وبرز فصل الدين عن السياسة، وتغيّر تأثير الدين على الحياة السياسية بل على مجمل مسائل الحياة.

وهنا نثير التساؤلات التالية: لماذا ظهرت العلمانية في العصر الحديث، وبرزت مسألة فصل الدين عن السياسة؟ وكيف حصلت على تأييد واسع من قبل الإنسان بحيث لم يعارضها أو لم تكن هناك حاجة إلى أدلة على ضرورتها وأهميتها؟ لماذا لم تكن العلمانية حالة طبيعية في الماضي؟ ولماذا كان المزج بين الدين والسياسة من القضايا الطبيعية "البديهية"؟ إن انجازا على صعيد الفكر والثقافة البشرية قد حصل ما أدى إلى ظهور تلك النتيجة.

لاشك أن البشرية حينما تنتقل من مرحلة ثقافية قديمة إلى أخرى جديدة فإن "بديهيات" المرحلة الماضية قد تصبح "غير بديهية" في المرحلة الجديدة، وستتحول قواعد وأسس المرحلة الماضية إلى استثناءات في المرحلة التاريخية الجديدة، وهذه قد تتحول إلى قواعد وأسس جديدة. ومع انتقال البشرية من مرحلة ما قبل الحداثة إلى مرحلة الحداثة في هذا العصر، فإن الكثير من "البديهيات" التاريخية أصبحت استثناءات، في حين ظهرت "بديهيات" جديدة في الواقع الراهن كانت تعتبر في الماضي استثناءات.

إن الدليل على أن مسائل معينة أصبحت "بديهية" في الحياة العامة في عصرنا، هو أنها أصبحت تعتبر ضمن القضايا التي يطلق عليها بالقضايا الطبيعية، أي ما عاد الناس يعتقدون بأنها تتنافر مع الواقع أو أنها تحتاج إلى أدلة تثبت طبيعيّتها. ومن "البديهيات" الراهنة التي ارتبطت بالدين ولم تكن "بديهية" في الماضي، عدم قبول أن يكون الدين وسيلة للاستغلال في أيدي الساسة، وعدم جعله طريقا للثراء.

إن الصراع الذي نشب بين العلم والدين في العالم الغربي في القرون الوسطى كان له تأثير كبير على انتقال الإنسان من مرحلة ثقافية وفكرية معينة (قديمة) إلى أخرى (جديدة)، من مرحلة ما قبل الحداثة إلى مرحلة الحداثة. فالصراع كانت له آثاره على العديد من القضايا والمسائل. والكثير مما احتوى عليه الكتاب المقدس لم يكن يتماشى مع العلوم الجديدة، وهو ما أدى إلى انقسام الناس في تحديد توجهاتهم: إما القبول بما يقوله الإنجيل والتوراة، وإما تأييد العلوم الجديدة. وهو ما أدى مع مرور الوقت إلى حدوث زلزال عنيف في إيمان الغربيين بـ"حقيقة" الكتاب المقدس، الأمر الذي أدى إلى صعوبة عودة الماضي الديني المنهدم واستحالة إصلاح "الحقائق" المنكسرة. فالحياة الفكرية الثقافية انتقلت من مرحلة قديمة إلى أخرى جديدة، تهدمت خلالها "بديهيات" دينية وفكرية معينة وتم تأسيس "بديهيات" جديدة، وتبدّل الفهم الديني والعلمي القديم إلى فهم جديد، وتمّ بناء منظومة جديدة من "الحقائق" تتماشى مع الواقع الجديد بعد أن تم تجاوز "الحقائق" القديمة واعتبارها غير صالحة لكل زمان. بعبارة أخرى، كان الصراع بين العلم والدين صراعا بين "حقيقتين" (أذكته بالدرجة الأولى أفكار كوبرنيكوس وغاليليو حول كروية الأرض ونظرية التطور عند داروين)، وكل واحد منهما كان يدافع عن "حقيقته"، وقد صبت نتيجة ذلك في وعاء تطور العلم وإصلاح الفهم الديني. فالغرب أصبح يعيش راهنا في ظل دين لا يحتكر الحقيقة، وعلم لا يتسلط على الدين أو يسعى إلى إلغائه.

من النتائج المهمة التي أفرزها ذلك الصراع أنّ الإنسان أصبح محورا رئيسيا في جميع قضايا الحياة الحديثة، حيث مع بداية عصر النهضة أصبح احترام حقوق الإنسان ميزانا جديدا يستخدم كوسيلة لقياس جميع القضايا والمسائل، من سياسية وأخلاقية وفكرية ودينية. فجميع الأشياء يجب أن تقاس في إطار احترام حقوق الإنسان لا في إطار "الحقيقة". وحتى "الحقيقة" نفسها لابد أن تخدم الإنسان لا أن تضرّه وتقف في طريق تطوره وتقدمه. ففي عصر ما قبل الحداثة كان الإنسان مستسلما "للحقيقة"، في حين لابد "للحقيقة" في الوقت الراهن أن تستسلم للإنسان.

في الجانب الإسلامي لم تمض الأمور في هذا الاتجاه. فالنظرة الدينية الشمولية غير الإنسانية لا تزال هي المهيمنة. وسبب ذلك هو سيطرة التفسير المناهض للإنسان على الفكر الديني وعدم وجود رؤية واضحة لدى مدرسة التفسير الديني تجاه العالم الحديث والإنسان الجديد. فتفسير الدين لايزال غير حداثي ومناهضا لقيم الحياة الجديدة وحقوق الإنسان، بمعنى أنه لايزال يتبنى الرؤية التاريخية غير الإنسانية للحياة، والتي لا تهتم سوى بتركيب الماضي الاجتماعي الديني على الحاضر، وهو ما أدى إلى أن يصبح التفسير، ليس وحده بل والدين أيضا، غير إنسانيين.

إن معظم أركان المشكلة المتمثلة في أن الدين وتفسيره أصبحا غير إنسانيين، تقع على عاتق الفقه والفقيه. فكيف يمكن لعقيدة الإنسان وآرائه وخصوصياته وحقوقه الفكرية والاجتماعية أن تكون محل احترام وتقدير واعتراف، ما لم تتغير نظرة الفقه والفقيه تجاه الإنسان كإنسان، من أجل استبدال النظرة التاريخية الدونية إلى نظرة حقوقية حديثة تكون فيها حرية الإنسان وكرامته هي الأصل. فمثلا نظرة الفقه والفقيه إلى المرتد لا تزال نظرة قديمة، إذ هي مستندة إلى نظرة اجتماعية تاريخية الغائية، لا نظرة واقعية راهنة تعتمد الحرية والتعايش والتعدد والتنوع أساسا لتفسيرها. كذلك ينطبق الأمر على النظرة الفقهية إلى الكافر والملحد والمسيحي واليهودي، بل كذلك على نظرة الفقه السني أو الشيعي إلى بعض الطوائف الإسلامية كالمتصوفة والإسماعيلية والزيدية. فهل بعد ذلك كله يحق للفقيه التاريخي أن يدعي بأنه يحترم حقوق الإنسان؟

