السبت، 10 أكتوبر 2009

فصل الدين عن السياسة

الإنسان.. وفصل الدين عن السياسة
فاخر السلطان

عبر التاريخ، دائما ما كان الدين تعبيرا عن القوة وممزوجا بالسلطة السياسية، ولم يكن ذلك عجيبا، بل العجيب أن يطالب البعض في الوقت الراهن بفصل الدين عن السياسة، وبالذات في المجتمعات المسلمة، الأمر الذي يتنافى مع المسار التاريخي للشريعة الإسلامية. فالدين يعتبر أحد القوى الكبرى المؤثرة في تطور وتغير المجتمعات على مر التاريخ، لذا كان اختلاطه بالسياسة أمر طبيعي. وقد كان للدين المسيحي قبل ظهور الإسلام تأثير كبير على إمبراطورية الروم الشرقية بعد أن تبنى الإمبراطور قسطنطين المسيحية دينا للدولة عام 313 وجعل الحكم سلطة سياسية بإيديولوجيا دينية. كذلك كان للدين اليهودي ملوك/ أنبياء مثل داوود وسليمان. فيما شكل نبي الإسلام دولة إسلامية، وأصبح الدين عاملا رئيسيا في توسيع الرقعة الجغرافية للدولة. غير أن الأمور تغيرت في العصر الحديث، وبرز فصل الدين عن السياسة، وتغيّر تأثير الدين على الحياة السياسية بل على مجمل مسائل الحياة.

وهنا نثير التساؤلات التالية: لماذا ظهرت العلمانية في العصر الحديث، وبرزت مسألة فصل الدين عن السياسة؟ وكيف حصلت على تأييد واسع من قبل الإنسان بحيث لم يعارضها أو لم تكن هناك حاجة إلى أدلة على ضرورتها وأهميتها؟ لماذا لم تكن العلمانية حالة طبيعية في الماضي؟ ولماذا كان المزج بين الدين والسياسة من القضايا الطبيعية "البديهية"؟ إن انجازا على صعيد الفكر والثقافة البشرية قد حصل ما أدى إلى ظهور تلك النتيجة.

لاشك أن البشرية حينما تنتقل من مرحلة ثقافية قديمة إلى أخرى جديدة فإن "بديهيات" المرحلة الماضية قد تصبح "غير بديهية" في المرحلة الجديدة، وستتحول قواعد وأسس المرحلة الماضية إلى استثناءات في المرحلة التاريخية الجديدة، وهذه قد تتحول إلى قواعد وأسس جديدة. ومع انتقال البشرية من مرحلة ما قبل الحداثة إلى مرحلة الحداثة في هذا العصر، فإن الكثير من "البديهيات" التاريخية أصبحت استثناءات، في حين ظهرت "بديهيات" جديدة في الواقع الراهن كانت تعتبر في الماضي استثناءات.

إن الدليل على أن مسائل معينة أصبحت "بديهية" في الحياة العامة في عصرنا، هو أنها أصبحت تعتبر ضمن القضايا التي يطلق عليها بالقضايا الطبيعية، أي ما عاد الناس يعتقدون بأنها تتنافر مع الواقع أو أنها تحتاج إلى أدلة تثبت طبيعيّتها. ومن "البديهيات" الراهنة التي ارتبطت بالدين ولم تكن "بديهية" في الماضي، عدم قبول أن يكون الدين وسيلة للاستغلال في أيدي الساسة، وعدم جعله طريقا للثراء.

إن الصراع الذي نشب بين العلم والدين في العالم الغربي في القرون الوسطى كان له تأثير كبير على انتقال الإنسان من مرحلة ثقافية وفكرية معينة (قديمة) إلى أخرى (جديدة)، من مرحلة ما قبل الحداثة إلى مرحلة الحداثة. فالصراع كانت له آثاره على العديد من القضايا والمسائل. والكثير مما احتوى عليه الكتاب المقدس لم يكن يتماشى مع العلوم الجديدة، وهو ما أدى إلى انقسام الناس في تحديد توجهاتهم: إما القبول بما يقوله الإنجيل والتوراة، وإما تأييد العلوم الجديدة. وهو ما أدى مع مرور الوقت إلى حدوث زلزال عنيف في إيمان الغربيين بـ"حقيقة" الكتاب المقدس، الأمر الذي أدى إلى صعوبة عودة الماضي الديني المنهدم واستحالة إصلاح "الحقائق" المنكسرة. فالحياة الفكرية الثقافية انتقلت من مرحلة قديمة إلى أخرى جديدة، تهدمت خلالها "بديهيات" دينية وفكرية معينة وتم تأسيس "بديهيات" جديدة، وتبدّل الفهم الديني والعلمي القديم إلى فهم جديد، وتمّ بناء منظومة جديدة من "الحقائق" تتماشى مع الواقع الجديد بعد أن تم تجاوز "الحقائق" القديمة واعتبارها غير صالحة لكل زمان. بعبارة أخرى، كان الصراع بين العلم والدين صراعا بين "حقيقتين" (أذكته بالدرجة الأولى أفكار كوبرنيكوس وغاليليو حول كروية الأرض ونظرية التطور عند داروين)، وكل واحد منهما كان يدافع عن "حقيقته"، وقد صبت نتيجة ذلك في وعاء تطور العلم وإصلاح الفهم الديني. فالغرب أصبح يعيش راهنا في ظل دين لا يحتكر الحقيقة، وعلم لا يتسلط على الدين أو يسعى إلى إلغائه.

من النتائج المهمة التي أفرزها ذلك الصراع أنّ الإنسان أصبح محورا رئيسيا في جميع قضايا الحياة الحديثة، حيث مع بداية عصر النهضة أصبح احترام حقوق الإنسان ميزانا جديدا يستخدم كوسيلة لقياس جميع القضايا والمسائل، من سياسية وأخلاقية وفكرية ودينية. فجميع الأشياء يجب أن تقاس في إطار احترام حقوق الإنسان لا في إطار "الحقيقة". وحتى "الحقيقة" نفسها لابد أن تخدم الإنسان لا أن تضرّه وتقف في طريق تطوره وتقدمه. ففي عصر ما قبل الحداثة كان الإنسان مستسلما "للحقيقة"، في حين لابد "للحقيقة" في الوقت الراهن أن تستسلم للإنسان.

في الجانب الإسلامي لم تمض الأمور في هذا الاتجاه. فالنظرة الدينية الشمولية غير الإنسانية لا تزال هي المهيمنة. وسبب ذلك هو سيطرة التفسير المناهض للإنسان على الفكر الديني وعدم وجود رؤية واضحة لدى مدرسة التفسير الديني تجاه العالم الحديث والإنسان الجديد. فتفسير الدين لايزال غير حداثي ومناهضا لقيم الحياة الجديدة وحقوق الإنسان، بمعنى أنه لايزال يتبنى الرؤية التاريخية غير الإنسانية للحياة، والتي لا تهتم سوى بتركيب الماضي الاجتماعي الديني على الحاضر، وهو ما أدى إلى أن يصبح التفسير، ليس وحده بل والدين أيضا، غير إنسانيين.

إن معظم أركان المشكلة المتمثلة في أن الدين وتفسيره أصبحا غير إنسانيين، تقع على عاتق الفقه والفقيه. فكيف يمكن لعقيدة الإنسان وآرائه وخصوصياته وحقوقه الفكرية والاجتماعية أن تكون محل احترام وتقدير واعتراف، ما لم تتغير نظرة الفقه والفقيه تجاه الإنسان كإنسان، من أجل استبدال النظرة التاريخية الدونية إلى نظرة حقوقية حديثة تكون فيها حرية الإنسان وكرامته هي الأصل. فمثلا نظرة الفقه والفقيه إلى المرتد لا تزال نظرة قديمة، إذ هي مستندة إلى نظرة اجتماعية تاريخية الغائية، لا نظرة واقعية راهنة تعتمد الحرية والتعايش والتعدد والتنوع أساسا لتفسيرها. كذلك ينطبق الأمر على النظرة الفقهية إلى الكافر والملحد والمسيحي واليهودي، بل كذلك على نظرة الفقه السني أو الشيعي إلى بعض الطوائف الإسلامية كالمتصوفة والإسماعيلية والزيدية. فهل بعد ذلك كله يحق للفقيه التاريخي أن يدعي بأنه يحترم حقوق الإنسان؟

إن نظرة الفقيه إلى الإنسان يجب أن تتبدل، ومن شأن ذلك أن يساعد على الدخول إلى واقع الإنسان الجديد، كما سيسهل عملية تغيير أصول الفقه وأحكامه، من أجل أن يصار إلى احترام الدين أو التفسير الديني لحقوق الإنسان. وبغير ذلك، لا نستطيع إلا أن نزعم بأن ديننا الذي فهمناه من خلال الفقهاء والمفسرين هو دين غير إنساني


المصدر

انشتاين

ألبرت أينشتاين (1879-1955)

ألبرت أينشتاين (Albert Einstein)عالم فيزيائي ومؤسس النظرية النسبية، وصائغ عدد من النظريات الفيزيائية الأخرى. ويدين الناس في عالم اليوم لأينشتاين بشكل كبير في تصورهم عن المكان والزمان. ذلك بالرغم من أنه لم ينجح في الالتحاق بالجامعة إلا في المحاولة الثانية!

ولد أينشتين لأبوين يهوديين في ألمانيا التي عاش فيها. وقد كان أينشتاين في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث كان محاضرا زائرا، حين وصل أدولف هتلر إلى السلطة في ألمانيا عام 1933. وبقي في الولايات المتحدة واستقر في مدينة برنستون خوفا من الإرهاب الفاشي الذي جعل من أينشتاين هدفا له.

صاغ أينشتاين نظريته الأولى عن الحركة البراونية في العام 1901. وفي العام 1905 صاغ نظريته عن الظاهرة الكهروضوئية، وصاغ النظرية النسبية الخاصة في نفس العام. وفي العام 1916 نشر مؤلفه عن النظرية النسبية العامة، وله العديد من النظريات الأخرى. حصل أينشتاين على جائزة نوبل للفيزياء في العام 1921، عن أعمال غير النظرية النسبية.

إن مقدمة أينشتاين لكتاب غاليليو التي تم اختيارها لهذا الكتاب هي محاولة للتعرف، من مصدر ثانوي، على أفكار جاليليو جاليلي، عالم الفلك الإيطالي الشهير، الذي ولد في مدينة بيزا في العام 1564.

وجد غاليليو في أبحاثه ما يدعم وجهة نظر كوبيرنيكوس القائلة بان الشمس هي مركز الكون وبان الأرض تدور حولها. وفي عام 1616 اضطر غاليليو أن يعد بهجر نظريته. لكن ذلك لم يدم، حين نشر كتابه (Saggiatore) وجاهر بأفكاره في كتابه "حوار بين منظومتين عالميتين" الذي صدر في العام 1932. ودعي جاليليو إلى روما إثر ذلك، لينكر تأكيده على نظرية كوبيرنوكوس، وقد فعل ذلك تحت التهديد. وهناك رواية، غير صحيحة في الغالب، تقول إنه أضاف بعد إنكاره الرسمي لهذه النظرية قائلا: "لكنها في كل الأحوال تدور!" (عن الأرض).

أينشتاين: مقدمة لكتاب جاليليو جاليليي

"حوار بخصوص النظامين الرئيسيين: نظام بطليموس والنظام الكوبيرنكي"

يعتبر عمل جاليليو المسمى "حوار بخصوص النظامين العالميين الرئيسيين ..." منجما من المعلومات لكل إنسان معني بالتاريخ الحضاري للعالم الغربي وأثره على النمو الاقتصادي والسياسي.

هنا ينكشف إنسان يملك إرادة ملتهبة وذكاء عقلانيا وشجاعة ليقف ممثلاً للتفكير العقلاني أمام جمع من هؤلاء الذين باعتمادهم على جهل الناس وتراخي المدرسين في زي الكاهن والعالم، يحافظون على مراكز سلطتهم ويدافعون عنها. إن موهبة غاليليو الأدبية الفائقة مكنته من مخاطبة المتعلمين من رجال عصره بلغة واضحة مؤثرة من أجل التغلب على تفكير معاصريه الأسطوري والمتمركز حول الإنسان، ومن الرجوع بهم باتجاه رأي موضوعي سببي بخصوص النظام الكامل المتناغم للكون (الكوسموس)، ذلك النظام الذي فقدته الإنسانية مع تدهور الحضارة اليونانية.

عندما أتحدث بهذه الطريقة، فإنني أدرك أنني أنا أيضاً أقع في المنزلق العام الذي يقع فيه هؤلاء السكارى بإخلاصهم، الذين يبالغون في تعظيم مكانة أبطالهم. قد يكون صحيحاً أن شلل العقل خلال القرن السابع عشر، والناتج عن التقليد السلطوي المتصلب الذي جلبته عصور الظلمات القروسطية[1][1] كان قد إنحسر إلى حد انه لم يكن باستطاعة قيود التراث لمفكري القدم ان تصمد مدة أطول، مع أو بدون جاليليو.

وبالرغم من ذلك فإن هذه الشكوك تتعلق فقط بجزء صغير من المشكلة العامة المختصة بالمدى الذي يمكن أن تتأثر به حقبة من التاريخ ببعض الأفراد الذين تثير ميزاتهم فينا الانطباع بأنها [الميزات] متفردة أو مصادفة، الذين لم يكن تواجدهم في تلك الفترة إلا بمحض الصدفة. وكما هو مفهوم، فإن عصرنا هذا ينظر نظرة متشككة أكثر من النظرة التي كانت سائدة في القرن الثامن عشر أو النصف الأول من القرن التاسع عشر، إلى دور الفرد. فالتخصصات العميقة في المهن والمعرفة، تجعل الفرد يظهر كـ "قابل للتبديل" كأي جزء من آلة يتم إنتاجها بالجملة.

لحسن الحظ، إن تقديرنا لكتاب "حوار ..." كوثيقة تاريخية لا يعتمد على موقفنا من تلك الأسئلة المخاطِرة. بداية، إن "حوار ..." يعطي تفسيراً حياً ومقنعاً لأبعد الحدود لتلك الآراء التي كانت سائدة والمتعلقة بتركيب الكوسموس بعامة. إن التصور السائد لشكل الأرض كقرص مسطح بالإضافة إلى بعض الأفكار المهمة المتعلقة بالفضاء المليء بالنجوم وبتحركات الأجسام السماوية الذي كان سائدا في بداية العصور الوسطى، كان يمثل تدهورا للمفاهيم اليونانية القديمة، وبشكل خاص لأفكار أرسطو ولمفهوم بطليموس المكاني والمتماسك المتعلق بالأجسام السماوية وتحركاتها: التصور السائد حول العالم في عصر جاليليو يمكن وصفه كما يلي:

هناك فضاء وفيه توجد نقطة مفضلة هي مركز الكون. المادة، على الأقل الجزء الأكثف منها، يميل للاقتراب إلى أقرب حد ممكن من هذه النقطة. وتبعاً لذلك، فقد اتخذت المادة شكلاً مقارباً (مشابهاً) للشكل الدائري (الأرض). وانطلاقاً من هذه المعلومة حول الأرض، فإن مركز تلك الكرة يتطابق عملياً مع مركز الكرة السماوية (الكون). أما الشمس، والقمر والنجوم فكلها محمية من السقوط باتجاه مركز الكون، حيث إنها مربوطة بقواقع كروية متصلبة شفافة تتطابق مراكزها مع مركز الكون "الفضاء". هذه القواقع الكروية تدور حول الكرة الأرضية الثابتة (أو مركز الكون) بسرعات زاويّة قليلة الاختلاف. قوقعة القمر هي صاحبة أصغر نصف قطر، وتحيط بعالم ما تحت القمر. أما القواقع الخارجية بأجسامها السماوية فتمثل "العالم السماوي"، والتي توصف أجسامها بأنها أبدية، غير قابلة للانهدام أو التبدل وذلك مقارنة بـ "الكرة الأرضية السفلى" الموجودة داخل قوقعة القمر، بالهيكل القمري الذي يحتوي على كل ما هو مؤقت زائل فانٍ وقابل للإفساد.

بطبيعة الحال، لا يمكن لنا أن نلقي اللوم بشأن هذه النظرة الساذجة على الفلكيين اليونان الذين في تصويرهم لتحركات الأجسام السماوية، استعملوا تراكيب هندسية مجردة، ازداد تعقيدها بازدياد دقة المراقبات الفلكية. وبسبب عدم توفر نظرية للميكانيكا حاولوا تقليص التحركات المعقدة (الظاهرة) إلى أبسط حركات أمكنهم تصورها، وبالتحديد إلى حركات دائرية موحدة وتراكيب منتظمة. إن التعلق بفكرة أن الحركة الدائرية هي الحركة الطبيعية بحق كانت ما تزال واضحة التميز عند جاليليو، وربما تكون هي المسؤولة عن عدم إدراك جاليليو الكامل لقانون القصور الذاتي وأهميته الضرورية.

وهكذا باختصار كُيّفت أفكار اليونان مع ذهنية الأوروبيين البربرية البدائية لذلك الوقت. كما ورغم ان الأفكار الهيلينية هذه ليست سببية، فقد كانت موضوعية وحرة من الآراء ذات النظرة الإحيائية، أو خالية من الآراء الروحية، وهذه فضيلة يمكن ان ننسبها لكونية (كوسمولوجية) أرسطو.

إن جاليليو في دفاعه عن النظرية الكوبرنيكية لم يكن فقط مدفوعا بدافع تبسيط التصور عن الحركات السماوية. فقد كان هدفه ان يستبدل النظام الفكري المتحجر والعقيم ببحث جدي عن فهم أعمق وأثبت بخصوص الحقائق الفيزيائية (الطبيعية) والفلكية.

إن شكل الحوار المستعمل في عمله قد يكون جزئياً نتيجة لمثال أفلاطون الساطع. فقد مكن جاليليو من استخدام موهبته الأدبية غير العادية في خلق مواجهة حادة وفعالة بين الآراء. بالتأكيد انه أراد أن يتفادى التزاماً مفتوحاً حول هذه الأسئلة الخلافية، مما كان يقوده إلى الدمار بأيدي محاكم التفتيش. في الحقيقة، كان جاليليو ممنوعا بوضوح من المدافعة عن النظرية الكوبرنيكية. وبغض النظر عما يحويه الحوار من حقائق ثورية، فإنه يمثل محاولة خبيثة، ظاهرياً تستجيب لذلك الطلب، وتتجاهله في الواقع. ولسوء الحظ فقد تبين بأن محاكم التفتيش لم تستطع أن تقدر مزاحا بهذه الدقة حق قدره.

إن نظرية الأرض الثابتة كانت قائمة على الفرضية القائلة بأنه يوجد مركز مجرد للكون، وكان الافتراض بان ذلك المركز يسبب سقوط الأجسام الثقيلة على سطح الأرض. إذ ان تلك الأجسام المادية لها ميل للاقتراب من مركز الكون بقدر ما تسمح به "لا-اختراقية الأرض". هذا يؤدي إلى شكل الأرض شبه الدائري.