إن نظرة الفقيه إلى الإنسان يجب أن تتبدل، ومن شأن ذلك أن يساعد على الدخول إلى واقع الإنسان الجديد، كما سيسهل عملية تغيير أصول الفقه وأحكامه، من أجل أن يصار إلى احترام الدين أو التفسير الديني لحقوق الإنسان. وبغير ذلك، لا نستطيع إلا أن نزعم بأن ديننا الذي فهمناه من خلال الفقهاء والمفسرين هو دين غير إنساني


المصدر

انشتاين

ألبرت أينشتاين (1879-1955)

ألبرت أينشتاين (Albert Einstein)عالم فيزيائي ومؤسس النظرية النسبية، وصائغ عدد من النظريات الفيزيائية الأخرى. ويدين الناس في عالم اليوم لأينشتاين بشكل كبير في تصورهم عن المكان والزمان. ذلك بالرغم من أنه لم ينجح في الالتحاق بالجامعة إلا في المحاولة الثانية!

ولد أينشتين لأبوين يهوديين في ألمانيا التي عاش فيها. وقد كان أينشتاين في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث كان محاضرا زائرا، حين وصل أدولف هتلر إلى السلطة في ألمانيا عام 1933. وبقي في الولايات المتحدة واستقر في مدينة برنستون خوفا من الإرهاب الفاشي الذي جعل من أينشتاين هدفا له.

صاغ أينشتاين نظريته الأولى عن الحركة البراونية في العام 1901. وفي العام 1905 صاغ نظريته عن الظاهرة الكهروضوئية، وصاغ النظرية النسبية الخاصة في نفس العام. وفي العام 1916 نشر مؤلفه عن النظرية النسبية العامة، وله العديد من النظريات الأخرى. حصل أينشتاين على جائزة نوبل للفيزياء في العام 1921، عن أعمال غير النظرية النسبية.

إن مقدمة أينشتاين لكتاب غاليليو التي تم اختيارها لهذا الكتاب هي محاولة للتعرف، من مصدر ثانوي، على أفكار جاليليو جاليلي، عالم الفلك الإيطالي الشهير، الذي ولد في مدينة بيزا في العام 1564.

وجد غاليليو في أبحاثه ما يدعم وجهة نظر كوبيرنيكوس القائلة بان الشمس هي مركز الكون وبان الأرض تدور حولها. وفي عام 1616 اضطر غاليليو أن يعد بهجر نظريته. لكن ذلك لم يدم، حين نشر كتابه (Saggiatore) وجاهر بأفكاره في كتابه "حوار بين منظومتين عالميتين" الذي صدر في العام 1932. ودعي جاليليو إلى روما إثر ذلك، لينكر تأكيده على نظرية كوبيرنوكوس، وقد فعل ذلك تحت التهديد. وهناك رواية، غير صحيحة في الغالب، تقول إنه أضاف بعد إنكاره الرسمي لهذه النظرية قائلا: "لكنها في كل الأحوال تدور!" (عن الأرض).

أينشتاين: مقدمة لكتاب جاليليو جاليليي

"حوار بخصوص النظامين الرئيسيين: نظام بطليموس والنظام الكوبيرنكي"

يعتبر عمل جاليليو المسمى "حوار بخصوص النظامين العالميين الرئيسيين ..." منجما من المعلومات لكل إنسان معني بالتاريخ الحضاري للعالم الغربي وأثره على النمو الاقتصادي والسياسي.

هنا ينكشف إنسان يملك إرادة ملتهبة وذكاء عقلانيا وشجاعة ليقف ممثلاً للتفكير العقلاني أمام جمع من هؤلاء الذين باعتمادهم على جهل الناس وتراخي المدرسين في زي الكاهن والعالم، يحافظون على مراكز سلطتهم ويدافعون عنها. إن موهبة غاليليو الأدبية الفائقة مكنته من مخاطبة المتعلمين من رجال عصره بلغة واضحة مؤثرة من أجل التغلب على تفكير معاصريه الأسطوري والمتمركز حول الإنسان، ومن الرجوع بهم باتجاه رأي موضوعي سببي بخصوص النظام الكامل المتناغم للكون (الكوسموس)، ذلك النظام الذي فقدته الإنسانية مع تدهور الحضارة اليونانية.

عندما أتحدث بهذه الطريقة، فإنني أدرك أنني أنا أيضاً أقع في المنزلق العام الذي يقع فيه هؤلاء السكارى بإخلاصهم، الذين يبالغون في تعظيم مكانة أبطالهم. قد يكون صحيحاً أن شلل العقل خلال القرن السابع عشر، والناتج عن التقليد السلطوي المتصلب الذي جلبته عصور الظلمات القروسطية[1][1] كان قد إنحسر إلى حد انه لم يكن باستطاعة قيود التراث لمفكري القدم ان تصمد مدة أطول، مع أو بدون جاليليو.

وبالرغم من ذلك فإن هذه الشكوك تتعلق فقط بجزء صغير من المشكلة العامة المختصة بالمدى الذي يمكن أن تتأثر به حقبة من التاريخ ببعض الأفراد الذين تثير ميزاتهم فينا الانطباع بأنها [الميزات] متفردة أو مصادفة، الذين لم يكن تواجدهم في تلك الفترة إلا بمحض الصدفة. وكما هو مفهوم، فإن عصرنا هذا ينظر نظرة متشككة أكثر من النظرة التي كانت سائدة في القرن الثامن عشر أو النصف الأول من القرن التاسع عشر، إلى دور الفرد. فالتخصصات العميقة في المهن والمعرفة، تجعل الفرد يظهر كـ "قابل للتبديل" كأي جزء من آلة يتم إنتاجها بالجملة.

لحسن الحظ، إن تقديرنا لكتاب "حوار ..." كوثيقة تاريخية لا يعتمد على موقفنا من تلك الأسئلة المخاطِرة. بداية، إن "حوار ..." يعطي تفسيراً حياً ومقنعاً لأبعد الحدود لتلك الآراء التي كانت سائدة والمتعلقة بتركيب الكوسموس بعامة. إن التصور السائد لشكل الأرض كقرص مسطح بالإضافة إلى بعض الأفكار المهمة المتعلقة بالفضاء المليء بالنجوم وبتحركات الأجسام السماوية الذي كان سائدا في بداية العصور الوسطى، كان يمثل تدهورا للمفاهيم اليونانية القديمة، وبشكل خاص لأفكار أرسطو ولمفهوم بطليموس المكاني والمتماسك المتعلق بالأجسام السماوية وتحركاتها: التصور السائد حول العالم في عصر جاليليو يمكن وصفه كما يلي:

هناك فضاء وفيه توجد نقطة مفضلة هي مركز الكون. المادة، على الأقل الجزء الأكثف منها، يميل للاقتراب إلى أقرب حد ممكن من هذه النقطة. وتبعاً لذلك، فقد اتخذت المادة شكلاً مقارباً (مشابهاً) للشكل الدائري (الأرض). وانطلاقاً من هذه المعلومة حول الأرض، فإن مركز تلك الكرة يتطابق عملياً مع مركز الكرة السماوية (الكون). أما الشمس، والقمر والنجوم فكلها محمية من السقوط باتجاه مركز الكون، حيث إنها مربوطة بقواقع كروية متصلبة شفافة تتطابق مراكزها مع مركز الكون "الفضاء". هذه القواقع الكروية تدور حول الكرة الأرضية الثابتة (أو مركز الكون) بسرعات زاويّة قليلة الاختلاف. قوقعة القمر هي صاحبة أصغر نصف قطر، وتحيط بعالم ما تحت القمر. أما القواقع الخارجية بأجسامها السماوية فتمثل "العالم السماوي"، والتي توصف أجسامها بأنها أبدية، غير قابلة للانهدام أو التبدل وذلك مقارنة بـ "الكرة الأرضية السفلى" الموجودة داخل قوقعة القمر، بالهيكل القمري الذي يحتوي على كل ما هو مؤقت زائل فانٍ وقابل للإفساد.

بطبيعة الحال، لا يمكن لنا أن نلقي اللوم بشأن هذه النظرة الساذجة على الفلكيين اليونان الذين في تصويرهم لتحركات الأجسام السماوية، استعملوا تراكيب هندسية مجردة، ازداد تعقيدها بازدياد دقة المراقبات الفلكية. وبسبب عدم توفر نظرية للميكانيكا حاولوا تقليص التحركات المعقدة (الظاهرة) إلى أبسط حركات أمكنهم تصورها، وبالتحديد إلى حركات دائرية موحدة وتراكيب منتظمة. إن التعلق بفكرة أن الحركة الدائرية هي الحركة الطبيعية بحق كانت ما تزال واضحة التميز عند جاليليو، وربما تكون هي المسؤولة عن عدم إدراك جاليليو الكامل لقانون القصور الذاتي وأهميته الضرورية.

وهكذا باختصار كُيّفت أفكار اليونان مع ذهنية الأوروبيين البربرية البدائية لذلك الوقت. كما ورغم ان الأفكار الهيلينية هذه ليست سببية، فقد كانت موضوعية وحرة من الآراء ذات النظرة الإحيائية، أو خالية من الآراء الروحية، وهذه فضيلة يمكن ان ننسبها لكونية (كوسمولوجية) أرسطو.

إن جاليليو في دفاعه عن النظرية الكوبرنيكية لم يكن فقط مدفوعا بدافع تبسيط التصور عن الحركات السماوية. فقد كان هدفه ان يستبدل النظام الفكري المتحجر والعقيم ببحث جدي عن فهم أعمق وأثبت بخصوص الحقائق الفيزيائية (الطبيعية) والفلكية.

إن شكل الحوار المستعمل في عمله قد يكون جزئياً نتيجة لمثال أفلاطون الساطع. فقد مكن جاليليو من استخدام موهبته الأدبية غير العادية في خلق مواجهة حادة وفعالة بين الآراء. بالتأكيد انه أراد أن يتفادى التزاماً مفتوحاً حول هذه الأسئلة الخلافية، مما كان يقوده إلى الدمار بأيدي محاكم التفتيش. في الحقيقة، كان جاليليو ممنوعا بوضوح من المدافعة عن النظرية الكوبرنيكية. وبغض النظر عما يحويه الحوار من حقائق ثورية، فإنه يمثل محاولة خبيثة، ظاهرياً تستجيب لذلك الطلب، وتتجاهله في الواقع. ولسوء الحظ فقد تبين بأن محاكم التفتيش لم تستطع أن تقدر مزاحا بهذه الدقة حق قدره.

إن نظرية الأرض الثابتة كانت قائمة على الفرضية القائلة بأنه يوجد مركز مجرد للكون، وكان الافتراض بان ذلك المركز يسبب سقوط الأجسام الثقيلة على سطح الأرض. إذ ان تلك الأجسام المادية لها ميل للاقتراب من مركز الكون بقدر ما تسمح به "لا-اختراقية الأرض". هذا يؤدي إلى شكل الأرض شبه الدائري.

يعترض جاليليو على تقديم أرضية ذلك "اللاشيْ" (مركز الكون) والذي من المفترض أن يفعل في الأجسام المادية، معتبراً ذلك غير كاف أبداً.

إلا أنه يوجه الانتباه إلى حقيقة أن هذه الفرضية غير المرضية تنجز اقل بكثير من المطلوب منها. فعلى الرغم من انها تعطي تفسيراً لكروية للأرض إلا انها لا تفسر الشكل الكروي للأجسام السماوية الأخرى. ومع ذلك، فإن دورات القمر والزهرة، والتي اكتشفها لاحقاً بواسطة التلسكوب المخترع حديثاً، أثبتت الشكل الكروي لهذين الجسمين السماويين، كما وأثبتت المراقبات الدقيقة للبقع الشمسية نفس النتيجة بالنسبة للشمس. والحقيقة، إنه لم يبق هناك أي شك في زمن جاليليو بشأن الشكل الكروي للكواكب والنجوم.

وعليه، فإن فرضية "مركز الكون" لا بد أن تستبدل بفرضية أخرى تكون قادرة على تفسير الشكل الكروي للنجوم أيضاً وليس فقط للأرض. يقول جاليليو، بوضوح، إنه لا بد من وجود نوع من التفاعل (الميل نحو التقارب المتبادل) في المادة المكونة للنجم، والسبب نفسه يكون مسؤولاً (بعد التخلي عن فرضية "مركز الكون") عن السقوط الحر للأجسام الثقيلة على سطح الأرض.

دعوني أضيف هنا أن تشابهاً قريباً يكمن بين رفض جاليليو لفرضية أن للكون مركزاً كتفسير لسقوط الأجسام الثقيلة، وبين رفض فرضية نظام قاصر ذاتيا كتفسير للسلوك القاصر ذاتيا للمادة. (الفرضية الأخيرة هي القاعدة التي تتركز عليها النظرية النسبية العامة). والمشترك بين الفرضيتين هو تقديم جسم مفهومي له الخصائص التالية:

1. ليس من المفترض فيه ان يكون حقيقيا، كالمادة ذات الثقل (أو الحقل).

2. انه يحكم سلوك الأجسام الحقيقية، إلا أنه لا يتأثر بها أبداً.

إن تقديم هذه العناصر المفهومية، بالرغم من أنها ليست ممنوعة تماما، من وجهة نظر منطقية محضة، منفّر للغريزة العلمية.

لقد استطاع جاليليو أيضاً إدراك أن تأثير الجاذبية على سقوط الأجسام الحر في تسارع، عموديا بقيمة ثابتة، مثلما يمكن تركيب الحركة الأفقية غير المتسارعة فوق هذه الحركة المتسارعة.