يعترض جاليليو على تقديم أرضية ذلك "اللاشيْ" (مركز الكون) والذي من المفترض أن يفعل في الأجسام المادية، معتبراً ذلك غير كاف أبداً.

إلا أنه يوجه الانتباه إلى حقيقة أن هذه الفرضية غير المرضية تنجز اقل بكثير من المطلوب منها. فعلى الرغم من انها تعطي تفسيراً لكروية للأرض إلا انها لا تفسر الشكل الكروي للأجسام السماوية الأخرى. ومع ذلك، فإن دورات القمر والزهرة، والتي اكتشفها لاحقاً بواسطة التلسكوب المخترع حديثاً، أثبتت الشكل الكروي لهذين الجسمين السماويين، كما وأثبتت المراقبات الدقيقة للبقع الشمسية نفس النتيجة بالنسبة للشمس. والحقيقة، إنه لم يبق هناك أي شك في زمن جاليليو بشأن الشكل الكروي للكواكب والنجوم.

وعليه، فإن فرضية "مركز الكون" لا بد أن تستبدل بفرضية أخرى تكون قادرة على تفسير الشكل الكروي للنجوم أيضاً وليس فقط للأرض. يقول جاليليو، بوضوح، إنه لا بد من وجود نوع من التفاعل (الميل نحو التقارب المتبادل) في المادة المكونة للنجم، والسبب نفسه يكون مسؤولاً (بعد التخلي عن فرضية "مركز الكون") عن السقوط الحر للأجسام الثقيلة على سطح الأرض.

دعوني أضيف هنا أن تشابهاً قريباً يكمن بين رفض جاليليو لفرضية أن للكون مركزاً كتفسير لسقوط الأجسام الثقيلة، وبين رفض فرضية نظام قاصر ذاتيا كتفسير للسلوك القاصر ذاتيا للمادة. (الفرضية الأخيرة هي القاعدة التي تتركز عليها النظرية النسبية العامة). والمشترك بين الفرضيتين هو تقديم جسم مفهومي له الخصائص التالية:

1. ليس من المفترض فيه ان يكون حقيقيا، كالمادة ذات الثقل (أو الحقل).

2. انه يحكم سلوك الأجسام الحقيقية، إلا أنه لا يتأثر بها أبداً.

إن تقديم هذه العناصر المفهومية، بالرغم من أنها ليست ممنوعة تماما، من وجهة نظر منطقية محضة، منفّر للغريزة العلمية.

لقد استطاع جاليليو أيضاً إدراك أن تأثير الجاذبية على سقوط الأجسام الحر في تسارع، عموديا بقيمة ثابتة، مثلما يمكن تركيب الحركة الأفقية غير المتسارعة فوق هذه الحركة المتسارعة.

إن هذه الاكتشافات تتضمن بالضرورة، على الأقل بشكل نوعي، أسس النظرية التي صاغها نيوتن في وقت لاحق. لكن قبل كل شيء فإن الصيغة العامة لمبدأ القصور الذاتي ناقصة، على الرغم من انه قد كان من السهل الحصول على ذلك من قانون جاليليو لسقوط الأجسام مع معيقات (التحول إلى التسارع العمودي المتلاشي). إن الفكرة الناقصة هنا أيضا هي ان نفس المادة التي تشكل التسارع العمودي على سطح جسم سماوي تستطيع ان تؤدي إلى تسارع أجسام سماوية أخرى. كما أن جميع تلك التسارعات يمكن ان تشكل مع القصور الذاتي حركات دورانية. بيد انه تم الوصول إلى معرفة أن وجود المادة (الأرض) يسبب تسارع الأجسام الحرة (على سطح الأرض).

من الصعب علينا اليوم أن نقدر المجهود الهائل الذي بذل في تحديد صياغة مفهوم التسارع وفي إدراك أهميته الفيزيائية (الطبيعية).

كون مفهوم "مركزية الكون" قد رُفض، ولسبب معقول، فقد تم أيضاً سحب فكرة ثبات الأرض، وبشكل عام فكرة دور الأرض الاستثنائي لم تعد مبررة. إن السؤال حول ما يجب اعتباره "ثابتاً" حين وصف حركة الأجسام السماوية أصبح سؤالاً ملحاً وتبعاً لـ أرستاركوس وكوبرنيكوس، فقد تم توضيح حسنات اعتبار الشمس في حالة ثبات (وكما قال جاليليو فإن ذلك ليس إجماعاً تاماً ولكنه فرضية إما صحيحة أو خاطئة). وبشكل طبيعي، يمكن الجدل أن افتراض دوران الأرض حول محورها أسهل من افتراض دوران جميع النجوم الثابتة حول الأرض إضافة إلى ذلك، فإن الافتراض القائل بدوران الأرض حول الشمس يجعل حركات الكواكب الداخلية والخارجية تظهر متشابهة، وتُلغى بالتحركات التراجعية للكواكب الخارجية، أو أن ينسب تفسيرهم إلى حركة الأرض حول الشمس.

ومهما كانت هذه النقاشات مقنعة، وبشكل خاص في ظل الحالة التي اكتشفها جاليليو بأن كوكب المشتري بجميع أقماره يمثل نظاماً كوبرنيكياً بشكل مصغر، فانها [النقاشات] ما زالت ذات طبيعة نوعية. فبما أننا [البشر] مرتبطون بالأرض، فإن ملاحظاتنا لن تكشف أبداً بشكل مباشر تحركات الكواكب "الحقيقية"، وإنما سيكون فقط باستطاعتنا ان نلحظ نقطة تقاطع خطوط الرؤية (الأرض- الكواكب) مع "مدار النجم الثابت". لقد اصبح وجود دعائم خارجة على النقاشات النوعية ممكناً فقط بعد تحديد "المدارات الحقيقية" للكواكب: إحدى المشاكل التي كان من الصعب تخطيها، والتي قام كيبلر بحلها (خلال الفترة التي عاش فيها جاليليو) بأسلوب بارع. إلا أن ذلك التقدم الحاسم لم يترك أثراً في عمل جاليليو الحياتي للتذكير بالحقيقية القائلة بأن الأفراد المبدعين غالبا ما يكونون غير متفتحين.

لقد بذل جاليليو مجهوداً كبيراً كي يثبت أن الحقيقية القائلة بأننا لا نستطيع أن نلحظ أي تأثيرات ميكانيكة لتلك التحركات لا تدحض نظرية دوران الأرض. وبشكل دقيق، فإن إثباتاً كهذا كان مستحيلاً لأن النظرية الميكانيكية كانت ناقصة. وأنا أعتقد أن معالجة جاليليو لهذه المشكلة أثبتت إبداعه بقوة خاصة. كان جاليليو، طبعاً، معنيا بإثبات أن النجوم الثابتة بعيدة جداً، بحيث لا يمكن اكتشافها من خلال التغيير الظاهري الناتج عن الحركة السنوية للأرض بواسطة أدوات القياس في عصره. إن ذلك البحث هو نوع من الإبداع أيضاً، بغض النظر عن بدائيته.

لقد كان جاليليو يهدف لإيجاد إثبات ميكانيكي لحركة الأرض، ما أدى به لصياغة نظرية خاطئة عن المد والجزر. وقد كان صعباً جداً على جاليليو أن يتقبل المحاججات الجميلة التي وردت في محادثته الأخيرة كإثباتات، لولا أن مزاجه لم يساعده في إظهار الأفضل عنده. إنه من الصعب علي أن أقاوم الإغراء في التعامل مع ذلك الموضوع بشكل أوسع.

إن الصبغة التي أستطيع إدراكها في عمل جاليليو المهني هي المعركة الانفعالية ضد أي نوع من أنواع المبادئ الدوغمائية المستندة إلى السلطة. لقد كانت الخبرة والتفكير الحذر هما الشيئين الوحيدين اللذين تقبلهما جاليليو كمقياس للحقيقة. من الصعب علينا اليوم أن نفهم مدى تطرف ذلك الرأي الذي أظهره جاليليو في عصره، عندما كان الشك في حقيقة الآراء التي لا أساس لها سوى التسلط، يعتبر أعظم جريمة يحاسب عليها. في الحقيقة نحن لسنا بعيدين بأي حال من الأحوال عن ذلك الوضع، حتى في هذه الأيام، حيث يحاول كل منا إشباع غروره. إلا أنه نظرياً، على الأقل، فإن مبدأ التفكير العادل قد انتصر، ونجد معظم الناس يحاولون إعطاء موافقتهم الشكلية على ذلك المبدأ.

لقد كان سائداً التأكيد على أن جاليليو قد أصبح الأب للعلم الحديث، وذلك باستبداله أسلوب الاستدلال الاستنباطي بالأسلوب التجريبي الوصفي. إلا أنني أعتقد أن ذلك التفسير لن يكون دقيقاً، إذ أنه لا يوجد أسلوب تجريبي مجرد من الأنظمة والمفاهيم الاستنباطية، كما أنه لا يمكن وجود، أي تفكير استنتاجي دون اللجوء إلى التجربة التي ينبع منها ذلك التفكير. وللمقارنة فإن التفكير التجريبي الاستنتاجي هو أسلوب مضلل وكان يبدو غريباً بالنسبة لجاليليو. وحقيقة فإنه لم يتم حتى القرن التاسع عشر إيجاد أنظمة منطقية (رياضية) منفصلة عن العنصر التجريبي بشكل قاطع. إضافة إلى ذلك، فإن الأساليب التجريبية التي أتى بها جاليليو لم تكن كاملة بحيث أن أفضل تخمين كان يغطي ثغرات المعطيات التجربيبة (على سبيل المثال، لم يكن هناك أي أساليب لقياس الأوقات التي تقل عن الثانية). إن التناقض بين المذهب التجريبي والمذهب العقلاني لا يظهر أبداً كمسألة جدلية في عمل جاليليو. إذ أن جاليليو كان ينقض الأساليب الاستنباطية التي اتبعها أرسطو ومناصروه، فقط عندما كان يعتبر مقدمتهما عشوائية أو خالية من حجة دفاع، كما انه لم يكن يوبخ خصومه لاستعمالهم المذهب الاستنباطي. في الحوار الأول، ركز جاليليو في عدة فقرات على أنه، طبقا لأرسطو أيضاً، لا بد من وضع معظم الاستنباطات جانباً إذا ما تعارضت مع النتائج التجريبية. من ناحية أخرى، فإن جاليليو نفسه قد استفاد من الاستنتاج المنطقي، كما أن محاولاته لم تكن موجهة تماماً نحو "الإدراك". إلا أنه ومن أجل الإدراك، لا بدّ من رسم النتائج من نظام منطقي مقبول أصلاً
المصدر

ما هو مفهوم الحرية

ما هو مفهوم الحرية , وهل الإنسان حر ؟
إن هذا المفهوم , ومفهوم الله , ومفهوم والوجود , ومفهوم السببية وبعض المفاهيم القليلة الأخرى هي ألمفاهيم التي شغلت فكر كافة البشر .
في رأي . إن مفهوم الحرية تشكل لدي الإنسان نتيجة الحياة الاجتماعية المتطورة , وهو نتيجة تفكيره المتطور الذي يعتمد السببية , ونتيجة امتلاكه لغة متطورة .
فمفهوم الحرية يعتمد على الإرادة التي هي استجابة وفعل يقوم به الإنسان , وكذلك تملك كافة الكائنات الحية المتطورة الإرادة , ولكنها لا تملك مفهوم الحرية .
وهناك الشعور بالحرية أو الشعور بالقدرة على التعامل مع الخيارات المختلفة والاختيار الإرادي لأحدها . فالإنسان يشعر بأنه حر عندما ممارسته لإرادته في اختيار أحد الخيارات من بين خيارات كثيرة متاحة له . لذلك يصعب إقناع الإنسان بأنه غير حر, لأنه يحس ويشعر أنه حر, والأحاسيس يصعب تكذيبها .
ولكن هل الإنسان حر فعلاٌ ؟

أننا إذا درسنا غالبية خصائص إنسان معين , خصائصه الفزيولوجية والنفسية والفكرية – دوافعه ورغباته .... , ودرسنا العناصر والأوضاع والظروف المادية والاجتماعية والثقافية ..... الموجود فيها .فعلى الأغلب نستطيع التنبؤ بغالبية استجاباته وتصرفاته , ونجدها ناتجة عن العناصر والظروف الموجودة .
وهذا يعني أننا إذا وسعنا دائرة العناصر والتفاعلات , فإننا نجد أن تعامل هذا الإنسان مع الخيارات محكوم بالعناصر والظروف الموجودة , إي إن إرادته موجهة وتابعة لمحصلة تلك العناصر والظروف الداخلية والخارجية الموجودة .

أنا حر .
إن أغلب الأفراد يقولون هذا وهم يؤمنون وواثقون أنهم أحرار, ويشعرون أن لهم إرادة حره .
فهل هم أحرار فعلاً ؟
وما مدى حريتهم ؟
إن كل منا يشعر أنه حر وهو متأكد من ذلك فهو يشعر بحريته في اتخاذ القرارات , وهذا ما يؤكد له أن حر , فالشعور لا يكذب ولا يناقش .
ولكن نتيجة الملاحظة والتجربة والمعارف التي تكوٌنت ونتيجة المحاكمات الفكرية الدقيقة , يصل الكثيرين إلى أن حريتنا مشروطة بكثير من العوامل الداخلية والخارجية , وحكم هؤلاء في رأي أعلى دقة من ناحية انطباقه على الواقع الموضوعي العام .
فالإحساس والشعور الذاتي هو مطلق الصحة بالنسبة لصاحبه وهو مرتبط به وليس عاماً لدى كل البشر, وليس ضرورياً أن يشعر الآخرين بشعوره .
لذلك الحكم العام الذي بقول أن الناس ليسوا أحرار في تصرفاتهم هو أدق وأعلى صحة من الحكم بأن الناس أحرار في ما يريدون أن يفعلوا أو يتصرفوا أو حتى فيما يفكروا , لأنه يمكن التنبؤ بدرجة صحة عالية بتصرفاتهم , إذا قمنا بدراسة خصائصهم ودوافعهم وظروفهم , وهذا ينفي حريتهم بدرجة كبيرة .
ولكن يظل حكم كل منا , بأنه حر هو حكم صحيح بالنسبة له لأن الشعور الذاتي يصعب تكذيبه .

الإرادة والتعامل مع الخيارات
إن أساس الذكاء أو التفكير وكذلك الإدارة والقيادة هو التعامل مع الخيارات و لقد قيل:
"أن الذكاء هو انتقاء البديل الأمثل من ضمن عدة بدائل ( خيارات ) ممكنة في ضوء الغايات المحددة والمعايير المقررة سلفاً"
وهذا معناه أن أساس التفكير هو التعامل مع الخيارات لهدف معين .
وأبسط أنواع التعامل مع الخيارات هو التعامل مع خيارين فقط :
موجود-غير موجود، صح –خطأ، فعل – لا فعل ، مفيد- ضار ، أكبر- أصغر ، قبل – بعد ، نعم – لا ، تريد –لا تريد ، فوق – تحت ، يمين – يسار ، أمام – خلف ، خير – شر ......الخ في هذه الحالات هناك دوماً تعامل مع خيارين فقط، يتم اختيار أحدهم ، أو تعيين أحدهم ، أو تمييز أحدهم .
والعقل البشري يبدأ بالتعامل مع خيارين بفاعلية عالية ، ويستعمل هذه الآلية البسيطة في كافة تعاملاته مع الخيارات الكثيرة والمعقدة والمتداخلة ، وذلك بإرجاعها إلى خيارين فقط يتم تمييز أحدهم عن الآخر, ولإجراء التمييز لابد من المقارنة والقياس ثم الحكم وإصدار القرار .
والكمبيوتر يحاكي العقل البشري في آلية عمله الأساسية ، وهي التعامل مع خيارين فقط ، وبالتالي إرجاع كافة الخيارات الكثيرة والمعقدة إلى خيارين فقط : مفتوح و مغلق أو صفر و واحد .

التعامل مع الخيارات و التفكير الواعي
ذكرنا أن التعامل مع الخيارات هو التفكير بشكل عام ، ويمكن أن نقول أن التعامل مع الخيارات بشكل واع هو التفكير الإرادي البشري
فيمكن أن تتعامل الكثير من البنيات الحية أو غير الحية مع الخيارات دون الوعي ، فالحيوانات تتعامل مع الخيارات بدرجات متفاوتة من الوعي ، ففي حالة الحشرات والكائنات الحية البسيطة ولدى وحيدات الخلية يكون الوعي في أدنى درجاته- إن لم يكن معدوماً- ,كما أن النباتات تتعامل مع الخيارات و بدون وعي .
البنيات غير الحية تتعامل مع الخيارات :
فالنهر أثناء تشكله - تشكل مساره- يتعامل مع الخيارات الفيزيائية ( مواد وقوى ) ويكوَن مجراه ، وكذلك العاصفة ، وكذلك المجموعات الشمسية, و الذرات، وكذلك المورثات.
إن كافة البنيات تتعامل مع الخيارات لأن التعامل مع الخيارات هو محصلة تبادل التأثيرات أو التفاعلات مع البنيات المجاورة أو المؤثرة .
فإذا اعتبرنا أن التفكير هو : التعامل مع الخيارات ومعالجتها - قياسها ومقارنتها وتقييمها - والحكم عليها ثم القيام بالاختيار بناء على ذلك .
نجد أن النبات يفكر , ففي حالة اختياره لنمو الساق نحو الأعلى - الضوء - واتجاه الجذور نحو الأسفل , أي يقوم بالتفكير , وهو مجهز لهذا الاختيار ، وكذلك يقوم النبات بالإزهار أو عدمه بناء على التعامل مع الخيارات المتاحة- شمس وهواء وماء وغذاء - .
فالاختيار بين وضعين أو أكثر هو أساس التفكير، وهو موجود عند النباتات والحيوانات , ونحن إذ نعتمد ذلك يتوضح مفهوم التفكير بشكل أفضل ويتيح لنا بناء أحكام وتنبؤات أعلى دقة .
فنحن نربط بين التفكير والوعي والإدراك، ونرتكز في بنائنا لمفهوم التفكير على طريقة تفكيرنا نحن
وتفكيرنا واسع ومعقد ومتداخل مع الشعور والوعي وآليات عصبية نفسية متطورة .
أي نحن نستخدم مفهوم التفكير بشكل غير واضح وغير مكمم بشكل دقيق ، لذلك لا يتضح لنا التفكير لدى النبات أو لدى بنية الحياة مع أنه موجود ومتطور, لأننا نعتمد تفكيرنا فقط كمرجع لمفهوم التفكير .