إن هذه الاكتشافات تتضمن بالضرورة، على الأقل بشكل نوعي، أسس النظرية التي صاغها نيوتن في وقت لاحق. لكن قبل كل شيء فإن الصيغة العامة لمبدأ القصور الذاتي ناقصة، على الرغم من انه قد كان من السهل الحصول على ذلك من قانون جاليليو لسقوط الأجسام مع معيقات (التحول إلى التسارع العمودي المتلاشي). إن الفكرة الناقصة هنا أيضا هي ان نفس المادة التي تشكل التسارع العمودي على سطح جسم سماوي تستطيع ان تؤدي إلى تسارع أجسام سماوية أخرى. كما أن جميع تلك التسارعات يمكن ان تشكل مع القصور الذاتي حركات دورانية. بيد انه تم الوصول إلى معرفة أن وجود المادة (الأرض) يسبب تسارع الأجسام الحرة (على سطح الأرض).

من الصعب علينا اليوم أن نقدر المجهود الهائل الذي بذل في تحديد صياغة مفهوم التسارع وفي إدراك أهميته الفيزيائية (الطبيعية).

كون مفهوم "مركزية الكون" قد رُفض، ولسبب معقول، فقد تم أيضاً سحب فكرة ثبات الأرض، وبشكل عام فكرة دور الأرض الاستثنائي لم تعد مبررة. إن السؤال حول ما يجب اعتباره "ثابتاً" حين وصف حركة الأجسام السماوية أصبح سؤالاً ملحاً وتبعاً لـ أرستاركوس وكوبرنيكوس، فقد تم توضيح حسنات اعتبار الشمس في حالة ثبات (وكما قال جاليليو فإن ذلك ليس إجماعاً تاماً ولكنه فرضية إما صحيحة أو خاطئة). وبشكل طبيعي، يمكن الجدل أن افتراض دوران الأرض حول محورها أسهل من افتراض دوران جميع النجوم الثابتة حول الأرض إضافة إلى ذلك، فإن الافتراض القائل بدوران الأرض حول الشمس يجعل حركات الكواكب الداخلية والخارجية تظهر متشابهة، وتُلغى بالتحركات التراجعية للكواكب الخارجية، أو أن ينسب تفسيرهم إلى حركة الأرض حول الشمس.

ومهما كانت هذه النقاشات مقنعة، وبشكل خاص في ظل الحالة التي اكتشفها جاليليو بأن كوكب المشتري بجميع أقماره يمثل نظاماً كوبرنيكياً بشكل مصغر، فانها [النقاشات] ما زالت ذات طبيعة نوعية. فبما أننا [البشر] مرتبطون بالأرض، فإن ملاحظاتنا لن تكشف أبداً بشكل مباشر تحركات الكواكب "الحقيقية"، وإنما سيكون فقط باستطاعتنا ان نلحظ نقطة تقاطع خطوط الرؤية (الأرض- الكواكب) مع "مدار النجم الثابت". لقد اصبح وجود دعائم خارجة على النقاشات النوعية ممكناً فقط بعد تحديد "المدارات الحقيقية" للكواكب: إحدى المشاكل التي كان من الصعب تخطيها، والتي قام كيبلر بحلها (خلال الفترة التي عاش فيها جاليليو) بأسلوب بارع. إلا أن ذلك التقدم الحاسم لم يترك أثراً في عمل جاليليو الحياتي للتذكير بالحقيقية القائلة بأن الأفراد المبدعين غالبا ما يكونون غير متفتحين.

لقد بذل جاليليو مجهوداً كبيراً كي يثبت أن الحقيقية القائلة بأننا لا نستطيع أن نلحظ أي تأثيرات ميكانيكة لتلك التحركات لا تدحض نظرية دوران الأرض. وبشكل دقيق، فإن إثباتاً كهذا كان مستحيلاً لأن النظرية الميكانيكية كانت ناقصة. وأنا أعتقد أن معالجة جاليليو لهذه المشكلة أثبتت إبداعه بقوة خاصة. كان جاليليو، طبعاً، معنيا بإثبات أن النجوم الثابتة بعيدة جداً، بحيث لا يمكن اكتشافها من خلال التغيير الظاهري الناتج عن الحركة السنوية للأرض بواسطة أدوات القياس في عصره. إن ذلك البحث هو نوع من الإبداع أيضاً، بغض النظر عن بدائيته.

لقد كان جاليليو يهدف لإيجاد إثبات ميكانيكي لحركة الأرض، ما أدى به لصياغة نظرية خاطئة عن المد والجزر. وقد كان صعباً جداً على جاليليو أن يتقبل المحاججات الجميلة التي وردت في محادثته الأخيرة كإثباتات، لولا أن مزاجه لم يساعده في إظهار الأفضل عنده. إنه من الصعب علي أن أقاوم الإغراء في التعامل مع ذلك الموضوع بشكل أوسع.

إن الصبغة التي أستطيع إدراكها في عمل جاليليو المهني هي المعركة الانفعالية ضد أي نوع من أنواع المبادئ الدوغمائية المستندة إلى السلطة. لقد كانت الخبرة والتفكير الحذر هما الشيئين الوحيدين اللذين تقبلهما جاليليو كمقياس للحقيقة. من الصعب علينا اليوم أن نفهم مدى تطرف ذلك الرأي الذي أظهره جاليليو في عصره، عندما كان الشك في حقيقة الآراء التي لا أساس لها سوى التسلط، يعتبر أعظم جريمة يحاسب عليها. في الحقيقة نحن لسنا بعيدين بأي حال من الأحوال عن ذلك الوضع، حتى في هذه الأيام، حيث يحاول كل منا إشباع غروره. إلا أنه نظرياً، على الأقل، فإن مبدأ التفكير العادل قد انتصر، ونجد معظم الناس يحاولون إعطاء موافقتهم الشكلية على ذلك المبدأ.

لقد كان سائداً التأكيد على أن جاليليو قد أصبح الأب للعلم الحديث، وذلك باستبداله أسلوب الاستدلال الاستنباطي بالأسلوب التجريبي الوصفي. إلا أنني أعتقد أن ذلك التفسير لن يكون دقيقاً، إذ أنه لا يوجد أسلوب تجريبي مجرد من الأنظمة والمفاهيم الاستنباطية، كما أنه لا يمكن وجود، أي تفكير استنتاجي دون اللجوء إلى التجربة التي ينبع منها ذلك التفكير. وللمقارنة فإن التفكير التجريبي الاستنتاجي هو أسلوب مضلل وكان يبدو غريباً بالنسبة لجاليليو. وحقيقة فإنه لم يتم حتى القرن التاسع عشر إيجاد أنظمة منطقية (رياضية) منفصلة عن العنصر التجريبي بشكل قاطع. إضافة إلى ذلك، فإن الأساليب التجريبية التي أتى بها جاليليو لم تكن كاملة بحيث أن أفضل تخمين كان يغطي ثغرات المعطيات التجربيبة (على سبيل المثال، لم يكن هناك أي أساليب لقياس الأوقات التي تقل عن الثانية). إن التناقض بين المذهب التجريبي والمذهب العقلاني لا يظهر أبداً كمسألة جدلية في عمل جاليليو. إذ أن جاليليو كان ينقض الأساليب الاستنباطية التي اتبعها أرسطو ومناصروه، فقط عندما كان يعتبر مقدمتهما عشوائية أو خالية من حجة دفاع، كما انه لم يكن يوبخ خصومه لاستعمالهم المذهب الاستنباطي. في الحوار الأول، ركز جاليليو في عدة فقرات على أنه، طبقا لأرسطو أيضاً، لا بد من وضع معظم الاستنباطات جانباً إذا ما تعارضت مع النتائج التجريبية. من ناحية أخرى، فإن جاليليو نفسه قد استفاد من الاستنتاج المنطقي، كما أن محاولاته لم تكن موجهة تماماً نحو "الإدراك". إلا أنه ومن أجل الإدراك، لا بدّ من رسم النتائج من نظام منطقي مقبول أصلاً
المصدر

ما هو مفهوم الحرية

ما هو مفهوم الحرية , وهل الإنسان حر ؟
إن هذا المفهوم , ومفهوم الله , ومفهوم والوجود , ومفهوم السببية وبعض المفاهيم القليلة الأخرى هي ألمفاهيم التي شغلت فكر كافة البشر .
في رأي . إن مفهوم الحرية تشكل لدي الإنسان نتيجة الحياة الاجتماعية المتطورة , وهو نتيجة تفكيره المتطور الذي يعتمد السببية , ونتيجة امتلاكه لغة متطورة .
فمفهوم الحرية يعتمد على الإرادة التي هي استجابة وفعل يقوم به الإنسان , وكذلك تملك كافة الكائنات الحية المتطورة الإرادة , ولكنها لا تملك مفهوم الحرية .
وهناك الشعور بالحرية أو الشعور بالقدرة على التعامل مع الخيارات المختلفة والاختيار الإرادي لأحدها . فالإنسان يشعر بأنه حر عندما ممارسته لإرادته في اختيار أحد الخيارات من بين خيارات كثيرة متاحة له . لذلك يصعب إقناع الإنسان بأنه غير حر, لأنه يحس ويشعر أنه حر, والأحاسيس يصعب تكذيبها .
ولكن هل الإنسان حر فعلاٌ ؟

أننا إذا درسنا غالبية خصائص إنسان معين , خصائصه الفزيولوجية والنفسية والفكرية – دوافعه ورغباته .... , ودرسنا العناصر والأوضاع والظروف المادية والاجتماعية والثقافية ..... الموجود فيها .فعلى الأغلب نستطيع التنبؤ بغالبية استجاباته وتصرفاته , ونجدها ناتجة عن العناصر والظروف الموجودة .
وهذا يعني أننا إذا وسعنا دائرة العناصر والتفاعلات , فإننا نجد أن تعامل هذا الإنسان مع الخيارات محكوم بالعناصر والظروف الموجودة , إي إن إرادته موجهة وتابعة لمحصلة تلك العناصر والظروف الداخلية والخارجية الموجودة .

أنا حر .
إن أغلب الأفراد يقولون هذا وهم يؤمنون وواثقون أنهم أحرار, ويشعرون أن لهم إرادة حره .
فهل هم أحرار فعلاً ؟
وما مدى حريتهم ؟
إن كل منا يشعر أنه حر وهو متأكد من ذلك فهو يشعر بحريته في اتخاذ القرارات , وهذا ما يؤكد له أن حر , فالشعور لا يكذب ولا يناقش .
ولكن نتيجة الملاحظة والتجربة والمعارف التي تكوٌنت ونتيجة المحاكمات الفكرية الدقيقة , يصل الكثيرين إلى أن حريتنا مشروطة بكثير من العوامل الداخلية والخارجية , وحكم هؤلاء في رأي أعلى دقة من ناحية انطباقه على الواقع الموضوعي العام .
فالإحساس والشعور الذاتي هو مطلق الصحة بالنسبة لصاحبه وهو مرتبط به وليس عاماً لدى كل البشر, وليس ضرورياً أن يشعر الآخرين بشعوره .
لذلك الحكم العام الذي بقول أن الناس ليسوا أحرار في تصرفاتهم هو أدق وأعلى صحة من الحكم بأن الناس أحرار في ما يريدون أن يفعلوا أو يتصرفوا أو حتى فيما يفكروا , لأنه يمكن التنبؤ بدرجة صحة عالية بتصرفاتهم , إذا قمنا بدراسة خصائصهم ودوافعهم وظروفهم , وهذا ينفي حريتهم بدرجة كبيرة .
ولكن يظل حكم كل منا , بأنه حر هو حكم صحيح بالنسبة له لأن الشعور الذاتي يصعب تكذيبه .

الإرادة والتعامل مع الخيارات
إن أساس الذكاء أو التفكير وكذلك الإدارة والقيادة هو التعامل مع الخيارات و لقد قيل:
"أن الذكاء هو انتقاء البديل الأمثل من ضمن عدة بدائل ( خيارات ) ممكنة في ضوء الغايات المحددة والمعايير المقررة سلفاً"
وهذا معناه أن أساس التفكير هو التعامل مع الخيارات لهدف معين .
وأبسط أنواع التعامل مع الخيارات هو التعامل مع خيارين فقط :
موجود-غير موجود، صح –خطأ، فعل – لا فعل ، مفيد- ضار ، أكبر- أصغر ، قبل – بعد ، نعم – لا ، تريد –لا تريد ، فوق – تحت ، يمين – يسار ، أمام – خلف ، خير – شر ......الخ في هذه الحالات هناك دوماً تعامل مع خيارين فقط، يتم اختيار أحدهم ، أو تعيين أحدهم ، أو تمييز أحدهم .
والعقل البشري يبدأ بالتعامل مع خيارين بفاعلية عالية ، ويستعمل هذه الآلية البسيطة في كافة تعاملاته مع الخيارات الكثيرة والمعقدة والمتداخلة ، وذلك بإرجاعها إلى خيارين فقط يتم تمييز أحدهم عن الآخر, ولإجراء التمييز لابد من المقارنة والقياس ثم الحكم وإصدار القرار .
والكمبيوتر يحاكي العقل البشري في آلية عمله الأساسية ، وهي التعامل مع خيارين فقط ، وبالتالي إرجاع كافة الخيارات الكثيرة والمعقدة إلى خيارين فقط : مفتوح و مغلق أو صفر و واحد .