التعامل مع الخيارات والحرية
هناك مثل يقول : " صحيح لا تقسم، ومقسوم لا تأكل، و كول لتشبع "
إن هذا المثل يظهر أن الحرية- أو ممارسة الحرية - مرهون بممارسة الخيارات المتاحة ، فإذا لم تكن هناك خيارات متاحة فلن تكون هناك حرية يمكن ممارستها
ومقدار الحرية مرتبط بكمية الخيارات المتاحة
فالمخير بين وضعين أو حالتين حر ولكن الحر أكثر منه المخير بين عشر حالات، والأكثر حرية هو المخير بين ألف حالة, وكلما ازدادت الخيارات المتاحة ازدادت الحرية، وبالتالي ازدادت إمكانية أو احتمال تحقيق الأهداف.
"يقول هيدجر: أن الإنسان عليه أن يختار, وما القدرة على الاختيار إلا تعريف للحرية"

التعامل مع الخيارات هل هو ممارسة الحرية ؟ وجذب الخيارات
نفرض أن لدينا عدة خيارات متاحة لتحقيق هدف معين ونفرض أنها جميعها تسمح بتحقيق الهدف وبالصعوبة نفسها وبالدرجة نفسها تماماً- وهذا نادر جداً في الواقع-
في هذه الحالة هل يمارس تفضيل أثناء اختيار أحدها, إن هذا لن يحدث, لأنه لا يوجد فرق بين هذه الخيارات, وسوف يتم الاختيار عشوائياً.
لنفرض الآن أن هذه الخيارات مختلفة في درجة صعوبتها لتحقيق الهدف في هذه الحالة هل يحدث تفضيل واختيار موجه؟
نقول: نعم في هذه الحالة ستحدث مقارنة وتقييم ثم اختيار أحدها
أي سوف يحدث تنافس بين هذه الخيارات في جذب اتجاه اختيارنا نحو كل منها
والخيار الذي يقوم بأكبر جذب سوف يتم تبنيه وممارسته.
إذاً اختيار أحد الخيارات من بين مجموعة خيارات متاحة يكون حسب قوى الجذب التي يقوم بها هذا الخيار, ويكون تقييم قوى الجذب حسب الوضع الراهن لجسمنا وعقلنا وباقي العوامل الموجودة
وإذا تغير أحد هذه العوامل يمكن أن تتغير نتيجة الاختيار
وأي اختيار نقوم به مرة ثانية يمكن أن تكون نتيجته مختلفة إذا حدثت أية تغيرات لنا أو لتلك الخيارات
أي أن النتيجة المحددة بشكل مطلق لا تحدث إلا مرة واحدة , وعند التكرار تصبح احتمالية, وتابعة للتغيرات الحاصلة.
أما الشعور بالحرية عند ممارسة التعامل مع الخيارات , فهذا تابع لوضعنا الفكري والنفسي
فهذا الشعور تحدثه عناصر وآليات فكرية ونفسية وتربوية معينة , وعند توفرها ينشأ ويحدث لنا
وليس له علاقة مباشرة حتمية بنتيجة اختيارنا
فيمكن أن نكون مسيرين ومتحكّم بنا- ودون ملاحظة ذلك- ومع ذلك نشعر بأننا أحراراً ونمارس حريتنا
ويمكن بالعكس أن نشعر بأننا مقيدين ولسنا أحراراً.
إذاً الشعور بالحرية هو إحساس , والأحاسيس لا تكذٌب , فإذا كنت تشعر بالبرد أو بالفرح أو حلاوة فاكهة أو صوت موسيقى أو لون ... فهذا لا يكذٌب لأنك تعيشه وتحسه وتلمسه , وكذلك الحرية فهي شعور , وإن كان ينتج عن المعارف والتفكير .
نعم يمكن أن تؤثر طريقة ونتيجة اختيارنا بطريق مباشر أو غير مباشر بأحد عناصر أو آليات التفكير العاملة أثناء القيام بالاختيار
ويكون لها دور في اعتماد الاختيار وهذا ما يعقد مفهوم الحرية
فهو متحرك - وتجري له تغذية عكسية-, ويؤثر على قرارات الاختيار تأثيرات متبادلة- متحركة-,
وكذلك يتأثر مع باقي آليات عمل العقل المشاركة بالمعالجة والتقييم والاختيار
وهذا يجعل النتيجة بوضع متبدل متحرك والتعديل محتمل دوماً طالما كانت التفاعلات عاملة
ويمكن لأي آلية عقلية أخرى تظل تعمل أثناء معالجة الخيارات أن تحدث تحريك- تغيير- للنتيجة, مثل تقارب الفروق بين خيارين - أو سبب آخر- يجعل اختيار أحدهم يرجح على اختيار الآخر فيتم اختياره فيؤدي ذلك إلى ترجيح الآخر وهكذا دواليك, وتبقى عملية الاختيار جارية ولا يتم البت بها.

إن الحرية في رأي هي : التحكم بالخيارات المتاحة بشكل شعوري واع
فهناك أمام متخذ القرار- في الدماغ - خيارات متاحة يقوم بمعالجتها وتحديد وتعيين إحداها أو بعضها بشكل واع , وآليات اتخاذ القرارات الواعية واعتماد الخيارات المختارة- المفضلة- تعتمد على عدد من العمليات العقلية أهمها :
عمليات الاستجابة المباشرة والسعي نحو الاستجابة المناسبة للكائن والتي تكون مترافقة مع استجابة حسية شعورية ومقيمة من ناحية اللذة والألم أومن ناحية الإفادة أو الضرر أو من كلاهما معاً.
أو الاستجابة التي تم إشراطها – أي تعلمها- بتحاشي الاستجابات غير المناسبة للكائن أو المؤلمة, أو الاستجابات التي جرى تعلم كفها .
أي يتحكم في اتخاذ القرارات والاستجابات: الإشراط والكف والتعميم... , وهناك تأثير آليات عمل الدوافع والتي يكون أغلبها متوارثاً أي ذو أساس فزيولوجي, بالإضافة إلى الدوافع التي تتشكل نتيجة التعلم والتربية والحياة الاجتماعية.
جذب الأوضاع والمؤثرات أو المثيرات , ودفعنا لتحقيقها
نحن كثيراً ما نلاحظ أننا لا نقرر أهدافنا أو غاياتنا بإرادتنا الذاتية , فالأوضاع والمثيرات والظروف هي التي توجهنا وتحدد غالبية تصرفاتنا وأهدافنا , وهذا يشبه ما يحصل في الكومبيوتر, فالمخلات هي التي تحدد المخرجات بعد معالجتها حسب نظام عمل الكومبيوتر والبرنامج العامل والذي يتضمن أيضاً الذاكرة المخزنة . فالأوضاع أو الظروف تفرض تأثيراتها التي هي بمثابة مدخلات إلى دماغنا , فتعالج حسب آليات ونظام عملة وحسب ما تم تعلمه أي ما خزن في الذاكرة . وكثيراً ما تحدد هذه الظروف ( أو المدخلات ) دوافعنا وأهدافنا وتصرفاتنا .
المصدر

هل العلمانية حل

هل العلمانية حل لمشكلة الأقليات؟
بقلم سلامة كيلة
لا يبدو أن فهماً حقيقياً قد تبلور حول العلمانية إلى الآن، حيث أنها لا تُرى كجزء من صيرورة تكوّن فكري، وتطوّر واقعي، بل كحل لمشكلة موضعية هي مشكلة «الأقليات» الدينية. حيث يجري الانطلاق من أن «تعايش» الأقليات الدينية في وضع تسيطر فيه «الأغلبية» يفرض الحاجة إلى العلمانية. هذه النظرة تُغرق العلمانية في السياق «الطائفي»، لتبدو وكأنها مطلب «الأقليات» الدينية فقط، ومن ثم أن تحققها هو من «كرم» الأغلبية الدينية. هنا يظهر أنها مطمح «الأقليات» الدينية فقط، وليس مطمح المجتمع النازع إلى الحداثة بغضّ النظر عن الأصول الدينية لمواطنيه. وتبدو أنها «مسايرة» لهذه «الأقليات» أكثر منها ضرورة لتطور تاريخي، وصيغة لشكل جديد للدولة يساوق العصر.

وهنا سيبرز أنه لم تكن من حاجة إليها في أوروبا (فرنسا مثلاً، حيث كانت تسيطر الكاثوليكية كدين رسمي). وهي ليست حاجة في باكستان (رغم وجود أقلية شيعية)، أو أكثر في تونس والجزائر والمغرب، حيث يسيطر الإسلام السني (والمذهب المالكي). هي فقط حاجة في بلاد الشام ومصر والعراق حيث تكثر الأديان و»الأقليات» الدينية.

إذن، لماذا نشأت في أوروبا؟ لماذا أصبحت مطمحاً للبورجوازية الصاعدة في فرنسا وألمانيا، بريطانيا وأميركا؟ بغضّ النظر عن الأشكال التي اتخذتها هنا وهناك: «متطرفة» في فرنسا، و»هادئة» في ألمانيا وبريطانيا وأميركا.

لم تنشأ الحاجة إلى العلمانية من وجود «الأقليات» الدينية، بل نشأت نتيجة الصراع على الهيمنة الأيديولوجية بعد نشوء البورجوازية. حيث كانت أيديولوجيا دينية هي المهيمنة قبل نشوء البورجوازية، وأفضى نشوءها إلى تبلور أيديولوجيا جديدة سعت إلى أن تكون هي المهيمنة. وبالتالي كانت العلمانية حلاً لهيمنة الأيديولوجيا التي تقوم على الدين، تستند إلى المقدس. وفي ثنايا ذلك جاء حل مشكلة «الأقليات» الدينية حينما انوجدت (اليهودية في أوروبا)، ولم تكن نتيجة هذا الوجود. وجاءت كنتيجة لتغيير النظر الذي أسس لتطور فكريّ جديد، فرض إعادة صياغة الدولة على أسس جديدة، وكذلك إعادة صياغة الوعي المجتمعي.

لقد جاءت العلمانية كـ «خاتمة» لصيرورة الحداثة، التي بدأت بتغيير النظرة الكوزمولوجينية التي انطلقت من أولوية العالم والكون على الطبيعة (وبضمنها البشر)، حيث انطلقت من الكليات الكبرى (من المجردات)، من العلة الأولى (الله في الدين، والإله في الفلسفة)، ليعاد تأسيسها انطلاقاً من الواقع، من الطبيعة (وبضمنها البشر). وهنا نشأت العقلانية، ليصبح العقل هو الصانع بدل الله. يصبح العقل هو «العلة الأولى». من هنا تبلور مفهوم «إرادة البشر» بعيداً عن أي إرادة فوقها. الأمر الذي فرض إعادة تعريف البشر، كمواطنين وليس كأتباع دين، كمواطنين وليس كطوائف. لتكتمل الدورة بإعادة صياغة الدولة بعيداً عن الدين، كونها تتأسس من إرادة البشر كونهم مواطنين فيها. وكان طبيعياً أن تكون العلمنة هي النتيجة الطبيعية، لأنه كان من الطبيعي أن تنزع الطابع الديني عن الدولة، وأن تتحول الدولة إلى دولة مدنية خاضعة لإرادة البشر. وبالتالي أصبح ممكناً أن تكون دولة ديموقراطية، مادامت إرادة المواطنين هي مصدر السلطات والدستور والقانون.

هذه الصيرورة تشكلت في تضادّ مع الأيديولوجيا السائدة، التي كانت تستمدّ قوتها من الدين. وهو التضادّ بين البورجوازية الناشئة والنظام الإقطاعي القديم. حيث تبلورت رؤية جديدة للعالم تناقض الرؤية القديمة التي سادت طيلة قرون متكئة على الدين. والعلمانية في صُلب هذه الرؤية الجديدة. وإذا كانت العقلانية هي التجاوز لهذه الرؤية في المستوى الفلسفي، فإن «القومية» هي التجاوز لها في مستوى الهوية، حيث جرى الانتقال من التعريف الديني، والتمايز الديني إلى التعريف القومي والتمايز القومي. والعلمنة هي التجاوز لها في مستوى الدولة، حيث لم تعد الدولة هي أداة الله على الأرض، ومنفذة لإرادته، بل أصبحت تنبع من إرادة المواطنين الأحرار. وهو ما أسس لنشوء القوانين المدنية والتعليم المدني. وهو الأمر الذي عنى فصل الدين عن الدنيا، الدين عن الدولة. وبالتالي فصل الدين كطقوس عنه كأيديولوجيا تتضمن تشريعاً «إلهياً»، وصيغة للدولة والسلطة، ولطبيعة العلاقة بينها وبين الرعايا. لتقرّ ممارسة الطقوس الدينية بكل حرية، لكن دون أن يُعنى بالسياسة والدولة. بمعنى أنه تحدّد بكونه شأناً شخصيًا وحرم ممّا هو شأن عام.

لهذا ليس من الممكن أن تنتصر الحداثة دون العلمنة، وليس من وعي حداثي دون أن يكون علمانياً. والوعي العلماني لا يفترض إلغاء الدين، حيث يمكن أن يكون الشخص متديناً وعلمانياً معاً، لأن المسألة تتعلق فقط في كيفية النظر إلى الدين، هل هو «دين ودنيا» أم أنه معتقد فقط؟ وبالتالي فإن العلمانية هي «وعي ذاتي» للأقليات الدينية، ولكن بالأساس للأغلبية الدينية. لأنها تخلٍّ عن «أيديولوجيا»، أي عن منظومة تشريعات ورؤىً تقوم على الدين، لمصلحة تشريعات مدنية حديثة. وهذه تشمل الأغلبية الدينية أولاً، كما تشمل الأقليات الدينية. حيث أنه مطروح لـ «الأغلبية» قبل «الأقليات»، لأن أيديولوجيتها هي المهيمنة. وبالتالي فإن تجاوز هذه الأيديولوجية المهيمنة يلغي «التعارض» مع الأقليات، لأنه يلغي النظرة التي تؤسسها للآخر/الأقليات. حيث يصبح كل من كان من «الأغلبية» ومن «الأقليات» مواطناً، له الحقوق ذاتها. إن إنهاء سيطرة هذه الأيديولوجية يلغي النظرة التي تشكل «الأغلبية» بمعناها الديني، وأيضاً «الأقليات»، لتتحول إلى أديان وطوائف لها الحقوق ذاتها، بعيداً عن المجال العام.

وبالتالي، فإن الأساس هنا هو «الأغلبية» كون أيديولوجيتها هي الأيديولوجيا المهيمنة. لهذا تبدأ العلمنة من «تفكيكها» كأيديولوجيا، وإنهاء هيمنتها. وفي هذا السياق تحل مشكلة الأديان والطوائف الأخرى. وأي تركيز على «الأقليات» كمشكلة تحتاج إلى حل بعيدًا عن رؤية «الأغلبية» هو هروب من رؤية الواقع، لأن المشكلة هي في الأيديولوجيا المهيمنة، التي تنتج التمييز بين المواطنين على أساس الدين والطائفة، لأن نظرتها «الدينية» تفرض أن تنتج هذا التمييز، وتعيد إنتاج الأديان والطوائف ككتل في المجال العام. لهذا فإن هذه الهيمنة هي التي تعيد إنتاج المسألة الطائفية، لأنها تعيد إنتاج النظرة «الدينية» المهيمنة.

فالعلمنة تبدأ من تجاوز النظر الديني في المجال العام. وهذا يفرض تخلي الدولة عن تبني هذا النظر في موقفها من الشعب، لتنطلق من مبدأ المواطنة. والمهيمن على الدولة تاريخياً هو أيديولوجيا «الأغلبية»، لهذا تكون الشريعة هي أساس التشريع، الأمر الذي يفرض حل هذه المشكلة عبر فصل الدين عن الدولة. حيث أن النظر الديني «الأغلبي» يميز بين المواطنين انطلاقاً من الدين ذاته، ومن الاختلاف في الدين (الطوائف)، وأحياناً من الاختلاف في المذهب (الحنفي، المالكي، الحنبلي، الشافعي). إن الأيديولوجيا المهيمنة هي أيديولوجيا «الأغلبية»، حتى في الدول التي تحكم فيها فئات من «الأقلية»، لأن لا شرعية لها إلا عبر تكيفها مع هذه الأيديولوجيا، مادامت لم تحقق العلمنة. إن المشكلة في الوطن العربي هي مع الأيديولوجيا المهيمنة، في الوعي، وفي التشريع، وفي ميلها لإعادة إنتاج سلطتها وتطبيق الشريعة. وهي مشكلة «الأغلبية» و«الأقليات» معاً، لهذا نشأت الميول العلمانية لدى رجال دين من «الأغلبية» (الطهطاوي، الكواكبي، الزهراوي، علي عبد الرازق، أحمد لطفي السيد، طه حسين …)، كما لدى «القليات» (شبلي شميل، فرح أنطون، قسطنطين زريق …). ولاشك في أن التركيز على أيديولوجية «الأغلبية» نابع من كونها الأيديولوجيا المهيمنة حتى الآن، كما كررنا، رغم كل ميول الحداثة التي تغلغلت.

إن النظر إلى العلمانية من زاوية «الأقليات» يتجاهل، إذن، الحداثة بمجملها، ويؤسس لـ «علمانية» مناقضة للعلمانية، لأنها تنطلق من وضع «الأقليات» في التكوين السياسي، وليس من تجاوز الأيديولوجيا المهيمنة، وتأسيس مجتمع مدني حديث يقوم على أساس المواطنة أولاً، وإرادة الشعب ثانياً، وفصل الدين عن الدولة ثالثاً، والديموقراطية رابعاً. وبالتالي يتأسس على دستور وضعيّ وقانون مدني حديث، ليست الشريعة مصدره الرئيسي، أو الوحيد، أو الأول. وهو المجتمع الذي يعيد الأديان إلى وضعية الشأن الشخصي، بعيداً عن الشأن العام. وهنا تحل مشكلة «الأغلبية»، كما مشكلة «الأقليات». إن تجاوز الأيديولوجيا المهيمنة هو الأساس هنا، ومشكلة «الأقليات» تحل في هذا السياق، وليس في أي سياق آخر.
المصدر

الثلاثاء، 16 يونيو 2009

العلمانية..لمجتمعاتنا؟

العلمانية.. هل تصلح لمجتمعاتنا؟
فاخر السلطان
العلمانية مفهوم حديث في التاريخ الغربي لايتعدى عمره القرنين، حيث برز أول مرة في فرنسا أثناء مصادرة الحكومة لأموال الكنيسة، وقد وُصفت تلك العملية بالعلمنة.

ومعروف أن التعريف التقليدي للعلمانية هو فصل الدين عن الدولة أو عن السياسة، في حين يشدد مخالفو العلمانية على المزج بين الدين والسياسة، وبالذات الإسلاميون الذين يعتقدون أن الدين الإسلامي يختلف عن الأديان الأخرى التي لاتولي أهمية للسلطة والسياسة، كالمسيحية واليهودية، ويؤكدون على أن الإسلام دين سياسي، وبأن السياسة تندرج في ذات الدين، وأن المسلم لايستطيع إلا أن يكون سياسيا. فنبي الإسلام، باعتقادهم، وهو اعتقاد صحيح، كان يتمتع بشخصية سياسية متكاملة لأنه مارس السياسة بكل أبعادها، لذلك شكل أمة إسلامية سياسية وبنى مجتمع المدينة/الدولة. على هذا الأساس نجدهم يشددون على لزوم الاقتداء بالنبي وإتباع طريقه الديني - السياسي، وأي دعوة لفصل الدين عن السياسة بالنسبة إليهم هي دعوة مذمومة لايجوز تنفيذها.

إن العلمانية لاتعني فحسب فصل الدين عن السياسة، بل ذلك ليس سوى نتيجة من نتائجها، إنما هي تستند إلى علاقة وطيدة مع عالم الطبيعة والمادة وتبتعد ما أمكن عن عالم ما بعد الطبيعة. هي توصي بعدم الإشارة إلى دور الدين في القضايا المتعلقة بالحياة الطبيعية، لأنها تعتبر الدين أحد عناصر ما بعد الطبيعة. بمعنى أنها تؤكد على إبعاد دور الدين عن الشأن العام، أي عن السياسة والاقتصاد والتعليم وغيره من المسائل. والشاهد على ذلك أن العصر الحديث شهد جهدا بشريا كبيرا في هذا الطريق، أي في طريق فصل مسائل الطبيعة عن مسائل ما بعد الطبيعة.

وفي الكويت، حينما كان مرشحو انتخابات مجلس الأمة يترددون على الديوانيات للحصول على دعم روادها، كانت العبارة التي يودّع بها أهل الديوانية المرشح هي "عسى الله يوفقك في الانتخابات"، أي أن العبارة المستخدمة مع المرشح كانت دينية تنتمي إلى عالم ما بعد الطبيعة (العالم غير العلماني) من أجل التعاطي مع أمر طبيعي مادي وبشري (أمر علماني). وهذا يعني بأننا لا نزال نتعاطى مع الشأن الطبيعي استنادا إلى الإطار ما بعد الطبيعي، وأن لغتنا لا تزال لغة غير علمانية، في حين أن العلمانية تُفصل الشأن الطبيعي عن الشأن ما بعد الطبيعي، وتستخدم لغة طبيعة للقضايا الطبيعية المادية البشرية، وتتعاطى مع مسائل ما بعد الطبيعة بلغة تصب في الاتجاه ما بعد الطبيعي. فاللغة دليل على علمانية أو عدم علمانية أي شخص. فهناك فرق في أن يودّع إنسانا صديقه بجملة "نراك غدا" العلماني بدلا من جملة "في أمان الله" الديني غير العلماني، إذ اللغة تشهد على أن صاحبها قد يؤمن بالعلمانية أو إنه قد لا يؤمن بها ولا يزال بعيدا عن أصلها.

إن عالم ما بعد الطبيعة، الذي ينتمي إليه الدين الإسلامي، يتدخل بصورة كبيرة في حياة المسلم ويساهم في تشكيل صورة الحياة ويبث الروح فيها وفي أسبابها وعللها. وبما أن الإنسان هو مجموعة من الأفكار والأسباب، فإنه عادة ما يتبع الأسباب، التي فيما لو كانت دينية فإنه سيصبح إنسانا دينيا، أما إذا ما كانت غير دينية فسيصبح إنسانا علمانيا. وهذا الأمر ينطبق كذلك على أفراد المجتمع في أن يوصفوا بالمتدينين أو بالعلمانيين. على هذا الأساس يوصف إنسان العصر الحديث بالعلماني لأنه استبدل أسباب الحياة الدينية بأسباب أخرى غير دينية، أي بأسباب علمانية. فعلى سبيل المثال، من أسباب نظافة الإنسان المسلم اتباعه الحديث النبوي الذي يقول "النظافة من الإيمان"، أي بسبب ارتباط النظافة بالإيمان لابد أن يكون المسلم نظيفا. في حين أن العلماني لايبحث عن أسباب النظافة في الحديث النبوي أو في النص الديني إنما يبحث عنه عن طريق العقل الطبيعي الذي من شأنه أن يوصله إلى هذه النتيجة حتى لو لم يتوفر في الدين ما يحث على ذلك.

إن مختلف صور الحياة ومختلف مؤسسات المجتمع، الرسمية وغير الرسمية، من سياسية واقتصادية واجتماعية وخدماتية وتعليمية وغيرها، الموجودة في المجتمعات الدينية موجودة أيضا في المجتمعات العلمانية. إذن ما الفرق بين الأثنين؟ بمعنى أنه ما الذي يجب أن يميز المجتمع الديني عن المجتمع غير الديني؟ إن الذي يجب أن يميز أحدهما عن الآخر لابد أن يتعلق بالأسباب أو بالعلل. بمعنى أن الإثنين، العلماني والديني، يتوصلان إلى نتائج متشابهة بشأن معظم قضايا الحياة ومسائلها، لكن الأول ينفذ أفكاره وأهدافه إنطلاقا مما يمليه عليه العقل البشري من أسباب دون النظر إلى رضى الله أو عدم رضاه، في حين أن الثاني ينطلق في تنفيذ أهدافه وأفكاره استنادا إلى دواعي رضى الله لا غير.

لكن هناك فرقا كبيرا بين المشروع الديني والمشروع العلماني، إذ الأول يعتقد، غصبا وزورا ومن دون أي دليل عقلي أو نصّي، بأن الدين يملك مشروعا متكاملا للحياة، بمعنى أن الدين الإسلامي بالنسبة لأنصاره هو "دين ودنيا". في حين يعتقد الثاني عكس ما يعتقد الأول، إنه يستند إلى العقل لا إلى النص الديني في رسم صورة الحياة المادية الطبيعية العقلية وفي تطوير مختلف جوانبها. وفي الانتخابات البرلمانية في الكويت اتجهت جماعات الإسلام السياسي في الدعاية لمرشحيها انطلاقا من عبارة "التكليف الشرعي"، حيث امتنعت عن التصويت للمرشحين غير الدينيين، وبالذات للعلمانيين والليبراليين والمرأة، وأكدت على "حرمة" التصويت لهؤلاء لما فيه من "إثم ومعصية" و"نشر للفسق والفجور" و"تعدّ على شرع الله". بمعنى أن تلك الجماعات دخلت ساحة الانتخابات والتصويت من بوابة المشروع الديني وأدبياته ومن خلال الأسباب والعلل الدينية المتصلة برضى الله. في المقابل نجد أن الجماعات غير الدينية، العلمانية والليبرالية، استندت في ذلك إلى العقل والمصلحة والواقع، أي إلى الأسباب العقلية الطبيعية غير الدينية لا إلى المشروع الديني والأسباب الدينية والنص الديني.



ما الذي يجب أن يميّز المجتمع العلماني عن المجتمع الديني؟ باعتقادي أن الذي يميّز بينهما يتعلق بالأسباب أو بالعلل. بمعنى أن الإثنين، العلماني والديني، يتوصلان إلى نتائج متشابهة بشأن الكثير من قضايا الحياة ومسائلها، لكن الأول ينفذ أفكاره وأهدافه وخططه إنطلاقا مما يمليه عليه العقل البشري من أسباب وبما يخدم الإنسان وحياته دون النظر إلى رضى الله أو عدم رضاه، في حين أن الثاني ينطلق في تنفيذ أهدافه وأفكاره وخططه استنادا إلى دواعي رضى الله لا غير. بمعنى أن دواعي عمل الإنسان العلماني تختلف عن دواعي عمل الإنسان الديني، ولا يمكن أن نفرق بين الإثنين انطلاقا من شكل عملهما.

إذن، المجتمع الديني والمجتمع العلماني لايختلفان في ظاهر عملهما إنما في الأسباب والعلل. والأديان، ومنها الدين الإسلامي من خلال نصوصه، لم تهتم بظاهر عمل الإنسان إنما كانت "تبشّره" و"تنذره". فلا نجد في القرآن، مثلا، أن الله قد بعث الأنبياء لكي ينظّروا للناس في الشأن السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو العلمي أو غيره من الشؤون، بل كان الأنبياء "مبشرين ومنذرين"، أي سعوا للتأثير في أفكار الناس لتغيير أسباب وعلل سلوكهم، وكذلك التأثير في نواياهم وتصحيحها والسير بها في الاتجاه الذي كانوا يعتقدون، أي في الاتجاه الذي يصب في سبيل الله، وليس تعليمهم السياسة والاقتصاد والعلوم وغيرها.

إن تدبير أمور الحياة المادية الطبيعية ومشكلاتها وقضاياها هي من مسؤولية العلماء لا الأنبياء. فالحروب التي خاضها النبي محمد ضد الكفار والمشركين كانت بشرية في الشكل والظاهر، وهي من الأمور التي خطط لها العقلاء لا الوحي، كما أنها كانت تختلف في الأسباب والعلل والنوايا. فالمسلمون كانوا يحاربون أعدائهم من أجل رضى الله ورسوله، فيما كانت علل ونوايا الكفار والمشركين تصب في اتجاه آخر، وهذا الأمر ينطبق كذلك على كافة النزاعات بين البشر.

وإذا ما نظرنا إلى نزاع العراقيين ضد صدام حسين سنجد أن الأسباب التي طرحها الإسلاميون في هذا الشأن تختلف عن تلك التي طرحها الليبراليون أو القوميون، إلا أن الهدف الرئيسي من النزاع كان واحدا وهو تغيير نظام طاغية العراق.

إن النبي محمد لم ُيبعث لكي يطرح في رسالته نظرية خاصة تتعلق بالحرب. غير أنه من الممكن أن تكون للنبي رؤيته الخاصة في هذا الشأن، لكنها لم تكن دينية، أي لم يطرحها أو ينظّر لها إنطلاقا من الشأن الديني، وإنما انطلاقا من بشرية الموضوع. لذلك نجد أن أدوات الحرب في زمن النبي محمد ظلت هي نفسها ولم تتطور أو تتغير، أي باتت السيوف والخناجر والدروع هي أدوات الحرب لمئات السنين. فنبي الإسلام أطلق على الحرب مسمى "الجهاد في سبيل الله"، أي غيّر أسبابها وعللها ووجهتها، التي كانت تختلف عن أسباب وعلل ووجهة الكفار والمشركين. بمعنى أنه حوّل وجهة القتال من "في سبيل الأصنام" إلى "في سبيل الله"، لكن شكل وظاهر الحرب ووسائلها فكانت تتبع الشأن العقلي لذلك الزمان الذي لم يكن يختلف فيما بين المسلمين والكفار.

على هذا الأساس، إذا كانت أسباب أي عمل أو التفكير في أي عمل هي من أجل رضى الله فإن ذلك العمل سيوصف بالديني، أما إذا ما كانت الأسباب تسير في غير طريق رضى الله إنما من أجل خدمة البشر والإنسان فسوف يوصف العمل بالعلماني. فهناك من يقبل على الزواج بدواعي رضى الله، وهناك من يقبل على ذلك لأسباب شخصية أو اجتماعية أو إنسانية لا ترتبط بالله أو بالشأن الديني، غير أن الشكل والهدف في الأثنين هو واحد.

وإذا نظرنا إلى الأسباب في العمل، أي عمل، سنجد أنها أسباب دينية بالنسبة للإنسان الديني، لكن شكل وظاهر عمله من شأنه أن يقوم على الانفصال عن الدين، لأنه لايمكن أن نستخرج من الدين نظريات سياسية أو اقتصادية أو صناعية أو حربية أو طبية أو رياضية أوغيرها.

إن الأنبياء، ومنهم النبي محمد، لم ينظّروا للشأن السياسي، كما لم يعرّفوا أنفسهم لأنصارهم وللناس بأنهم طارحو نظريات سياسية أو غيرها من النظريات، بل كان انشغال النبي محمد في الشأن السياسي موضع استغراب العديد من الناس في ذلك الزمان، على أساس أن الأنبياء من قبله، وخاصة النبي موسى والنبي عيسى، لم يمارسوا السياسة.

استنادا إلى هذا الطرح، إذا اعتقد البعض أن الدين لا ينفصل عن السياسة وإنه يؤسس لنظريات متعددة، ومنها السياسية، فلن يكون هناك مزج بين الدين بالسياسة، لأن الدين غير قادر على إنتاج نظريات سياسية. أما إذا اعتقد البعض الآخر أن ممارسة السياسة مسببة لرضى الله (من دون طرح نظرية سياسية دينية في هذا الشأن) وأن هذه الممارسة شبيهة بممارسة العلماني للشأن السياسي، فإن الدين والسياسة سيتطابقان. لذلك، إذا تساءلنا: هل يمكن للهندسة أن تصبح دينية، فإن الجواب من جهة هو: الدين منفصل عن الهندسة، لأن الدين غير قادر على إنتاج نظريات متعلقة بعلم الهندسة. لكن هناك جوابا آخر: إننا نمارس الهندسة قربة إلى الله وللوصول إلى رضى الله.

إذن، العلمانية قادرة على التعايش مع التفسير الديني الذي يعتقد بعدم قدرة الدين على إنتاج نظريات حياتية من سياسية واقتصادية واجتماعية وعلمية وغيرها، لأن انتاج هذه النظريات من مسؤولية العلماء لا الأديان أو الأنبياء الذين لم يشيروا إلى ذلك لا من قريب ولا من بعيد. في المقابل فإن العلمانية لاتستطيع التعايش مع التفسير الديني الذي يدّعي بأن الأديان قادرة على تأسيس تلك النظريات. وتبدو التجارب الإسلامية الحديثة التي تدّعي بأنها قادرة على تأسيس نظريات دينية للحياة لم تستطع أن تؤسس نظرية واحدة قابلة للتعايش مع العصر الحديث. والتجربة الإيرانية في هذا الإطار لم تستطع تحقيق نجاح ولو في الشأن السياسي من خلال نظرية ولاية الفقيه، التي تعتبر نظرية تاريخية ماضوية لا ترتبط بعلاقة تصالحية مع الحياة الحديثة ومع مفاهيمها، كما أن باقي الشأن الإيراني العام في مشروع "الجمهورية الإسلامية" لا يمت بصلة مع الدين



الصّيف واليافعون والثقافة

الصّيف واليافعون والثقافة
د. طيب تيزيني

مع انتقال البنات والأولاد إلى مرحلة الشهادة الثانوية (البكالوريا)، يكونون قد وصلوا إلى أواخر اليفاعة الشابة، أي بدأوا يستعدون لخوض العام المدرسي الأخير، الذي تتحدد مصائرهم العلمية والمهنية خصوصاً في نتائجه.
وبين هذا وذاك، يمر أولئك بحالة مد وجزر من التكوين الثقافي والنفسي والروحي، تبرز أهميته بل خطورته في تحديد وضبط مسارهم اللاحق، نساء ورجالاً، في هذه الحال، تفصح العطلة الصيفية عن نفسها بمثابتها فرصة دورية وفريدة لاستعادة البنات والأولاد قواهم العقلية والجسدية والنفسية والروحية. ومعروف أن "المطالعة" الحرة كوّنت أحد العناصر المهمة لتحقيق تلك الاستعادة.
العطلة الصيفية عنت دعوة إلى الإقبال على كتب الجاحظ لحصد الثمرتين كلتيهما معاً، العقل والأدب. وإذا أخذنا في الاعتبار أن ذلك كان يسير بالتوازي مع تلف الإنتاج الفكري والأدبي، الذي كانت المطابع العربية تقدمه للقراء العرب (خصوصاً في مصر ولبنان وسوريا) بصيغتي الكتاب العربي والكتاب الأجنبي المترجم، فإننا نلاحظ أن خطاً أولياً وضمنياً كان يحقق نفسه في عملية الاستهلاك الكتابي، وذلك على أساس من التوازن بين طرفي جدلية التراث والحداثة.
كان طلبة المدارس صغاراً وكباراً، ينشغلون بمتعتهم الأثرية إليهم والمتمثلة بالمطالعة، في إطار مرحلة ما بعد الاستقلالات العربية المتوهجة برموز الوطن والاستقلال والتقدم والتغيير والحرية والتضامن مع شعوب العالم الثالث، وهذا ما أسهم في إنتاج وعي وطني يقتدي بقيم الإنتاج الحضاري المتدفقة من الماضي العربي ذي المكانة العقلانية الرفيعة، ومن الغرب (الفرنسي والإنجليزي والألماني والإيطالي خصوصاً)، كما من "الغرب الشرقي" الصاعد في حينه (الاتحاد السوفييتي والمنظومة التي التفت حوله).
وقد تعمقت اتجاهات المطالعة في أوساط طلبة المدارس، وتحولت إلى واجب أو إلى شرف ثقافي وأخلاقي ووطني، وأهم من ذلك، أصبحت المطالعة هدفاً أمام التلاميذ، يسعون إليه في المنزل ومكتبة المدينة أو في الحدائق والبساتين عبر جلسات فردية وجماعية مفعمة بالحيوية والمتعة.
كان ذلك بمثابة تأسيس على تأسيس لشخصيات البنات والأولاد، الذين أنجز الكثير منهم ما أنجزوه مع تبلور شخصياتهم العامة تحت ثلاثة تأثيرات راحت تمارس عليهم، السياسة والدين والحب. وكالمرحلة المجتمعية العربية في معظم تجلياتها آنذاك، مارس أولئك تلك الحقول الثلاثة بكثير من الصدق والشفافية والحميمية والاعتدال.
وقد نقول إن الأطر البشرية العلمية والسياسية والقضائية وغيرها، التي تكونت في حينه، كانت في الإجمال هي التي استلمت مناصب الحكم ومواقع المؤسسات الغضة، أي ما يعتبر أسساً للمجتمعين السياسي والمدني في مجموعة من البلدان العربية.
ومعروف أن ذلك سيتم الانقلاب عليه مع بدايات تكون نظم الأمن والمخابرات، خصوصاً مع بواكير الوحدة السورية المصرية عام 1958، والدخول في نفق حُطام عربي مفتوح.
وكما يتضح مما سبق، كانت العلاقة بين الصيف واليافعين والثقافة ذات بعد عميق ومثمر. ومن ثم، فإن المقولة المركزية لعلم النفس العام، وهي إن الناس لا يولدون شخصيات بل يصبحونها، تبرز هنا بقوة في تجلياتها الثلاثة كما طرحتها عالمة النفس (غالينا أندرييفا)، التي هي: النشاط، والتعاشر، والوعي الذاتي (أنظر كتاب الباحثة المذكورة بعنوان: السيكولوجيا الاجتماعية).
فبمقتضى ذلك، حقق جيل اليافعين العرب، في مرحلة ما بعد الاستقلالات إلى نشأة النظم الأمنية المعنية، تقدماً ملحوظاً حصدت ثماره التجارب البرلمانية الديمقراطية اليافعة والقصيرة (مثلاً في تونس وسوريا ولبنان). لكن ذلك لم يطل، حيث انقض عليها إنقلابيون، وعملوا على تمزيقها.
ضمن النظم الأمنية، التي التهمت ما تم إنجازه في حقلي المجتمع السياسي والمجتمع المدني، راحت أجيال اليافعين العرب (ربما هي ثلاثة) تجد نفسها مشدودة بقسوة وعنف وقهر إلى ملحقات تلك النظم النقابية الفاقدة للمصداقية، مثل العمالية والفلاحية والفنية والشبيبية والطلائعية إلخ.
وعلى مدى عقود، تفرض نفسها حالتان اثنتان في أوساط تلك الأجيال، تتجلى الأولى منهما في كسر شعلة الحرية والإبداع والدفاع عن العدالة والكرامة في حياتهم، وإغلاق الدائرة عليهم. أما الحالة الثانية فتتمثل في سحق الطموح المعرفي الحر والثقافي الإنساني العمومي لديهم، ممثلاً ذلك - وفق ما نحن الآن بصدده - في تغييب حالة المطالعة الحرة في الإجمال، وفي العطلة الصيفية بكيفية خاصة.
وتزداد الوضعية اضطراباً وقلقاً وصعوبة، حيث ينشأ النظام العالمي الجديد وتنشأ معه شبكات مفتوحة من التواطؤات بينه وبين المرجعيات "الثقافية والأيديولوجية" للنظم الأمنية العربية، وذلك عبر أحصنة طروادة جديدة تقدمها ثورتا الاتصالات والمواصلات.
أما أخطر هذه الأحصنة وأكثرها فاعلية فهي الرياضة العابثة الهستيرية، والفن الوضيع الذي يستبيح شخصية المرأة، والعزوف عن الشأن العام. لكن هل يعني ذلك أنه يقودنا بالضرورة إلى ما بعد المطالعة؟

د. طيب تيزيني- (الصّيف واليافعون والثقافة)- الإتحاد الإماراتي

الأربعاء، 13 مايو 2009

الحجاب

الحجاب ... قراءة عقلانية نقدية

شهاب الدمشقي

يُعتبر الحجاب واحدا من أهم الشعائر الاسلامية واكثرها شهرة .. بل لعله الشعار الاسلامي النسائي بلا منازع ( الى جانب اللحية – الشعار الاسلامي الرجالي ) ، ويكتسب الحجاب أهمية كبيرة في الخطاب الاسلامي المعاصر باعتباره مظهر الحشمة والعفاف والفضيلة .. في مقابل السفور الذي يُنظر اليه في الخطاب الاسلامي باعتباره باب الفجور ومادة الفساد والانحلال الأخلاقي .. ومن هنا يسهب الإسلاميون في الحديث عن الأحكام الاخلاقية الكامنة في تشريع الحجاب حتى لقد ألف الكثيرون كتبا كاملة للحديث عن المضامين الأخلاقية لتشريع الحجاب..