التعامل مع الخيارات و التفكير الواعي
ذكرنا أن التعامل مع الخيارات هو التفكير بشكل عام ، ويمكن أن نقول أن التعامل مع الخيارات بشكل واع هو التفكير الإرادي البشري
فيمكن أن تتعامل الكثير من البنيات الحية أو غير الحية مع الخيارات دون الوعي ، فالحيوانات تتعامل مع الخيارات بدرجات متفاوتة من الوعي ، ففي حالة الحشرات والكائنات الحية البسيطة ولدى وحيدات الخلية يكون الوعي في أدنى درجاته- إن لم يكن معدوماً- ,كما أن النباتات تتعامل مع الخيارات و بدون وعي .
البنيات غير الحية تتعامل مع الخيارات :
فالنهر أثناء تشكله - تشكل مساره- يتعامل مع الخيارات الفيزيائية ( مواد وقوى ) ويكوَن مجراه ، وكذلك العاصفة ، وكذلك المجموعات الشمسية, و الذرات، وكذلك المورثات.
إن كافة البنيات تتعامل مع الخيارات لأن التعامل مع الخيارات هو محصلة تبادل التأثيرات أو التفاعلات مع البنيات المجاورة أو المؤثرة .
فإذا اعتبرنا أن التفكير هو : التعامل مع الخيارات ومعالجتها - قياسها ومقارنتها وتقييمها - والحكم عليها ثم القيام بالاختيار بناء على ذلك .
نجد أن النبات يفكر , ففي حالة اختياره لنمو الساق نحو الأعلى - الضوء - واتجاه الجذور نحو الأسفل , أي يقوم بالتفكير , وهو مجهز لهذا الاختيار ، وكذلك يقوم النبات بالإزهار أو عدمه بناء على التعامل مع الخيارات المتاحة- شمس وهواء وماء وغذاء - .
فالاختيار بين وضعين أو أكثر هو أساس التفكير، وهو موجود عند النباتات والحيوانات , ونحن إذ نعتمد ذلك يتوضح مفهوم التفكير بشكل أفضل ويتيح لنا بناء أحكام وتنبؤات أعلى دقة .
فنحن نربط بين التفكير والوعي والإدراك، ونرتكز في بنائنا لمفهوم التفكير على طريقة تفكيرنا نحن
وتفكيرنا واسع ومعقد ومتداخل مع الشعور والوعي وآليات عصبية نفسية متطورة .
أي نحن نستخدم مفهوم التفكير بشكل غير واضح وغير مكمم بشكل دقيق ، لذلك لا يتضح لنا التفكير لدى النبات أو لدى بنية الحياة مع أنه موجود ومتطور, لأننا نعتمد تفكيرنا فقط كمرجع لمفهوم التفكير .

التعامل مع الخيارات والحرية
هناك مثل يقول : " صحيح لا تقسم، ومقسوم لا تأكل، و كول لتشبع "
إن هذا المثل يظهر أن الحرية- أو ممارسة الحرية - مرهون بممارسة الخيارات المتاحة ، فإذا لم تكن هناك خيارات متاحة فلن تكون هناك حرية يمكن ممارستها
ومقدار الحرية مرتبط بكمية الخيارات المتاحة
فالمخير بين وضعين أو حالتين حر ولكن الحر أكثر منه المخير بين عشر حالات، والأكثر حرية هو المخير بين ألف حالة, وكلما ازدادت الخيارات المتاحة ازدادت الحرية، وبالتالي ازدادت إمكانية أو احتمال تحقيق الأهداف.
"يقول هيدجر: أن الإنسان عليه أن يختار, وما القدرة على الاختيار إلا تعريف للحرية"

التعامل مع الخيارات هل هو ممارسة الحرية ؟ وجذب الخيارات
نفرض أن لدينا عدة خيارات متاحة لتحقيق هدف معين ونفرض أنها جميعها تسمح بتحقيق الهدف وبالصعوبة نفسها وبالدرجة نفسها تماماً- وهذا نادر جداً في الواقع-
في هذه الحالة هل يمارس تفضيل أثناء اختيار أحدها, إن هذا لن يحدث, لأنه لا يوجد فرق بين هذه الخيارات, وسوف يتم الاختيار عشوائياً.
لنفرض الآن أن هذه الخيارات مختلفة في درجة صعوبتها لتحقيق الهدف في هذه الحالة هل يحدث تفضيل واختيار موجه؟
نقول: نعم في هذه الحالة ستحدث مقارنة وتقييم ثم اختيار أحدها
أي سوف يحدث تنافس بين هذه الخيارات في جذب اتجاه اختيارنا نحو كل منها
والخيار الذي يقوم بأكبر جذب سوف يتم تبنيه وممارسته.
إذاً اختيار أحد الخيارات من بين مجموعة خيارات متاحة يكون حسب قوى الجذب التي يقوم بها هذا الخيار, ويكون تقييم قوى الجذب حسب الوضع الراهن لجسمنا وعقلنا وباقي العوامل الموجودة
وإذا تغير أحد هذه العوامل يمكن أن تتغير نتيجة الاختيار
وأي اختيار نقوم به مرة ثانية يمكن أن تكون نتيجته مختلفة إذا حدثت أية تغيرات لنا أو لتلك الخيارات
أي أن النتيجة المحددة بشكل مطلق لا تحدث إلا مرة واحدة , وعند التكرار تصبح احتمالية, وتابعة للتغيرات الحاصلة.
أما الشعور بالحرية عند ممارسة التعامل مع الخيارات , فهذا تابع لوضعنا الفكري والنفسي
فهذا الشعور تحدثه عناصر وآليات فكرية ونفسية وتربوية معينة , وعند توفرها ينشأ ويحدث لنا
وليس له علاقة مباشرة حتمية بنتيجة اختيارنا
فيمكن أن نكون مسيرين ومتحكّم بنا- ودون ملاحظة ذلك- ومع ذلك نشعر بأننا أحراراً ونمارس حريتنا
ويمكن بالعكس أن نشعر بأننا مقيدين ولسنا أحراراً.
إذاً الشعور بالحرية هو إحساس , والأحاسيس لا تكذٌب , فإذا كنت تشعر بالبرد أو بالفرح أو حلاوة فاكهة أو صوت موسيقى أو لون ... فهذا لا يكذٌب لأنك تعيشه وتحسه وتلمسه , وكذلك الحرية فهي شعور , وإن كان ينتج عن المعارف والتفكير .
نعم يمكن أن تؤثر طريقة ونتيجة اختيارنا بطريق مباشر أو غير مباشر بأحد عناصر أو آليات التفكير العاملة أثناء القيام بالاختيار
ويكون لها دور في اعتماد الاختيار وهذا ما يعقد مفهوم الحرية
فهو متحرك - وتجري له تغذية عكسية-, ويؤثر على قرارات الاختيار تأثيرات متبادلة- متحركة-,
وكذلك يتأثر مع باقي آليات عمل العقل المشاركة بالمعالجة والتقييم والاختيار
وهذا يجعل النتيجة بوضع متبدل متحرك والتعديل محتمل دوماً طالما كانت التفاعلات عاملة
ويمكن لأي آلية عقلية أخرى تظل تعمل أثناء معالجة الخيارات أن تحدث تحريك- تغيير- للنتيجة, مثل تقارب الفروق بين خيارين - أو سبب آخر- يجعل اختيار أحدهم يرجح على اختيار الآخر فيتم اختياره فيؤدي ذلك إلى ترجيح الآخر وهكذا دواليك, وتبقى عملية الاختيار جارية ولا يتم البت بها.