والسؤال الذي يُطرح هنا : الى أي حد كانت هذه الحكم والمضامين الأخلاقية التي يحدثنا عنها اسلاميو اليوم حاضرة عند فرض الحجاب لأول مرة ؟؟
الإجابة على هذا السؤال تقتضي منا الرجوع الى الظروف التاريخية التي احاطت بتشريع الحجاب ..

فُرض الحجاب لأول مرة بالآية : ( يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما ) ( الأحزاب : 59 )

إن أول ما يستوقفنا في هذه الآية التي شرّعت الحجاب هي عبارة (ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين ) فما المقصود بها على وجه الدقة ؟؟ وهل هي الحكمة والغاية من فرض الحجاب على النساء كما يوحي سياق الآية؟؟

الجواب على هذه التساؤلات يكمن في :

أسباب النزول الخاصة بآية الحجاب ..

يقول القرطبي : ( لما كانت عادات العربيات التبذل ، وكن يكشفن وجوهن كما يفعل الاماء ، وكان ذلك داعبة الى نظر الرجال اليهن وتشعب الفكرة فيهن أمر الله رسوله ان يأمرهن بارتداء الحجاب عليهن اذا اردن الخروج الى حوائجهن ، وكن يتبرزن في الصحراء قبل ان تتخذ الكنف ، فيقع الفرق بينهن وبين الأماء .... وكانت المرأة من نساء المؤمنين قبل نزول هذه الآية تتبرز للحاجة فبتعرض لها بعض الفجار يظن أنها أمة ، فتصيح به فيذهب ، فشكوا ذلك الى النبي فنزلت هذه الآية ) ( تفسير القرطبي لسورة الأحزاب ) اذن رغم الملائكية التي يطبع بها كتاب هذا العصر من الاسلاميين مجتمع الرسول فالحقبقة مغايرة تماما !!! .
يخبرنا ابن كثير في تفسيره : ( كان فساق أهل المدينة يخرجون باليل ........ فاذا رأوا المرأة عليها جلبابا قالوا : هذه حرة فكفوا عنها ، واذا رأوا المرأة ليس عليها جلبابا قالوا : هذه أمة !! فوثبوا عليها !!!!! ) ( ابن كثير : 3/855 )

ويزداد الأمر سؤا حين تعلمنا احد الروايات أنه ( كان نساء النبي يخرجن بالليل لحاجتهن ، وكان الناس من المنافقين يتعرضون لهن فيؤذين ، فشكوا ذلك ، فقيل ذلك للمنافقين فقالوا : انما نفعل ذلك بالاماء !!! فنزلت هذه الآية - أي آية الحجاب ) ( طبقات ابن سعد : 8/141 )

ويؤكد ذلك الطبري حين يقول : ( يا ايها النبي قل لأزواجك ونساء المؤمنين لا يتشبهن بالأماء في لباسهن اذا هن خرجن من بيوتهن لحاجتهن فكشفن شعورهن ووجوهن ، ولكن ليدنين عليهن من جلابيبهن لئلا يتعرض لهن فاسق ) ( تفسير سورة الأحزاب )
وهكذا ....... ( لما كانت الحرة تخرج فتحسب أنها أمة فتؤذى ..... أمرهن الله أن يخالفن زي الاماء ، ويدنين عليهن من جلابيبهن ) ( طبقات ابن سعد : 8/141 )
ويضيف مجاهد يتجلببن فيعلم أنهن حرائر فلا يتعرض لهن فاسق بأذى من قول ولا ريبة ) ( تفسير الطبري لسورة الأحزاب )

اذا فالحجاب في أصله تشريع ذو مضمون طبقي غايتها الاساسية تمييز الحرة من الأمة !!!!! وهذا ما فهمه الصحابة من تشريع الحجاب ، اذ كان عمر بن الخطاب يطوف في المدينة فاذا رأى أمة محجبة ضربها بدرته الشهيرة حتى يسقط الحجاب عن رأسها ويقول : فيم الاماء يتشبهن بالحرائر ؟؟؟؟؟ ( طبقات ابن سعد : 7/127 )

والحقيقة أن هنالك اجماعا على ان آية الحجاب انما نزلت لمجرد تمييز الحرة عن الأمة !!

( و ذلك ادنى أن يعرفن يميزن من الاماء والقينات فلا يؤذين فلا يؤذيهن أهل الريبة بالتعرض لهن ) ( تفسير البيضاوي : 4/386 )
- ( يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين ا يتشبهن بالإماء في لباسهن إذا هن خرجن من بيوتهن لحاجتهن فكشفن شعورهن ووجوههن ولكن ليدنين عليهن من جلابيبهن لئلا يعرض لهن فاسق إذا علم أنهن حرائر بأذى من قول ) ( تفسير الطبري : 22/45 (

)كان نساء النبي صلى الله عليه وسلم يخرجن بالليل لحاجتهن وكان ناس من المنافقين يتعرضون لهن فيؤذين فقيل ذلك للمنافقين فقالوا انما نفعله بالأماء فنزلت هذه الآية يا أيها النبي قل لازواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى ان يعرفن فلا يؤذين فأمر بذلك حتى عرفوا من الأماء وأخرج ابن جرير عن أبي صالح رضي الله عنه قال قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة على غير منزل فكان نساء النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهن اذا كان الليل خرجن يقضين حوائجهن وكان رجال يجلسون على الطريق للغزل فانزل الله يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك يعني بالجلباب حتى تعرف الأمة من الحرة وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه قال كان رجل من المنافقين يتعرض لنساء المؤمنين يؤذيهن فاذا قيل له قال كنت أحسبها أمة فأمرهن الله تعالى ان يخالفن زي الأماء ويدنين عليهن من جلابيبهن تخمر وجهها إلا احدى عينيها ذلك أدنى ان يعرفن يقول ذلك أحرى ان يعرفن ) ( الدر المنثور : 6/659 )


- وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله يا أيها النبي قل لازواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن قال أخذ الله عليهن اذا خرجن ان يعدنها على الحواجب ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين قال قد كانت المملوكة يتناولونها فنهى الله الحرائر يتشبهن بالاماء وأخرج عبد بن حميد عن الكلبي في الآية قال كن النساء يخرجن إلى الجبابين لقضاء حوائجهن فكان الفساق يتعرضون لهن فيؤذونهن فامرهن الله ان يدنين عليهن من جلابيبهن حتى تعلم الحرة من الامة وأخرج عبد بن حميد عن معاوية بن قرة ان دعارا من دعار أهل المدينة كانوا يخرجون بالليل فينظرون النساء ويغمزونهن وكانوا لا يفعلون ذلك بالحرائر انما يفعلون ذلك بالاماء فانزل الله هذه الآية يا أيها النبي قل لازواجك وبناتك ونساء المؤمنين إلى آخر الآية وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في الآية قال كانت الحرة تلبس لباس الامة فامر الله نساء المؤمنين ان يدنين عليهم من جلابيبهن وأدنى الجلباب ان تقنع وتشده على جبينها وأخرج ابن سعد عن الحسن رضي الله عنه في قوله يا أيها النبي قل لازواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين قال اماؤكن بالمدينة يتعرض لهن السفهاء فيؤذين فكانت الحرة تخرج فيحسب انها أمة فتؤذى فامرهن الله أن يدنين عليهم من جلابيبهن وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في الآية قال كان أناس من فساق أهل المدينة بالليل حين يختلط الظلام يأتون إلى طرق المدينة فيتعرضون للنساء وكانت مساكن أهل المدينة ضيقة فاذا كان الليل خرج النساء إلى الطرق فيقضين حاجتهن فكان أولئك الفساق يتبعون ذلك منهن فاذا رأوا امرأة عليها جلباب قالوا هذه حرة فكفوا عنها واذا رأوا المرأة ليس عليها جلباب قالوا هذه أمة فوثبوا عليها وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله يدنين عليهن من جلابيبهن قال يسدلن عليهن من جلابيبهن وهو القناع فوق الخمار ولا يحل لمسلمة أن يراها غريب إلا ان يكون عليها القناع فوق الخمار وقد شدت به رأسها ونحرها وأخرج ابن أبي شيبه وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه في الآية قال تدني الجلباب حتى لا يرى ثغرة نحرها وأخرج ابن المنذر عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في قوله يدنين عليهن من جلابيبهن قال هو الرداء وأخرج الفريابي وابن أبي شيبه وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله يدنين عليهن من جلابيبهن قال يتجلببن بها فيعلمن انهن حرائر فلا يعرض لهن فاسق بأذى من قول ولا ريبة وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن سيرين رضي الله عنه قال سألت عبيدا السلماني رضي الله عنه عن قوله الله يدنين عليهن من جلابيبهن فتقنع بملحفة فغطى رأسه ووجهه وأخرج احدى عينيه ) نفس المرجع 6/661
- عن الحسن قال كن إماء بالمدينة يقال لهن كذا وكذا كن يخرجن فيتعرض لهن السفهاء فيؤذوهن فكانت المرأة الحرة تخرج فيحسبون أنها أمة فيتعرضون لها ويؤذونها فأمر النبي المؤمنات أن يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن من الإماء أنهن حرائر فلا يؤذين ) ( تفسير الصنعاني : 3/123 )
- وقال الضحاك والكلبي نزلت في الزناة الذين كانوا يمشون في طرق المدينة يتبعون النساء إذا برزن بالليل لقضاء حوائجهن فيغمزون المرأة فان سكتت اتبعوها وان زجرتهم انتهوا عنها ولم يكونوا يطلبون إلا الاماء ولكن كانوا لا يعرفونالحرة من الأمة لان زي الكل كطان واحد يخرجن في درع وخمارة الحرة والامة كذاك فشكون ذلك إلى أزواجهن فذكروا ذلك لرسول الله ص فنزلت هذه الآية والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات الآية ثم نهى الحرائر أن يتشبهن بالإماء فقال جل ذكره يا آيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيهن جمع الجلبات وهو الملاءة التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع والخمار وقال ابن عباس وأبو عبيدة أمر نساء المؤمنين أن يغطين رؤوسهن ووجوهن بالجلابيب إلا عينا واحدة ليعلم انهن حرائر ذلك ادنى أن يعرفت انهن حرائر فلا يؤذين فلا يتعرض لهن وكان الله غفورا رحيما قال انس مرت بعمر بن الخطاب جارية متقنعة فعلاها بالدرة وقال يالكاع اتتشبهين بالحرائر القي القناع ) ( تفسير البغوي 3/544 )

وهذا ما ذكرته المصادر الشيعية ايضا :

- ( ذلك ادنى ان يعرفن ) يميزن من الاماء والقينات (فلا يؤذين ) فلا يؤذيهن أهل الريبة ) ( الصافي للكاشاني : 5/203)
- ( ذلك ادنى ان يعرفن ) انهن حرائر ( فلا يؤذين ) يتعرض أهل الريبة لهم كتعرضهم للاماء ) ( تفسير شبر : 1/425)
- ( كان في الجاهلية تخرج الحرة والامة مكشوفات يتبعهن أهل الريبة، فامرهن باجتناب المواضع التي فيها التهم الموجبة للتأذي بالتستر لئلا يحصل الايذاء الممنوع منه ... فامر سبحانه بالتجلبب ...ذلك ان اهل الريبة كانوا يمازحون الاماء، وربما كان يتجاوز المزاح الى ممازحة الحرائر، فاذا قيل لهم في ذلك قالوا حسبناهن اماء !! فقطع الله عذرهم ) ( مقتنيات الدر للطهراني : 8/325)
- ( الجلباب : هو خمار المرأة ، وهي المقنعة تغطي جبينها ورأسها اذا خرجت لحاجة ، بخلاف خروج الاماء اللاتي يخرجن مكشوفات الرؤوس والجباه في قول بن عباس ومجاهد، وقال الحسن : الجلابيب : الملاحف تدنيهن المراة على وجهها وذلك ادنى ان يعرفن من الاماء ومن اهل الريبة فلا يؤذين ) ( منتخب التبيان للحلي : 2/203)
-( تغطية الرأس والوجه اقرب الى معرفتهن بأنهن حرائر من ذوات العفاف والصلاح فلا يتعرض لهن الفساق من الشباب كما كان من عادة الجاهلية التعرض للاماء ( فلا يؤذين ) أي لا يؤذيهن اهل الريبة بالتعرض لهن كتعرضهن للاماء ) ( الجديد لمحمد السبزواري النجفي : 5/453)

اذن ..... هذه هي الحكمة من تشريع الحجاب .... تميز الحرة من الأمة ..

وبعد هذه كله يحق لنا أن نعجب ممن يحدثنا عن ( الحجاب كعنوان للحشمة .... و صيانة المرأة ... ورمز العفة ...... الخ )
واذا كان للحجاب كل هذه المعاني النبيلة فعلام يقتصر على الحرة فقط ؟؟؟؟

اذا كان الحجاب ليدل على الستر والصلاح ويمنع الفساق من التعرض للمرأة فلماذا تحرم الأمة من الحجاب حتى وان كانت صالحة وعفيفة ؟
ترى الا يعتبر الاسلام الأمة انسانة يجب ان تستر جسدها عن أعين الرجال ؟
اليس للأمة كرامة في الاسلام ؟
لماذا يحق للأمة ان تكشف عن رأسها وشعرها وتترك الحجاب ؟
اقرأ ما يقوله الفقهاء بخصوص حجاب الأمة :

- المذهب الحنفي :

الأمة كالرجل في العورة مع ظهرها وبطنها وجنبها ، لقول عمر : الق عنك خمارك يا دفار ، اتتشبهين بالحرائر ؟؟؟ ( الدر المختار - تبيين الحقائق )

- المذهب المالكي :

عورة الامة هي السوأتان مع الاليتين ( الشرح الصغير - بداية المجتهد )

- المذهب الشافعي :

عورة الأمة كارجل في الاصح الحاقا لها بالرجل بجامع أن راس كل منهما ليس بعورة . ( مغني المحتاج - لمهذب )

- المذهب الحنبلي :

عورة الأمة كالرجل تماما : ما بين السرة والركبة على الراجح ، لحديث : ( اذا زوج أحكم أمته فلا ينظر الى شئ من عورته ، فان ما تحت السرة الى الركبة عورة ) ( رواه البيهقي )
و عورة الرجل و الأمة ما بين السرة و الركبة ( شرح العمدة :4/261 )

قال ابن جزي في تفسير قوله تعالى ( ذلك ادنى ان يعرفن فلا يؤذين ) : " أي ذلك اقرب ان يعرف الحرائر من الاماء فاذا عرف ان المرأة حرة لم تعارض بما تعارض به الامة .... لانه كان بالمدينة اماء يعرفن بالسوء وربما تعرض لهن السفهاء " )

اي ان الحرة فقط هي التي تمتع بالحصانة والعفاف ، اما الامة فيباح للفساق العترض لها بالتحرش والمضايقات الجنسية !


ولكن لماذا تُمتهن كرامة الامة ؟؟؟؟

( لما كانت مظنة المهنة و الخدمة و حرمتها تنقص عن حرمة الحرة ، كما انها تباع وتشترى ، ففي هذا اليوم عند هذا وقد تباع من الغد فتكون عند شخص آخر رخص لها في إبداء ما تحتاج إلى إبدائه وقطع شبهها بالحرة و تمييز الحرة عليها و ذلك يحصل بكشف ضواحيها من رأسها و أطرافها الأربعة ) ( الجواهر الدرية : 2/123)

ولذلك فان ( مكالمة القيان ومفاكهتهن ومغازلتهن ومصافحتهن للسلام ووضع اليد عليهن للتقليب والنظر حلال !!!! ) ( كتاب القيان للجاحظ : 2/107 ).

نشر بتصرف

الحب في الجامعة..

الحب في الجامعة.. تجربة يفشلها الواقع!
سوسن شاكر

نخرج من المرحلة الثانوية وكلنا أمل بالدخول إلى الجامعة.. لكن! أول ما يتبادر إلى أذهاننا هي قصص الحب المنتشرة بين أروقتها! فنحلم أن نعيش هكذا قصةً مليئة بالحب والشوق والحنين، مفعمة بالأمل، وكلنا أمل بالنهاية السعيدة! وكيف لا؟! ونحن مفطورين على الحب... ولا يمكننا التحكم بعواطفنا؟!
وهكذا، فمنذ أول يوم يدخل فيه الشاب/ الفتاة إلي الجامعة يتجه التفكير إلى هدف رئيسي هو كيف يقيم علاقة غرامية مع الجنس الآخر؟ وغالباً ما تختلف هذه العلاقات من حيث الشكل والمضمون، جزء منها ينتهي "نهايات سعيدة"، والجزء الأكبر بالألم والمأساة! ولا يبقى منها سوى الذكرى..!! لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا ما رأي الشباب بالحب في الجامعة؟ ولماذا أغلب العلاقات العاطفية تتكلل بالفشل؟! وما هي الأسباب التي جعلت من الحب في الوسط الجامعي خال من المصداقية؟!
المجتمع مسؤول..
يقول نبراس، طالب سنة رابعة اقتصاد: "الحب موجود في الجامعة، ولا يوجد سبب يمنع وجوده. ولم لا.. مادام الوعي موجود بين الطرفين! لكن فشل هذا الحب يعود إلى التربية والفصل بين الجنسين، واعتبار الفتاة خط أحمر ممنوع الاقتراب منها! فعندما يدخل الشاب الجامعة ويجد نفسه أمام الجنس الآخر، يقيم علاقات لا من أجل الحب، إنما من أجل التسلية وسد الفراغ العاطفي! قد تكون العلاقات جدية، لكن ظروف الحياة والمعيشة تحول دون الوصل إلى غايتها.
وأحب أن أضيف أن مشكلة الأديان والاختلاف بينها، وكذلك الاختلاف بين طوائف من دين واحد تؤثر تأثيراً كبيراً باتجاه فشل هذه العلاقات! فوجود علاقة حب بين شخصين من طائفتين مختلفتين أو من دينين مختلفين ستكون حتما فاشلة، رغم صدقها، بسبب الرفض التام من قبل الأهل وعدم تقبل المجتمع لهكذا علاقات، تحول دون ذلك.. "
لا للحب في الجامعة!
أما لجين، سنة تانية اقتصاد، فتقول: "أنا ضد الحب في الجامعة! لأن أغلب العلاقات تكون من أجل المظاهر. فالشاب يتفاخر بعدد الفتيات اللواتي يتكلمن معه، وعدد العلاقات التي أقامها في الجامعة، وقد تتحول المسألة إلى رهان بين الشبان، بمعنى (بتتحدى إنو هذه الفتاة رح تحكي معي!!) وإذا وجد علاقات حب جدية، وهي نادرة! فمصيرها على الأغلب الفشل لظروف خارجة عن إرادة الطرفين متل: (تأمين المستقبل، رضاء الأهل والكثير منها..)"
مجرد عواطف!
غازي، طالب سنة رابعة حقوق، يعلق قائلا: "لا اعتقد بوجود الحب في الجامعة لأنه عادة ما يكون الطالب / الطالبة بحاجة إلى قرين آخر من جنس آخر ليكمل بعضهما الآخر، فهي مجرد عواطف ومشاعر جياشة، لا توجد جدية في هذه العلاقات. فمعظم الشباب لها أهداف وغاية أخرى، بالإضافة إلى التسلية.. وتعود الأسباب إلى نقص التربية والوعي والثقافة وانعدام الضوابط بين الجنسين.."
الحب ليس جنساً..الحب في الجامعة.. تجربة يفشلها الواقع!
هبة، خريجة حقوق، تحكي قصة مرت بها فتقول: "أنا كنت سنة أولى عندما أحببت شاب، كان حب مراهقة، من طرف واحد، لم يكن يعلم الشاب بالبداية بحبي له مع أننا كنا أصدقاء. لكن، بعد فترة اتضحت له الأمور، فابتعد!.. وصارحني بعد فترة أنه من عائلة محافظة لا تأخذ إلا من بعضها أو من نفس منطقتها...!! للأسف كانت صدمة وجرح كبيرة بالنسبة لإلي.. " وتضيف: "الحب شيء جميل جدا لكن يجب أن يمارس بالشكل الصحيح، فأغلب الشباب تأخذ الحب من أجل الجنس يعني بالعامية (بدو يمسك إيدها، ياخد بوسة، أو ضمة من فتاة..) من أجل إرضاء شعوره فقط ثم يبحث عن آخرى لتعطيه المزيد.. هذه مشكلة جدا خطيرة لا يتحدث عنها الكثيرون مع أنها موجودة بكثرة وتعود الأسباب للترتبة ونقص الثقافة الجنسية لدينا.."
راحت.. أو راحت عليها!
فاطمة، سنة ثالثة حقوق، تقول: "الحب نوعين إما من أجل التسلية وملىء الفراغ العاطفي خلال السنين الدراسية، ثم تنتهي صلاحية الفتاة/ الشاب، ويملّ كل واحد من الآخر! فيبحث كل واحد منهما عن جديد!... أو تكون فعلا علاقات جدية يحب الشاب بكل عواطفه وكذلك الفتاة ليتفاجأ كل منهما، وبالأخص الشاب، أنه أمام كم هائل من المسؤليات فلديه الجيش وتأمين البيت والعمل والمستقبل ولا يستطيع التقدم لهذه الفتاة! وكما نقول بالعامية (يا بتكون الفتاة راحت، ياراحت عليها)؟!
الحب في الجامعة.. حاجة إنسانية
داني، سنة ثانية اقتصاد، يقول: "الحب يأتي فجأة.. لايستطيع أي إنسان أن يتحكم به ولكن الظروف لا تسمح بإتمام هذا الحب! وبرأيي نحن بحاجة للحب في الجامعة، وقد يكون الكبت العاطفي هو السبب وراء سعي الشباب في الجامعة لإقامة علاقات عاطفية لمجرد التسلية والتعرف على الجنس الآخر.." ويضيف: "أنا أحببت فتاة من نفس سنتي الدراسية لكننا لن نكمل مع بعض لأننا مدركين أننا لا نستطيع أن نقف معا... أنا مشواري طويل، وهي لا تستطيع الانتظار، وإن تقدم لها الرجل المناسب صاحب المال والجاه فسوف يقبل أهلها فورا..!!"
وأستاذة.. تكلمون..
د.أحمد حراكي، دكتور في كلية الحقوق، يقول: "أنا لا أؤمن بالحب في الجامعة لأنه غير مستقر، لايوجد استقرار بين الطرفين ماديا أو عاطفيا ونهايته حتما الفشل لانعدام الوعي فأساس هذه العلاقات هي التسلية (الشب بيتعرف على بنت وتاني يوم بشوف وحدة أحلى فبيتركها وبيتعرف ع التانية وهكذا..) والأسباب عديدة ومنها التلفزيون والفضائيات والرفاهيات الآخرى التي أصبحت تغني الشاب عن الزواج، فتدفعه إلى إقامة علاقات غرامية لمجرد ملىء الفراغ، والمشكلة الأكبر أن الفتاة تقبل بهذه العلاقة نتيجة المغريات التي قد يقدمها الشاب لها أو الوعود الزائفة..!! وهنا أنصح الفتيات بعدم الخروج مع شاب إلا بعد معرفته معرفة حقيقية وهدفه بدقة من وراء حديثه.."
د.كندة الشماط، محاضرة في كلية الحقوق، تقول: "أساس هذه العلاقة هو الجنس وليس العاطفة ففي مدارسنا ممنوع الاختلاط بين الجنسين فيأتي الشاب/الفتاة لمرحلة الجامعة ليجد الجنس الآخر الذي كان يبحث عنه صار متاحا أمامه فغالبا ما يخلط الشبان بين علاقات الزمالة وعلاقات الحب، وغالبا ما تكون هذه الأخيرة 80%منها للجنس فقط دون العاطفة مع الأسف! لذلك فالحلول هي بالتوعية والتربية الجنسية في فترة ماقبل الجامعة، والحل الأمثل للحد من هذه الظاهر هو بأن تقوم وزارة التربية بتدريس الثقافة الجنسية بدءا من مرحلة الطفولة لأننا في زمن الإعلام المفتوح والفضائيات الإباحية فلم يعد بإمكاننا أن نحصر أطفالنا ونبتعد عن الحديث بالأمور الجنسية كما كنا نفعل من قبل.."
ولكن.. الكبت وصعوبات الحياة
قرأنا الآراء التي تتحدث عن الحب في الجامعة.. ويبدو أن ملئ الفراغ العاطفي، هو أحد الدوافع الهامة. حيث أن الإنسان يمر بمراحل نمو متعددة. ويواجه المراهق/ المراهقة في مرحلة الدراسة الثانوية مشكلة أن مراهقتهم متزامنة مع امتحانات الثانوية العامة التي تحرمه من ممارسة مراهقته! فتتنقل معه هذه المشاعر المؤجلة إلى مرحلة الجامعة. لذلك، وبما أنه إنسان له احتياجاته النفسية والعقلية والعاطفية، يطلق العنان لعواطفه المكبوتة في جو مفتوح، ويجد نفسه قد تحرر من كل القيود التي كانت تكبل مشاعره وتحرمه من التعبير عن عواطفه، فتبدأ مرحلة التلاعب بالمشاعر، وعندها تميل الفتاة بطبيعتها الرومانسية للكلام المعسول! أما بالنسبة للشاب فغالبا ما تكون المسألة بالنسبة له أن يجرب ويتسلى فقط! فهو يعلم أنه لا مستقبل لهذه العلاقة!! لكن وبنفس الوقت هو بحاجة إليها!!
وكذلك الفضول، فمن أهم الأسباب التي تجعل الشباب يرتبطون عاطفيا في الجامعة أن كل من الطرفين لديه فضول شديد للتعرف على الطرف الآخر، والجامعة تمنح الدور الأكبر لكل شاب وفتاة لتعرف على الجنس الآخر حيث أصبح شعار الشبان في الجامعة: "... الكل يعشق بكل قوة... ويستمتع بكل لحظة.. ويعيش يومه وهو مدرك تماما أن قصة حبه إلى الزوال لا محال... " لأنه مدرك تماما أنه لن يستطيع الاستمرار وإن كان صادقا بحبه (وهذا قليل الوجود) بسبب الظروف المادية وتأمين المال، أو بسبب عدم الرغبة في الحب الحقيقي وعدم وجوده بالأساس وهذه العلاقات ليست سوى تجارب عابرة كما تسمى!!
ولا ننسى إهمال الأسرة هو السبب الأساسي وراء علاقات الحب في الجامعة فالفتاة عندما لا تجد من يستمع إليها أو يهتم بها من أفراد أسرتها، ستبحث عمن يهتم بها بالخارج (الجامعة) وهنا يقوم الشبان بتمثيل هذا الدور بإحكام، وكذلك الأمر عندما لا تمنح الفتاة حقها أن تشعر بثقتها بنفسها وقدرتها على تسيير أمور حياتها بنفسها. فأصبحت تحتاج، في كل تحركاتها، إلى ولي أمر يقف إلى جانبها وهو غالبا يكون الشاب الذي ترتبط به.. أو قد يكون الأهل متشددين لدرجة تجعل الفتاة بحاجة لأي شخص يخرجها من حالتها تلك، فلا تفكر بالشاب إن كان الشخص المناسب أم لا إنما تريد فقط الخروج من واقعها والعيش بالأحلام والتمتع بلذة الحب وكلامه المعسول...
إن كبت مشاعر الفتاة أو الشاب من الطفولة مرورا بفترة المراهقة إلى الجامعة من قبل الأسرة تؤثر سلبيا على نفسياتهم، حيث يجد كل من الشاب والفتاة أنفسهم أمام جو منفتح، مختلط، فيشعرون بكم هائل من المشاعر والعواطف تجتاحهم وتسيطر عليهم لدرجة أنهم يخطئون التصرف لأنهم مع الأسف قد تعودوا على العيش بمعزل عن الجنس الآخر فعندما يجدوا أنفسهم أمام بعضهم البعض وهم في مرحلة شبابهم بل إن كثيرا منهم ليمارس مراهقته في الجامعة فتحدث القصص الكثيرة والحوادث المؤلمة..!!
وبالتالي فإن فشل العلاقات العاطفية في الجامعة تؤثر تأثيرا سلبيا على تحصيل الطلاب/ الطالبات العلمي، وعلى مستقبلهم/ن! بل تكاد تنحصر نشاطاتهم وأحلامهم وطموحتهم المهنية والعملية والاجتماعية إلى حد يصبحون في عزلة اجتماعية يعانون مرارة الفشل!
لا بد إذاً من توعية كبيرة من قبل الأهل أولا، من خلال فهم الأساس في بناء شخصية متوازنة ليست متعطشة للمشاعر والأحاسيس، وقادرة على التحكم بعواطفها وعيشها بصدق وعفوية.. وبعد ذلك يأتي دور إدارة الجامعات التي عليها أن تهتم بتنظيم المناخ الاجتماعي لتوجيه هذه العواطف، والتعامل معها بطريقة تربوية تساعد على تنمية شخصيات الطلاب من الجنسين بأسلوب راق، وتحت إشراف ورعاية الأساتذة والمسؤولين عن رعاية الشباب. ويمكن تحقيق ذلك من خلال ملء فراغهم وتنمية شخصياتهم الوصول إلى شخصيات متوازنة ومتكاملة ومتفاعلة مع المجتمع...
هذا الموضوع، ذكرني بأسطورة الحب عند اليونانيين حيث تحكي الأساطير اليونانية القديمة أن إله الحب وإله الجنون تشاجرا فقام إله الجنون بفقع عيني إله الحب ففقد البصر على أثرها وبناء على ذلك اجتمعت المحكمة الآلهة وأصدرت حكمها الذي نص على أن يقود إله الجنون إله الحب مدى الحياة ويلازمه إلى الأبد لذلك ترى المحبين يقودهم الجنون إلي حيث لا يعلمون! فإذا كان الحب أعمى على حد قول الكثير فلماذا الحب في الوسط الجامعي حاد البصر؟!.

الإنترنيت , الثورة

الإنترنيت , الثورة ومابعدها
لقد أحدثت الانترنيت ثورة غير مسبوقة في مجال التواصل والتفاعل البشري ( الثقافة والعقائد والأفكار والمعارف والتجارة والصناعة والسياسة ) و نتائج هذه الثورة كانت سريعة ونلاحظها في أكثر من مجال , وهذا يعرفه أغلبنا . ولم تنل وسيلة من وسائل نقل ونشر المعلومات في تاريخ البشرية ما نالته الإنترنت من سرعة في الانتشار والقبول بين الناس ، وعمق في التأثير في حياتهم على مختلف أجناسهم وتوجهاتهم ومستوياتهم ، وما يميز الإنترنت هو تنوع طبيعة المعلومات التي توفرها ، وضخامة حجم هذه المعلومات التي يمكن الوصول إليها دون عقبات مكانية أو زمانية.
لقد أصبح الناس اليوم ينظرون إلى الإنترنت على أنها المصدر الأول والمفضل للمعلومات والأخبار ، ويرى البعض أن وسائل الإعلام التقليدية كالصحف والمجلات لن تلبث أن تنقرض على يد الإنترنت ، كما انقرض النسخ اليدوي للكتب على يد روتنبرج .
تتخطى الإنترنت كل الحواجز الجغرافية والثقافية والعقائدية التي حالت منذ فجر التاريخ دون انتشار الأفكار وامتزاج الناس ، وتبادل المعارف . فاليوم تمر مقادير هائلة من المعلومات عبر هذه الحدود على شكل إشارات إليكترونية لا يقف في وجهها شيء , وفي ذلك الكثير من نواح إيجابية وبعض النواحي السلبية
والسرعة الكبيرة التي يتم بها نقل المعلومات عبر الشبكة تسقط عامل الزمن من الحسابات ، وتجعل المعلومة في يدك حال صدورها ، وتسوي بين كل البشر ( في حال استخدموا الانترنيت ) في حق الحصول على المعلومة في نفس الوقت .
في وسائل الإعلام التقليدية نتعامل معها أننا كجهة مستقبلة فقط ، ينحصر دورنا في أن نأخذ ما يعطوننا فقط ، ولذلك من يملكون وسائل الإعلام هم الذين يقررون ما نقرأ أو نسمع أو نشاهد .
أما في وجود الإنترنت فأنت الذي تقرر ماذا ومتى تريد أن تحصل عليه من معلومات . وأكثر من ذلك فبإمكانك من خلال منتديات التفاعل والحوار أن تنتقل من دور المستقبل إلى دور المرسل أو الناشر , وهذه نقلة تحصل لأول مرة ، ولهذا أهمية كبيرة بلا شك في الحوار .
فشبكة الانترنيت أزاحت كلّ الأستار والحجب، ولا نقول قلّصت الممنوعات والمحرّمات، بل جعلتها من متناول اليد، ولم يعد الحفاظ على الأسرار شيئاً سهلاً ، وتقلّص مفهوم الرقابة إلى أقصى حدّ

وقد أضافت الانترنيت الكثير للسلطة الرابعة، وجعلت عملها سهلاً وسريعاً، وإذا تحرينا الدقة فأن معظم الصحف غير قادرة على إصدار مطبوعاتها من دون الاستعانة بالشبكة , وهذا السبب لوحده يعد خدمة كبيرة جداً والذي يعني بأن إيجابياتها لا يمكن الاستغناء عنها، ولكن الاستخدام السيئ والاعتماد الرئيس عليها اضر بالعمل الصحفي . إن خدمة الانترنيت لا تعادلها خدمة أخرى، لأنها جعلت عملية إصدار الصحف سهلة وسريعة، وذلك بما توفره من معلومات تحتاجها الصحافة، بل وأصبحت اليد اليمنى لأغلب الصحف ، إذ تستطيع إدارة التحرير في أية صحيفة إعداد العشرات من الصفحات اعتماداً على ما توفره هذه الخدمة، إلى جانب السهولة التي يمكن أن تتعامل بها الأقسام الفنية . هذا فضلاً عن أنها جعلت عمل الصحفيين ومندوبين الأخبار سهلاً ، كونهم استطاعوا من خلالها إرسال أخبارهم إلى صحفهم عن طريق خدمة البريد الالكتروني، بل والاستفادة من معلوماته في تحرير بعض الأخبار والمنوعات.. ومن هنا نجد بأن الجرائد والمجلات اغلبها قد الزم العاملين فيها على تعلم استعمال الانترنيت والاستفادة منه، وهي خطوة جيدة نحو الأفضل ، كون العالم وكما يقال أصبح قرية صغيرة بفضلها.

أما علاقة الشبكة بالثقافة الجادة فمتناقض ، فمن جانب تكون هذه الحوارات حافزا على البحث و الدراسة ، و من جانب آخر تستقطع وقت القراءة و قد تلغيها ، ويمكن أن تؤثر سلبيا على الثقافة الجادة .
والقراءة من شاشة الكومبيوتر لم يتقبلها القارئ العادي الذي تعود على القراءة من المجلات والكتب , ويجد صعوبة في لتقبلها . بينما يجدها القراء الجدد مناسبة .
وهذه القراءة غالباً ما تكون سريعة ومختزلة وغير مركزة , فكثرت المواضيع ووجود الكم الكبير من المعارف التي يمكن الوصول إليها , أدى لأوضاع سلبية في تناقل ونشر المعلومات , فقدرات الإنسان على استيعاب المعارف الموجودة على الانترنيت وتمثلها وضمها إلى منظومته الفكرية لم تتوافق معها . إن هذه المجالات والقدرات الكبيرة والواسعة التي أوجدتها الانترنيت , لم يستطع الفكر البشري أن يجاريها بقدراته التي يملكها , فالخيارات الكثيرة المتاحة أوسع وأكبر من أن يستطيع العقل التعامل معها , بالإضافة إلى أن المعارف الموجود على الانترنيت متداخلة ومختلطة مع بعضها إن كان من حيث نوعيتها أو دقتها . والانتقال السريع بين هذه المعلومات يمكن أن يؤدي في كثير من الأحيان إلى نتائج سلبية . ومن الصحي أن يكف المرء عن البحث عن المصادر بعد فترة ليستطيع هضم ما وجده بالفعل .
عندما يستمد الإنسان ثقافته من الإنترنت فقط , خصوصا إذا كان القارئ لا يعرف أن يتحقق من صحة المعلومات أمامه، لأنه يسهل تزيف الحقائق و تزويرها عبر الإنترنت .
فالمشكلة في المستخدم غير الخبير سواء فيما يقرأه (الموضوع الذي يبحث عنه) أو في الإنترنت عامة و كيف يفرق المواقع ذات الثقة من غيرها.
فمستخدم غير خبير قد يصدق بسهولة أي خبر فارغ أو نظرية غير دقيقة لمجرد وجودها على أي موقع على الويب . ولكن تبقى المزايا أكثر من العيوب - كون الأفكار مطروحة بحرية و ما على القارئ سوى التحقق - و مع الخبرة و الوقت سيكتسب القارئ الجاد هذه القدرة .
فقضية المصداقية يمكن حلها , وهي موجودة أيضا في باقي وسائل الإعلام .
والقراءة من الإنترنيت سوف تزداد وتتسع لتصبح هي الأوسع , وكذلك الكتابة عل الإنترنيت هي التي ستصبح الأساس , وجميع الكتاب سيوجدون على الإنترنيت بإرادتهم أو بإرادة غيرهم .