إن الحرية في رأي هي : التحكم بالخيارات المتاحة بشكل شعوري واع
فهناك أمام متخذ القرار- في الدماغ - خيارات متاحة يقوم بمعالجتها وتحديد وتعيين إحداها أو بعضها بشكل واع , وآليات اتخاذ القرارات الواعية واعتماد الخيارات المختارة- المفضلة- تعتمد على عدد من العمليات العقلية أهمها :
عمليات الاستجابة المباشرة والسعي نحو الاستجابة المناسبة للكائن والتي تكون مترافقة مع استجابة حسية شعورية ومقيمة من ناحية اللذة والألم أومن ناحية الإفادة أو الضرر أو من كلاهما معاً.
أو الاستجابة التي تم إشراطها – أي تعلمها- بتحاشي الاستجابات غير المناسبة للكائن أو المؤلمة, أو الاستجابات التي جرى تعلم كفها .
أي يتحكم في اتخاذ القرارات والاستجابات: الإشراط والكف والتعميم... , وهناك تأثير آليات عمل الدوافع والتي يكون أغلبها متوارثاً أي ذو أساس فزيولوجي, بالإضافة إلى الدوافع التي تتشكل نتيجة التعلم والتربية والحياة الاجتماعية.
جذب الأوضاع والمؤثرات أو المثيرات , ودفعنا لتحقيقها
نحن كثيراً ما نلاحظ أننا لا نقرر أهدافنا أو غاياتنا بإرادتنا الذاتية , فالأوضاع والمثيرات والظروف هي التي توجهنا وتحدد غالبية تصرفاتنا وأهدافنا , وهذا يشبه ما يحصل في الكومبيوتر, فالمخلات هي التي تحدد المخرجات بعد معالجتها حسب نظام عمل الكومبيوتر والبرنامج العامل والذي يتضمن أيضاً الذاكرة المخزنة . فالأوضاع أو الظروف تفرض تأثيراتها التي هي بمثابة مدخلات إلى دماغنا , فتعالج حسب آليات ونظام عملة وحسب ما تم تعلمه أي ما خزن في الذاكرة . وكثيراً ما تحدد هذه الظروف ( أو المدخلات ) دوافعنا وأهدافنا وتصرفاتنا .
المصدر

هل العلمانية حل

هل العلمانية حل لمشكلة الأقليات؟
بقلم سلامة كيلة
لا يبدو أن فهماً حقيقياً قد تبلور حول العلمانية إلى الآن، حيث أنها لا تُرى كجزء من صيرورة تكوّن فكري، وتطوّر واقعي، بل كحل لمشكلة موضعية هي مشكلة «الأقليات» الدينية. حيث يجري الانطلاق من أن «تعايش» الأقليات الدينية في وضع تسيطر فيه «الأغلبية» يفرض الحاجة إلى العلمانية. هذه النظرة تُغرق العلمانية في السياق «الطائفي»، لتبدو وكأنها مطلب «الأقليات» الدينية فقط، ومن ثم أن تحققها هو من «كرم» الأغلبية الدينية. هنا يظهر أنها مطمح «الأقليات» الدينية فقط، وليس مطمح المجتمع النازع إلى الحداثة بغضّ النظر عن الأصول الدينية لمواطنيه. وتبدو أنها «مسايرة» لهذه «الأقليات» أكثر منها ضرورة لتطور تاريخي، وصيغة لشكل جديد للدولة يساوق العصر.

وهنا سيبرز أنه لم تكن من حاجة إليها في أوروبا (فرنسا مثلاً، حيث كانت تسيطر الكاثوليكية كدين رسمي). وهي ليست حاجة في باكستان (رغم وجود أقلية شيعية)، أو أكثر في تونس والجزائر والمغرب، حيث يسيطر الإسلام السني (والمذهب المالكي). هي فقط حاجة في بلاد الشام ومصر والعراق حيث تكثر الأديان و»الأقليات» الدينية.

إذن، لماذا نشأت في أوروبا؟ لماذا أصبحت مطمحاً للبورجوازية الصاعدة في فرنسا وألمانيا، بريطانيا وأميركا؟ بغضّ النظر عن الأشكال التي اتخذتها هنا وهناك: «متطرفة» في فرنسا، و»هادئة» في ألمانيا وبريطانيا وأميركا.

لم تنشأ الحاجة إلى العلمانية من وجود «الأقليات» الدينية، بل نشأت نتيجة الصراع على الهيمنة الأيديولوجية بعد نشوء البورجوازية. حيث كانت أيديولوجيا دينية هي المهيمنة قبل نشوء البورجوازية، وأفضى نشوءها إلى تبلور أيديولوجيا جديدة سعت إلى أن تكون هي المهيمنة. وبالتالي كانت العلمانية حلاً لهيمنة الأيديولوجيا التي تقوم على الدين، تستند إلى المقدس. وفي ثنايا ذلك جاء حل مشكلة «الأقليات» الدينية حينما انوجدت (اليهودية في أوروبا)، ولم تكن نتيجة هذا الوجود. وجاءت كنتيجة لتغيير النظر الذي أسس لتطور فكريّ جديد، فرض إعادة صياغة الدولة على أسس جديدة، وكذلك إعادة صياغة الوعي المجتمعي.

لقد جاءت العلمانية كـ «خاتمة» لصيرورة الحداثة، التي بدأت بتغيير النظرة الكوزمولوجينية التي انطلقت من أولوية العالم والكون على الطبيعة (وبضمنها البشر)، حيث انطلقت من الكليات الكبرى (من المجردات)، من العلة الأولى (الله في الدين، والإله في الفلسفة)، ليعاد تأسيسها انطلاقاً من الواقع، من الطبيعة (وبضمنها البشر). وهنا نشأت العقلانية، ليصبح العقل هو الصانع بدل الله. يصبح العقل هو «العلة الأولى». من هنا تبلور مفهوم «إرادة البشر» بعيداً عن أي إرادة فوقها. الأمر الذي فرض إعادة تعريف البشر، كمواطنين وليس كأتباع دين، كمواطنين وليس كطوائف. لتكتمل الدورة بإعادة صياغة الدولة بعيداً عن الدين، كونها تتأسس من إرادة البشر كونهم مواطنين فيها. وكان طبيعياً أن تكون العلمنة هي النتيجة الطبيعية، لأنه كان من الطبيعي أن تنزع الطابع الديني عن الدولة، وأن تتحول الدولة إلى دولة مدنية خاضعة لإرادة البشر. وبالتالي أصبح ممكناً أن تكون دولة ديموقراطية، مادامت إرادة المواطنين هي مصدر السلطات والدستور والقانون.

هذه الصيرورة تشكلت في تضادّ مع الأيديولوجيا السائدة، التي كانت تستمدّ قوتها من الدين. وهو التضادّ بين البورجوازية الناشئة والنظام الإقطاعي القديم. حيث تبلورت رؤية جديدة للعالم تناقض الرؤية القديمة التي سادت طيلة قرون متكئة على الدين. والعلمانية في صُلب هذه الرؤية الجديدة. وإذا كانت العقلانية هي التجاوز لهذه الرؤية في المستوى الفلسفي، فإن «القومية» هي التجاوز لها في مستوى الهوية، حيث جرى الانتقال من التعريف الديني، والتمايز الديني إلى التعريف القومي والتمايز القومي. والعلمنة هي التجاوز لها في مستوى الدولة، حيث لم تعد الدولة هي أداة الله على الأرض، ومنفذة لإرادته، بل أصبحت تنبع من إرادة المواطنين الأحرار. وهو ما أسس لنشوء القوانين المدنية والتعليم المدني. وهو الأمر الذي عنى فصل الدين عن الدنيا، الدين عن الدولة. وبالتالي فصل الدين كطقوس عنه كأيديولوجيا تتضمن تشريعاً «إلهياً»، وصيغة للدولة والسلطة، ولطبيعة العلاقة بينها وبين الرعايا. لتقرّ ممارسة الطقوس الدينية بكل حرية، لكن دون أن يُعنى بالسياسة والدولة. بمعنى أنه تحدّد بكونه شأناً شخصيًا وحرم ممّا هو شأن عام.

لهذا ليس من الممكن أن تنتصر الحداثة دون العلمنة، وليس من وعي حداثي دون أن يكون علمانياً. والوعي العلماني لا يفترض إلغاء الدين، حيث يمكن أن يكون الشخص متديناً وعلمانياً معاً، لأن المسألة تتعلق فقط في كيفية النظر إلى الدين، هل هو «دين ودنيا» أم أنه معتقد فقط؟ وبالتالي فإن العلمانية هي «وعي ذاتي» للأقليات الدينية، ولكن بالأساس للأغلبية الدينية. لأنها تخلٍّ عن «أيديولوجيا»، أي عن منظومة تشريعات ورؤىً تقوم على الدين، لمصلحة تشريعات مدنية حديثة. وهذه تشمل الأغلبية الدينية أولاً، كما تشمل الأقليات الدينية. حيث أنه مطروح لـ «الأغلبية» قبل «الأقليات»، لأن أيديولوجيتها هي المهيمنة. وبالتالي فإن تجاوز هذه الأيديولوجية المهيمنة يلغي «التعارض» مع الأقليات، لأنه يلغي النظرة التي تؤسسها للآخر/الأقليات. حيث يصبح كل من كان من «الأغلبية» ومن «الأقليات» مواطناً، له الحقوق ذاتها. إن إنهاء سيطرة هذه الأيديولوجية يلغي النظرة التي تشكل «الأغلبية» بمعناها الديني، وأيضاً «الأقليات»، لتتحول إلى أديان وطوائف لها الحقوق ذاتها، بعيداً عن المجال العام.

وبالتالي، فإن الأساس هنا هو «الأغلبية» كون أيديولوجيتها هي الأيديولوجيا المهيمنة. لهذا تبدأ العلمنة من «تفكيكها» كأيديولوجيا، وإنهاء هيمنتها. وفي هذا السياق تحل مشكلة الأديان والطوائف الأخرى. وأي تركيز على «الأقليات» كمشكلة تحتاج إلى حل بعيدًا عن رؤية «الأغلبية» هو هروب من رؤية الواقع، لأن المشكلة هي في الأيديولوجيا المهيمنة، التي تنتج التمييز بين المواطنين على أساس الدين والطائفة، لأن نظرتها «الدينية» تفرض أن تنتج هذا التمييز، وتعيد إنتاج الأديان والطوائف ككتل في المجال العام. لهذا فإن هذه الهيمنة هي التي تعيد إنتاج المسألة الطائفية، لأنها تعيد إنتاج النظرة «الدينية» المهيمنة.

فالعلمنة تبدأ من تجاوز النظر الديني في المجال العام. وهذا يفرض تخلي الدولة عن تبني هذا النظر في موقفها من الشعب، لتنطلق من مبدأ المواطنة. والمهيمن على الدولة تاريخياً هو أيديولوجيا «الأغلبية»، لهذا تكون الشريعة هي أساس التشريع، الأمر الذي يفرض حل هذه المشكلة عبر فصل الدين عن الدولة. حيث أن النظر الديني «الأغلبي» يميز بين المواطنين انطلاقاً من الدين ذاته، ومن الاختلاف في الدين (الطوائف)، وأحياناً من الاختلاف في المذهب (الحنفي، المالكي، الحنبلي، الشافعي). إن الأيديولوجيا المهيمنة هي أيديولوجيا «الأغلبية»، حتى في الدول التي تحكم فيها فئات من «الأقلية»، لأن لا شرعية لها إلا عبر تكيفها مع هذه الأيديولوجيا، مادامت لم تحقق العلمنة. إن المشكلة في الوطن العربي هي مع الأيديولوجيا المهيمنة، في الوعي، وفي التشريع، وفي ميلها لإعادة إنتاج سلطتها وتطبيق الشريعة. وهي مشكلة «الأغلبية» و«الأقليات» معاً، لهذا نشأت الميول العلمانية لدى رجال دين من «الأغلبية» (الطهطاوي، الكواكبي، الزهراوي، علي عبد الرازق، أحمد لطفي السيد، طه حسين …)، كما لدى «القليات» (شبلي شميل، فرح أنطون، قسطنطين زريق …). ولاشك في أن التركيز على أيديولوجية «الأغلبية» نابع من كونها الأيديولوجيا المهيمنة حتى الآن، كما كررنا، رغم كل ميول الحداثة التي تغلغلت.

إن النظر إلى العلمانية من زاوية «الأقليات» يتجاهل، إذن، الحداثة بمجملها، ويؤسس لـ «علمانية» مناقضة للعلمانية، لأنها تنطلق من وضع «الأقليات» في التكوين السياسي، وليس من تجاوز الأيديولوجيا المهيمنة، وتأسيس مجتمع مدني حديث يقوم على أساس المواطنة أولاً، وإرادة الشعب ثانياً، وفصل الدين عن الدولة ثالثاً، والديموقراطية رابعاً. وبالتالي يتأسس على دستور وضعيّ وقانون مدني حديث، ليست الشريعة مصدره الرئيسي، أو الوحيد، أو الأول. وهو المجتمع الذي يعيد الأديان إلى وضعية الشأن الشخصي، بعيداً عن الشأن العام. وهنا تحل مشكلة «الأغلبية»، كما مشكلة «الأقليات». إن تجاوز الأيديولوجيا المهيمنة هو الأساس هنا، ومشكلة «الأقليات» تحل في هذا السياق، وليس في أي سياق آخر.
المصدر