أهم الميزات :
المجانية وهي أمر لم يحصل تماماً بعد. لكنه سيحصل خلال السنوات القادمة ، حيث إن الكثير من الأنماط التجارية بدأت تتبلور لتمكن المجتمع من اعتبار خدمة الإنترنت من الخدمات الأساسية في الحياة والتي سيتم توفيرها للجميع بشكل مجاني أو شبه مجاني . تتابع الأخبار وتتسوق وتستدعي المعلومات المهمة في الوقت المناسب.
تنوع التطبيقات ، إذ إن التطبيقات والخدمات التي تقدمها الشبكة تبلغ سعتها سعة الحياة فمن التطبيقات التعليمية والتربوية التي تخدم أطفالنا في تعلمهم واستكشافهم للعالم ، إلى الخدمات التي تسهل الاتصال كالبريد الإلكتروني وغرف الحوار ، إلى التطبيقات التجارية التي تحول العالم بأسره إلى سوق صغيرة يستطيع فيها البائع والمشتري إتمام صفقاتهم في لحظات ، إلى المواقع الإخبارية والمعلوماتية والأكاديمية والمرجعية التي تخدم الباحثين والمطلعين في شتى المجالات . سهولة الاستخدام لا تحتاج أن تكون خبيراً معلوماتياً أو مهندساً أو مبرمجاً حتى تستخدم الإنترنت .
بالإضافة إلى :
1 – منحتنا حرية واسعة جداً في التعبير الفكري والعقائدي والأدبي والفني والتعبير عن المشاعر والعواطف . . ، نحن كنا محرومون منها .
2 - أتاحت لنا مجال تواصل ثقافي و فكري وعقائدي . . . مع الآخرين , وسريع جداً لم نكن نحلم به .
3 - حققت لنا سرعة كبيرة في مجال اختبار أفكارنا ومعارفنا . . , عندما مكنتنا من معرفة رأي الآخرين فيها .
4 - فتحت لنا مجالات واسعة تمكننا من إظهار قدراتنا , وبالتالي هيأت لنا ظروف تساعدنا على الإبداع في مجالات كثيرة .
5 - تساعدنا على تطوير الكثير من المهارات , إن كانت في مجال استخدام الكومبيوتر أو في مجال الكتابة واللغة والتأليف الفكري والأدبي والفني . . .الخ
6 - منحتنا مجال واسع للتسلية واللعب والترفيه والمزاح . . . , وكل ما هو موجود في النوادي الواقعية .
7 - أتاحت لنا مجال واسع للإطلاع المعرفي والثقافي في مجالات كثيرة , وبسهولة كبيرة .
8 – مكنتنا من سهولة وسرعة النشر على الإنترنيت , وهي أفضل بكثير من النشر عن طريق المراسلة العادية .
9 – وسهلت لنا البحث عن المراجع والمعلومات والأخبار سهل وسريع , بوجود محراكات البحث المتطورة .
10 – سهلت لنا كتابة المقالات و الموضوعات , لسهولة الوصول للمراجع , ووجود برنامج الورد .
11 - هي عالم يطور المرء في ذاته , وهي مجال تختبر فيه الأفكار والقدرة الكتابية والإبداعية ، وهي ملتقى مع أفراد يجمعك بهم قواسم مشتركة , والتعاطي مع الآخر وإمكانية الحوار معه .
12 – منحتنا سرعة التفاعل مع الآخرين , وبالتالي تسريع تطور الأفكار , واتساع مكان ومجال الحوارات و النقاشات . بوجود النوادي والندوات عبر الإنترنيت .
لاشك أن للمنتديات الحوارية الكثير من المزايا والفوائد كما أن لها سلبياتها ، ككل شيء في الحياة عموما . ففيها الحرية الواسعة في عرض ونشر الأفكار , وضعف الرقابة .
إن حرية التعبير التي حرمت منها مجتمعاتنا جعلت من هذه المنتديات متنفس وهو وضع صحي ومطلوب ومع الوقت ربما تصبح حرية التعبير وتقبل الآراء المختلفة وضع طبيعي ومقبول ، فالكثير من الأفكار التي تطرح لم تتعود مجتمعاتنا على مجرد سماعها ولا أقول قبولها .
و لا شك أن هناك بعض المواضيع القيمة تكتب في المنتديات، و لكن الإشكال هو أنها سرعان ما تذهب خلف الصفحات و تـُدفن . وصفات وخصائص المنتديات لا تحددها وتقررها الإدارة فقط بل صفات وقدرات الأعضاء أيضاً . فمهما كانت الإدارة متطورة وجيدة وحكيمة , فإن هذا لا يكفي لتطور المنتدى وتقدمه إذا كانت غالبية الأعضاء غير مؤهلة لذلك .

الحرية الواسعة في التعبير عن جميع ما تفكر فيه بالإضافة لتنوع المواضيع و اختلاف الأفكار و الثقافات الموجودة , له محاذيره . وكذلك إعطاء الحرية لم لا يستحقها يمكن أن يكون له عواقب سلبية .
لقد تعالت في الوطن العربي أصوات تدعوا للرقابة على الإنترنيت , والبعض أيد ذلك والبعض الآخر لم يؤيده .
إن الرقابة على الإعلام هي كانت موجودة دوماً إن كان بشكل ظاهر أو كان بشكل غير ظاهر , فالتقييم والتوجيه لكافة أشكال الإعلام هو موجود دوماً . وإذا دققنا في التاريخ المروي أو المسجل , وهو شكل من أشكال الإعلام , وكذلك كل الإعلام الواصل إلينا , فإننا نره مراقب ومقيم وموجه من قبل راويه أو كاتبه أو ناشره .
وكل من مارس أو يمارس الإعلام مهما كانت صفته , يترك بصمته عليه بطريقة من الطرق , فيمكن أن يذكر أشياء أو يتحاشى ذكر أشياء ,أو يستعمل طرق كثيرة أخرى معروفة ليترك بصمته (أو بصمت من يكون تابع له ) , وهذا نتيجة الدوافع والأفكار والقيم والمصالح التي يعتمدها , ودوماً الأقوى ( والأقوى يمكن أن يقون الأقوى فكرياً أو عقائدياً أو مادياً أو اقتصادياً ) هو الذي يفرض تقييماته وتوجهاته وينشر ما يحقق مصالحه .
لذلك كان الإعلام غير دقيق وفيه الكثير من التحوير , بالإضافة إلى أنه كان قليل ومحدود مقارنة بالإعلام الموجود الآن , وقد كان دوماً مسيطر على الإعلام وموجه من قبل الأقوياء .
ولكن الآن بوجود الإعلام الفضائي والإنترنيت الذي سمح للكثيرين نشر أفكارهم ومعارفهم وقيمه , وضمن حرية واسعة . أصبحت قوة سيطرة الأقوياء على التحكم وتوجيه الإعلام مهددة , وإن بقيت موجودة .
يجب أن يستغل هذا الوضع من قبل الضعفاء لأنهم تحرروا من سلطة الأقوياء , والسعي لإظهار أفكارهم وقيمهم وتوجهاتهم , فهو الأفضل حتى وإن كان لهذا العديد من المحاذير المعروفة . لأنه في النهاية سوف ينتشر الإعلام الأدق والأفضل ( ولا يصح إلا الصحيح ) ويتوارى الغث والتافه والسيئ , ولن يكون هذا خلال وقت طويل .فيجب أن تتحقق ديمقراطية وحرية الإعلام وإن كان الثمن كبير .
ومن مساوئ ومضار الانترنيت:
1- إدمان الجلوس بين يديه عنده لساعات طويلة بما يعطّل الكثير من أنشطة المستخدم الأخرى: العلمية والاجتماعية والرياضية والإنتاجية.
2- الابتعاد عن الواقع المعاش بما ينتج عن تفكك الروابط والعلاقات المباشرة، والاستعاضة عنها بلقاءات الغرف الالكترونية.
3- الاستغراق في التعامل الآلي يهدّد بالخوف من إلغاء إنسانية الانسان.
4 - الدراسات الطبّية التي أجريت على أناس يتعاملون مع الكمبيوتر لفترات طويلة يومياً، كشفت أن ذلك يؤدِّي إلى: ـ إضعاف البصر. ـ زيادة الإرهاق النفسي.
كيف نتكيف معها
إن المهم هو معرفة وإدراك الخيارات والقدرات التي أتاحتها لنا الانترنيت في مجال التواصل والتفاعل الفكري والمعرفي بما يسمح لنا بالنمو والتطور نحو الأفضل وبشكل سريع جداً .
أما في أي مجال ومن أجل أي أهداف وأي قيم , توظف هذه القدرات وهذه الإمكانيات , فهذا شيء أخر .
فيجب علينا أولاً اعتماد أحكام واقع أي أحكام موضوعية وتؤيدها الوقائع , وتكون عالية الدقة , وبعد ذلك نطلق الأحكام القيمة . أي ما هي قيمة ( فائدة أو ضرر) هذه القدرات التي عرفنا خصائصها , وفي أي مجال يمكن أن نوظفها .
ويمكن أن يكون الحل في إيجاد بنية منظمة ومديرة ومقيّمة , تقوم بالتعامل مع هذا الوضع وتحقق ارتباط فعال ومجدي بين ما هو موجود على الإنترنيت وقدرات الانسان أو الفكر المتعامل معها .
وهذه البنية موجودة وهي النوادي والمنتديات والصحف الإلكترونية وباقي المواقع . فهذه البنيات يجب أن تكون مهمتها الأساسية تحقيق أعلى مردود لتواصل بين ما هو موجود على الانترنيت والمستخدمين لها .
فيجب أن تكون مهمتهم التقييم و التنظيم والإدارة بما يحقق تلافي مساوئ الانترنيت والاستفادة من ميزاتها . ويجب أن يكون هذا مع المحافظة حرية التعامل مع الانترنيت . ومن مهمة إدارة المنتديات أيضاً الاهتمام بالمواضيع القيمة و نشرها على صفحات مجلة إلكترونية لكي لا تذهب هباء .
ومن الواقعي أن نعتبر الحوار على الشبكة هو نوع من الثرثرة أو التسلية و تباسط الأصدقاء أكثر منه حوارا أصيلا أو ثقافيا جادا , وطبعاً هناك فوائد هامة نجنيها من الحوارات الجادة ، ليس أقلها التعرف المباشر على الآخرين ، و لكن الحوار الذي ربما لا يؤدي إلى اتفاق سيؤدي على الأقل إلى تفهم ، و أيضا إلى شيوع روح الاعتدال و التعقل في الحياة العامة .
والحوارات هي ترمومتر ثقافي للإنسان يستطيع خلالها تحديد مدى لياقته الذهنية و الثقافية ، وهذا يحدث تحديدا عند اختلافه مع محاورين جادين أقوياء و هذا نادر للغاية ، و لكنه يحدث أحيانا .
هناك فارق بين المحاور و الكاتب , فالمحاور مشغول أساسا بمن يتحاور معهم , و لكن الكاتب يستغرق في الموضوع نفسه . المحاورة هي عبارات جذابة و لكن غير عميقة غالبا ، فلا وقت للتفكير المركز . والمقال يتوخى العمق لا الجاذبية ، خاصة في المقالات الشهرية أو الأسبوعية . والكاتب الجيد ليس بالضرورة محاورا جيدا.
والآن من يستخدم الإنترنيت في البلاد العربية قلائل جداً ونسبتهم لا تتجاوز 10 %
المصدر

الأحزاب العلمانية اللبنانية

الأحزاب العلمانية اللبنانية وواقعها
عاصم بدرالدين/تجمع نحو العلمنة

لا شك أن للحرب الأهلية الللبنانية التأثير الكبير في ضرب القوى السياسية العلمانية وإحباطها بعد أن كانت هذه الأحزاب في طليعة الأحزاب الوطنية وأكثرها جماهيريةً فالحزب الشيوعي مثلاً إستقطب العديد من الشبان الذين أستهوتهم تلك الأفكار الماركسية الفلسفية الجديدة رغم ما كان يشاع عنها وعن إلحادها،كما ان الحزب القومي السوري فرض نفسه وبقوة على الساحة اللبنانية بشكل خاص وعلى الأرض السورية بشكل عام بدعوته لوحدة الأرض السورية ليس عن طريق الدين بل الجغرافيا والتاريخ المتشركان، أما البعث فنال قسطاً كبيراً من التأيد لإعتماده خطاب قومي عربي دغدغ مشاعر اللبنانين بكل مشاربهم لأيتي لاحقاً الحزب التقدمي الإشتراكي الذي تبنى الإشتراكية والحرية والوحدة والعلمانية.
هذه الأحزاب ضعفت في فترة ما بعد الحرب الأهلية بعد تكريس الطائف كقانون للبلاد ولو بنسب مختلفة،ففي الحرب الأهلية أوقبلها بقليل توحدت هذه القوى أمام قوات الردع العربية وشكلت الجبهة الوطنية وكانت أنذاك بقيادة الشهيد كمال جنبلاط فما كان العامل الطائفي أوالتمايز الديني يؤثران في هذا اللقاء إلا أن الحرب أفقدت بعض هذه الأحزاب تنوعها وجعلتها تتقوقع في كنف الطائفة الأم – طائفة الزعيم أو القائد - والبعض الأخر منها هجرها محازبيها عائدين إلى أيضاً إلى أحضان المذهب والطائفة والدين ليبقى الحزب المهجور إسماً بلا قوى وإيديولوجيا بلا مؤمنين.

إن الأحزاب العلمانية في لبنان كثيرة إلا أن الشهير منها ،نقصد هنا أصحاب الشعبية والتاريخ، قليل وقليل جداً ومن هذه الأحزاب:الحزب الشيوعي والقومي السوري الإجتماعي والبعث العربي الإشتراكي والحزب التقدمي الإشتراكي حركة اليسار الديمقراطي وحركة التجدد الديمقراطي وحركة الشعب وغيرها من الأحزاب الشبه علمانية – تدعي العلمانية - أو الأحزاب الشخصية ،كالسيارة والهاتف والمنزل ملك خاص مهما أدعو الديمقراطية، كالحزبين الأخيرين التجدد الديمقراطي – النائب السابق نسيب لحود- وحركة الشعب – النائب السابق نجاح واكيم-.

أبانت الأيام أن هذه الأحزاب ما عادت تلبي رغبات الإنسان اللبناني "الطائفي" لأن ما نعيشه اليوم وما عشناه خلال الحرب الأهلية وما بعدها عزز لدى المواطن اللبناني الإنتماء الطائفي على حساب الإنتماء الوطني والذي جعل من الأحزاب الدينية مرتعاً مناسباً له،فتجاهل الوطن والعقيدة وما عاد يرى الوطنية إلا من خلف زجاج الطائفية وما يفيدها وإقتلع المواطنية من هامش تفكيره وجعل علاقته بالدولة كسلطة وككيان تمر أيضاً – مجبرتاً- بالسلطة الدينية لطائفته أو من يمثلها فغدا شعاره الطائفة أولا بدلاً من الوطن أولاً ولقد عزز الدستور اللبناني،ويا للاسف، هذا الأمر عبر منحه الطوائف خصوصية قوانين الأحوال الشخصية و تلزيمه المراكز المهمة في الدولة والغير مهمة للطوائف وليس للمدنين من الشعب.

هذا كلام واقعي وواقعي جداً وهذا ما نعيشه اليوم.وهذا ما يفسر إنتقال عدد كبير من الماركسين والقومين والبعثين و"التقدمين الإشتراكين" إلى أحزاب كحزب الله وحركة امل وتيار المستقبل والتيار العوني والكتائب والقوات اللبنانية ذات طابع ديني ظاهر أو مستتر.

فإذن تعيش معظم الأحزاب العلمانية اليوم على هامش الحياة السياسية ونستطيع القول أنها-أي الأحزاب- أصبحت مجرد زينة لشجرة الصراع اللبناني ... الطائفي!!

الأحزاب والعلمانية ورفض الطائفية وواقعها اليوم.
سيتم ترتيب هذه الأحزاب حسب تاريخ النشأ

الحزب الشيوعي:
يوصف الشيوعيين بالإلحاد من قبل رجال الدين كافة ويعزز هذا التوصيف مقولة ماركس"الدين أفيون الشعوب" إن علمانية النظام أو الأيديولوجية تقوم على شرطين مهمين،الأول أن لا تكون التشريعات صادر عن أي مبدأ ديني والتشريعات في الأحزاب هي المبادىء وأن لا تكون الأديان هي مصدر السلطات، بهذين الشرطين نستطيع القول أن الحزب الشيوعي – الأممي – هو علماني بمجرد الإشارة إلى القول الماركسي السالف الذكر،ففيه نبذ نهائي للدين بإعتباره قاضياً على الشعوب وحاداً لقدراتهم.
هذه الحقيقة الأيديولوجية تجسدت واقعاً في الشيوعي اللبناني فضم في صفوفه جميع "صنوف" اللبنانيين وعمل منذ إنشقاقه عن الحزب الشيوعي السوري على تطبيق عقيدته على الأرض اللبنانية فساعد العمال والطبقات الفقيرة ودعم قضياهم وطالب أكثر من مرة بعلمنة النظام وإخراج رجال الدين ورجال الطوائف من اللعبة السياسية ومازال لليوم يدعوا إلى ذلك،إنما لا بد من لحظ تغير مهم هو أن الحزب الشيوعي ما عد بنفس القوة والقدرات التي كان عليها سابقاً وذلك نتيجة المشكلة التي حاول هو في الماضي إلغائها وتدميرها ألا وهي الطائفية.
يعاني الحزب الشيوعي من امرين هامين سهاما في إهلاكه:
أولاً سلطة المال:بعد إنهيار الإتحاد السوفياتي فقد الدعم المادي فسعى الشيوعين لإيجاد مصادر جديدة، وهنا نقول أنه من الخطء تحميل تيار المستقبل وحده مسؤولية هذا الجنوح في ميسرة الحزب حيث يتهم المستقبل بأنهم إستمال الشيوعين بالأموال والثروات،فإلى جانب تيار المستقبل هناك تيارات وأحزاب أخرى ساهمت وفي المقدار نفسه على حلحلة الشيوعي اللبناني ومنها حزب الله،حليف اليوم.
ثانياً سلطة الدين:ساهمت الغرائز الطائفية، المنتشرة في الأجواء اللبنانية منذ أكثر من ثلاثين عاماً،في تفكيك الحزب الشيوعي بعد أن إشتاحت أعضائه.
مازال لليوم يذكر الحزب الشيوعي بكل إنشقاقته وتفرعاته عبر البيانات بضرورة إلغاء الطائفية السياسية وينسب كل الأزمات التي يمر بها لبنان إلى ذلك النظام الطائفي،إلا أن الحزب لا يملك أي وسيلة للتغير بالطريقة الديمقراطية فهو لا يملك أي مقعد في المجلس النيابي إضافة إلى ذلك لم يعرض منذ إقرار الطائف أي مشروع علمي جدي لتغير النظام والنفسية الطائفية في لبنان فالتصريح وحده كما البيانات لا يكفيان.
ودخلت الطائفية في السجلات الدائرة بين الأطراف المنشقة عن الحزب فيتهم المكتب السياسي بعض المنشقين وخصوصاً منير بركات بأن تركه الحزب يعود إلى أسباب طائفية تماشياً مع رغبة الزعيم "الدرزي" وليد جنبلاط،ويتهم القسم المعارض القيادة الحاكمة بلحاق الأقطاب "الشيعية" داخل الحزب.
هذا الزمان ليس الصراع فيه صراعاً أيديولوجياً كما كان في الخمسينات والستينات والسبعينات،الصراع اليوم هو صراع طوائفي على إمتلاك السلطة وهذا ما يبرر هجر الشيوعين للماركسية والعودة لطوائفهم سعياً وراء العيش والإنتصار!!
أسباب الأزمة الشيوعية العالمية كبيرة وكبيرة جداً تتعلق بالفكرة والتفكير وأيضاً حزبنا اللبناني يعاني من هذه الأزمة ولكن ما شرحناه أنفاً هو ما يتعلق بالطائفية وشلها الشيوعية اللبنانية.
ختاماً نقول: تحول الحزب الشيوعي اللبناني من حزب يسعى "لتحطيم"الطائفية إلى حزب "حطمته" الطائفية ... على أمل أن يعي الرفاق الشيوعي أهمية الحزب المنضوين تحت أسمه ودوره الوطني الكبير لإعادة لم الشمل


الحزب السوري القومي الإجتماعي

"إن أعظم عقبة في سبيل تحقيق وحدتنا القومية وفلاحنا القومي هي تعلق المؤسسات الدينية بالسلطة الزمنية وتشبث المراجع الدينية بوجوب كونها مراجع السيادة في الدولة وقبضها على زمام سلطاتها أو بعض سلطاتها، على الأقل. والحقيقة أن معارك التحرر البشري الكبرى كانت تلك، التي قامت بين مصالح الأمم ومصالح المؤسسات الدينية المتشبثة بمبدأ الحق الإلهي والشرع الإلهي في حكم الشعوب والقضاء فيها. وهو مبدأ خطر استعبد الشعوب للمؤسسات الدينية استعباداً أرهقها. ولم تنفرد المؤسسات الدينية باستعمال مبدأ الحق الإلهي والإرادة الإلهية، بل استعملته الملكية المقدسة أيضاً، التي ادعت استمداد سلطانها من إرادة الله وتأييد المؤسسات الدينية، لا من الشعب.

في الدولة التي لا فصل بينها وبين الدين، نجد أن الحكم هو بالنيابة عن الله لا عن الشعب. وحيث خف نفوذ الدين في الدولة عن هذا الغلو نجد السلطات الدينية تحاول دائماً أن تظل سلطات مدنية ضمن الدولة".

هذا النص مقتبس من المحاضرة السابعة للزعيم أنطون سعادة زعيم القومية السورية التي تحدث فيها عن المبادىء الإصلاحية للقومية الإجتماعية وقد أدرج هذا النص في المبدأ الأول تحت عنوان "فصل الدين عن الدولة".

هذا النص كافي للتأكيد على علمنة القومية السورية – الحزب – ففيه إشارة إلى أن السلطة يجب أن تكون بيد أناس من السلطة الزمنية وليس من السلطة الدينية إضافة إلى ذلك يشير إلى أن حين تحكم المؤسسة الدينية فيهي تحكم بإسم الله وليس في إسم الشعب وهذا تناقض مع مبادىء العلمانية.
كما أنه يرى بحكم السلطة الدينية إستعباداً للشعوب،لكنه يقول في المحاضرة ذاتها:
"هذه هي الوجهة الدنيا من الدين. هي الوجهة التي كان الدين ولا يزال يصلح لها حين كان الإنسان لا يزال في طور بربريته أو قريباً منها. أما في عصرنا الثقافي فإنه لم يعد يصلح. "هذه هي الوجهة التي يحاربها الحزب السوري القومي الاجتماعي لا الأفكار الدينية الفلسفية أو اللاهوتية، المتعلقة بأسرار النفس والخلود وما وراء المادة.

إن فكرة الجامعة الدينية السياسية منافية للقومية عموماً وللقومية السورية خصوصاً، فتمسك السوريين المسيحيين بالجامعة الدينية يجعل منهم مجموعاً ذا مصلحة متضاربة مع مصالح مجاميع دينية أخرى ضمن الوطن ويعرض مصالحهم للذوبان في مصالح الأقوام التي تربطهم بها رابطة الدين (كالفرنسيين والطليان وغيرهم). وكذلك تشبث السوريين المحمديين بالجامعة الدينية يعرض مصالحهم للتضارب مع مصالح أبناء وطنهم الذين هم من غير دينهم وللتلاشي في مصالح الجامعة الكبرى، المعرضة أساساً، لتقلبات غلبة العصبيات، كما تلاشت في العهد العباسي والعهد التركي. ليس من نتيجة للقول بالجامعة الدينية سوى تفكك الوحدة القومية والانخذال في ميدان الحياة القومية".

وفي المبدأ الثاني يتحدث سعادة عن ضرورة "منع" تدخل رجال الدين في السياسة والقضاء القوميين وهذا المبدأ هو مرتبط تماماً بالمبدأ السابق وتأكيداً عليه ، وفي المبدأ الثالث يدعوا إلى إزالة الحواجز بين مختلف الطوائف والمذاهب لأجل الحفاظ على وحدة الأرض السورية وتقدمها.
طبعاً هذا الكلام ليس متناقضاً بل هو تعبير واضح وصادق عن العلمانية كفكرة ومنهج فالعلمانية ترفض تدخل السلطة الدينية في العمل السياسي أو الدينية السياسية إلا أنها لا ترفض الدين وتنسبه إلى الحرية الفردية،كلام سعادة هذا من منطلق قومي فهو يعتبر لحقاً أن القومية لا تقوم على الدين ولكن نلفت الإنتباه إلى أن علمانية القومي السوري تمثل الإعتدال وليس التطرف كما الشيوعية.
ولكن ماذا يفعل القومي السوري الإجتماعي اليوم؟

الكلام...كما الشيوعي إلا أنه في عام 1997 قدم إلى مجلس النواب اللبناني مشروع متعلق بالأحوال الشخصية وطالب بتشريع الزواج المدني وكالعادة وضع هذا الملف في الدرج بعض رفض السلطات الدينية والدينية السياسية يومها له.
لا يمثل القومي السوري اليوم أي قوة تذكر على الصعيد الشعبي ولا على الصعيد السياسي كبقية الأحزاب العلمانية رغم إمتلاكه نائبين في البرلمان،أسعد حرادن ومروان فارس،إضافة إلى ذلك إرتباط إسم الحزب بالنظام السوري الذي جعل منه في سوريا ملحق في حزب البعث وأعطاه ثلاثة نواب في الإنتخابات الأخيرة ووزير بلا حقيبة!!!
فإعتبر الحزب القومي أداة في يد المخابرات ومنفذ لكثير من عمليات الإغتيالات من خلال بعض الضعفاء معروفي الأسماء ومنهم مشهور جداً،هذا والطائفية والمال دمروا الحزب وأضعفوه وفي مرحلة من المراحل إنقسم الحزب وأيعيد دمجه واليوم يقال أن فئة من القومين قد أنشقت لمعارضتها التحالف مع نظام آل الأسد.
تحالف القومي مع قوى طائفية لأسباب "مقاومة" يثير الدهشة والإشمئزاز ولكن إن لم يتحالف مع هذه القوى فسيبقى من دون حلفاء ولن يحصل على هاذين النائبين الملحقين بكتلة حزب الله وحركة أمل وسيجلس وحيداً يتأمل المستقبل البعيد.
قد يكون تأثير الطائفية على الحزب القومي كبير لكن ليس كما على الشيوعي إلا أن حملة القمع الكبيرة بحق القومين في كل العهود هي التي أضعفت الحزب إضافة إلى لعبه دور الحليف – الخادم - لنظام قمعه في لبنان وسوريا جعل أعضائه ينكفؤن إلى أحزاب أخرى أو إلى اللاحزبية.
مشروع العلمنة ما زال حتماً قائماً في خطط الحزب القومي إلا أنه مؤجل رغم المناداة الدائمة به،على كل حال إلى حين خروج الحزب العريق من تحت جناح – وصاية – حزب البعث لكل حادث حديث.



التقدمي الإشتراكي

هو الوحيد من الأحزب العلمانية التي لم تفقد برقيها طبعاً لأنها أخذت طابعاً طائفياً بإمتياز فأصبح التقدمي الإشتراكي الحزب الدرزي الأكثر شعبية ،بعد أن كان هذا الحزب في طليعة الأحزاب العلمانية التي تدعوا إلى علمنة النظام تصتف اليوم في خانة الأحزاب الطائفية ذات اللون الواحد رغم وجود بعض المجموعات صغيرة الحجم من ألوان أخرى.
في نص تحت عنوان "مشكلة الإنسان في لبنان والمأزق الطائفي" على الموقع الرسمي للتقدمي الإشتراكي يعبر الحزب فيه هن رأيه بالنظام الطائفي وفي الفقرات الثانية،الثالثة والرابعة يقول:
"2- مشكلة تكريس طائفية الرؤساء ووظائف الدرجة الأولى في الدستور. هذه المشكلة تعني في الواقع بقاء كل فريق طائفي وراء متراسه في مواجهة الفريق الآخر ة تهدد السلم الأهلي والتكافل والتضامن حول المصلحة الوطنية العليا.
3 -مشكلة المادة 95 التي تنص على العمل بالتوازن الطائفي وتقاسم المسؤوليات طائفياً ويصورة مؤقتة.
منذ إعلان دستور الجمهورية في عهد الانتداب الفرنسي حتى يومنا هذا لم تظهر محاولة جادة لإلغائها وإراحة اللبنانيين من شرورها وإخراج المواطن من شرنقة الطائفية البغيضة والموقف صار أبدياً سرمدياً والولاء للطائفية يتقدم على الولاء للوطن كي يتمكن المواطن من الوصول إل الوظيفة أو المركز المرموق في الدولة بموجب التوزيع الطائفي.
4 - مشكلة قانون الأحوال الشخصية .
هذا القانون يسهم بفاعلية في فرز المواطنين فرزاً طائفياً ويجعل من اللبنانيين شعوباً متنافرة متباعدة والدولة اللبنانية دولة فيدرالية الطوائف والمجتمع اللبناني معرضاً للإنقسام وأحياناً التناحر بدلاً من الانصهار في وحدة شعبية وطنية حقيقية."

الواضح من هذه النصوص إن هناك رفض واضح للطائفية السياسية والطائفي المراكزية والإدارية وحين نعود إلى الماضي لنتذكر نشأة الحزب عام 1949 على يد ثمانية مفكرين من مختلف الطوائف وعلى رأسهم كمال جنبلاط وحين نتذكر المبادىء المستمدة من الفلسفة الغاندية والماركسية ندرك علمانية الحزب التقدمي الإشتراكي،ولكن حين نعود إلى الحاضر أو الأصح الماضي القريب،الحرب الأهلية، وحروب الجبل بين الحزب التقدمي الإشتراكي- الدروز – والقوات اللبنانية –المسيحين – ندرك أن هذا الحزب فقد رونقه العلماني لأنه دخل المعركة على أساس طائفي وحين نتذكر أيضاً يوم إغتيال الشهيد كمال جنبلاط ومجزرة الجبل يومها بحق مئات الشهداء من "المسحين" ندرك تماماً أن الحزب تسيطر عليه الطائفية،قد يكون ذلك يعود إلى طائفة رئيس الحزب حيث كل شيء في يدها كما هي الحال في كمال جنبلاط ووليد جنبلاط فالأب والأبن ترأسوا الحزب منذ تأسيسه وكانوا هم الحاكمين الأساسين وأصحاب الأمر رغم الفارق في التعاطي بين الأب والأبن،وهذا الكلام لا يقصد منه المس بشخصية كمال جنبلاط المفكر ولا السياسي، أحادية الرئيس و الحرب الأهلية التي ولدت الطائفية دمرت علمانية الحزب التقدمي الإشتراكي.
رغم دعوة النائب جنبلاط الدائمة إلى علمنة النظام ،وهو الذي يملك كتلة تتألف تقريباً من عشرين نائب،فإن هذه الدعوات ما هي إلا كلام في الهواء فلم نسمع مرة واحدة أن الإشتراكي قدم مشروع لعلمنة النظام بل سمعنا أنه إستفاد كما الأحزاب الباقية من هذا النظام الغارق بالفساد.
يقول الموضوع نفسه أن المعلم كمال جنبلاط أقترح حلا وطنياً تألف من ثلاث نقاط لحل مشكلة الغبن الطائفي ومشكلة الأرتباط الخارجي، البنود الثلاث تحت عنوان فصل الدين عن الدولة و هم :
أ - تفويض روحية الإقطاع السياسي.
ب - توحيد الشعب اللبناني في وحدة شعبية تامة.
ج - تقرير علمانية الدولة وتكريسها بالأنظمة والنهج السياسي والقوانين والدستور فلا يتدخل رجال الدين فينا لا يعنيهم من سياسة إلا بما تفرضه حقوقهم كمواطنين .

كما يرى الحزب،حسب النص أيضاً، أن الطائفية تشكل عائقاً أمام صحة التواصل بين الدولة والمواطن وبين المواطنين انفسهم.
إستشهاد كمال جنبلاط، الحرب الأهلية، الدخول السوري،تحالف جنيلاط والنظام السوري،فساد الحزب التقدمي الإشتراكي في الإدارات الرسمية كلها أسباب لم تضعف الحزب التقدمي لأنه إستبقى لديه أبناء الطائفة إلا أن كانت سبب في عدم تقدمه.
لا نستطيع أن ننفي مسؤولية الإشتراكي التقدمي عن الكثير من الأمور التي حصلت منذ الطائف وما بعده وحتى ما قبله بتغاضيه عن الوصاية والتحالف معها إضافة إلى التمسك بالقائد الواحد وهذه مشكلة كل الأحزاب الطائفية وتأليهه وتقديسه وهو يستعبدهم ويذهب ويأتي بهم.
إلى حين أن يقتنع الرفيق وليد جنبلاط بضرورة علمنة النظام كما يقول،لكل حادث حديث مرة أخرى

حزب البعث العربي الإشتراكي

حزب تائه بين ديكتاتورية العراق السابقة وديكتاتورية الشام الحالية، فلا علمنة ولا طائفية بل إراهاب وقتل وقمع.
وفيما يخص علمانية الحزب العقائدية ،فيشير مؤسس الحزب ميشال عفلق أن الحزب قائم على أسس علمية وينفذ مشروع علمي.


حركة اليسار الديمقراطي

صحيح أن هذه الحركة حديثة العهد إلا أنها أحدث تجربة حزبية علمانية فعالة في لبنان فهي ليست كحركة الشعب والتجدد الديمقراطي القائمين على شخص واحد يترأس ويحكم ،هذه حركة شبابية مطعمة بالخبرة،قد لا تنافس الشيوعي والقومي السوري بالعظمة أو التاريخ إلا أنها حركة واعدة لمجرد أن في داخلها حركة ديمقراطية تمثلت في الإنتخابات الأخيرة،نيسان الماضي،على أمل أن تلقى هذه الحركة الدعم الكافي لتحقيق أهدافها وأولها علمنة النظام وأن لا تضيع في طرقات الطائفية الضيقة أو سياسية مشبوهة.

أحزاب شبه علمانية:
هم كثر يدعون العلمنة رغم أنهم لا يملكون أي عقيدة بل هم مجرد أحزاب سياسية لا تملك مشاريع علمية لا لبناء الدولة ولا لتطوير لنظام،إنما هم مجرد أحزاب يريدون تحقيق المكساب السياسية ولاحقاً المراكزياً ومن بعدها المالية.
هذه الأحزاب تملك رصيد قوي شعبياً يغلب عليه اللون الواحد ومنها تيار المستقبل،التيار الوطني الحر ويمكن أن نضيف عليهم الحزب التقدمي الإشتراكي.
فمثلاً الجنرال عون زعيم التيار الوطني الحر لا ينسى أبداً في كل مرة أن يذكرنا أنه مسيحي ويطالب بحقوق المسيحين وبإعادة صلاحيات رئيس الجمهورية الماروني على ما كانت عليه مع أنه يقول أن تياره علماني!!!
سعد الحريري الزعيم المستقبلي،أي زعيم تيار المستقبل، هو الأخر يرمي نفسه وتياره من اجل الحفاظ على الحقوق السنية ومطالب الأكثرية السنية وينزل شبابه لكي يهتفوا هتافات طائفية ويدعي أن تياره علماني!!!
هذه الزمرة من الأحزاب لن تفيد مشروعنا العلماني لا بل ستقف في وجهه وستسعى لإبقاء والحفاظ على النظام الطائفي البائس.

شبه أحزاب لكن علمانية:
هنا قاعدة معكوسة تماماً عما سبق،الأحزاب في هذه الحالة لا تملك أي رصيد شعبي إنما تملك على الأقل الفكرة العلمانية وفي الأغلب تكون سلطة القرار في هذه المجموعات محصورة بمؤسس الحزب الذي لا يتغير إلا حين موته فينحل الحزب أو التيار.ومن هذه الأحزاب التجدد الديمقراطي وحركة الشعب ورابطة الشغيلة وحزب السلام وبقية الأحزاب التي لا تمتلك رصيد كأحزاب إنما كأشخاص.

يمكننا اليوم وصف الأحزاب العلمانية على أنها أحزاب "للنخبة"،لكن لا أعرف مدى صحة هذا التوصيف، على كل حال لا بد من توحيد الرؤية حول العلمانية بين هذه الأحزاب،ووضع مشروع مشترك لكيفة الإنتقال من النظام الطائفي إلى أخر علماني يحترم الإنسان ويساعد على قيام سلطة عادلة تساعد أبنائها على النهوض.
قد تكون الأيام التي يمر بها لبنان اليوم غير مناسبة للحديث عن العلمانية،لكن علينا أن نتذكر أن أصل هذا البلاء كله هو الطائفية السياسية.